طُلبت مني مداخلة هاتفية في برنامج صباحي على إحدى الفضائيات. وذلك لمناقشة موضوع (الحموات، ما بين الفن والواقع)، في ضوء تلك (الصورة الذهنية السلبية) المأخوذة عنهن في المسرحيات، والأفلام، والمسلسلات، والأمثال الشعبية، والرسوم الكريكاتورية. إذا كانت الدراما: (حكاية لجانب من الحياة الإنسانية يعرضها ممثلون يقلدون الأشخاص الأصليين في لباسهم، وأقوالهم، وأفعالهم)؛ فإنها تتجلى بسخاء في دراما الحموات. فما بين طبول وزغاريد الأفراح، صراخ ودموع الأتراح.. تستمر دراما (الحماة، والكنة). دراما واقعية تراجيدية عريقة. فهي مسرحية، وفيلم، ومسلسل، ومثل شعبي يتم عرضها، يومياً، بمشاهد مختلفة. وقد تعددت الأعمال الدرامية التي تناولت بصورة أو أخرى شخصية الحماة. ففي عشرينات القرن الفائت ظهرت مسرحية (الحماة) (1926) التي قام ببطولتها (بشارة واكيم)، و(عبد الحليم القلع)، و(علية فوزي). كما أخرج (فؤاد شبل) فيلماً بعنوان (حماتك تحبك) (1950) بطولة (تحية كاريوكا)، و(محمود المليجي). ويحكي قصة (حميدو) سائق الأجرة الذي يجد حافظة نقود تركت سهوًا في سيارته. فيذهب ليعيدها لصاحبها الثري في قصره. لكنه يطلب منه أن يحل محله لأن زوج صديقته سيحضر، وما عليه إلا أن يواجه الموقف بدلاً منه. لكن خطيبة (حميدو) تظن أنه على علاقة غرامية بهذه المرأة، وتتعقد الأمور. ولا يستطيع (حميدو) النجاة من هذه المواقف، ويكاد اليأس يستولي عليه. وفى النهاية يكشف الثرى الحقيقة، ويعود (حميدو) لخطيبته. وفي فرقة (نجيب الريحاني) المسرحية.. اشتهرت (ماري منيب) (1905-1969) بدور (الحماة القاسية، المسيطرة، المتسلطة، الغيورة، وأحياناً الطيبة). وكانت عنواناً درامياً رائداً. وتفننت في ابتكار كافة أشكال الوقيعة بين الزوج والزوجة. وبرعت في ذلك بخفة دم ملحوظة، ومواقف كوميدية طريفة. مما جعلها لدى جمهورها (الحماة النكدية، والقاسية، والمحبوبة، والمفضلة) في آن. لذا لقبت بأشهر حماة في السينما العربية، وتلاها في المكانة الفنانة (ميمي شكيب) (1913 - 1983)، وأختها (زوزو شكيب) (1909 - 1978)، و(نعيمة الصغير) (1931 - 1991)، و(عزيزة حلمي) (1929 - 1994). ولم تدخر (ماري منيب) جهداً في أعمالها المسرحية، والسينمائية في الوقيعة بين ابنتها وزوجها، أو ابنها وزوجته (الكنة). وتفوقت في هذا الشأن في مسرحياتها: (حماتي بوليس دولي)، و(سلفني حماتك)، و(أحب حماتي). كما قدمت هذه الشخصية (المركبة) في أفلامها: (حماتي قنبلة ذرية)، و(الحموات الفاتنات)، و(حماتي ملاك) إلخ. ومن أشهر جملها في الأفلام: (أنا حماتك مدوباهم اثنين)، و(طوبة على طوبة خلي العركة منصوبة). ففي شريطها السينمائي (حماتي قنبلة ذرية) (1951) من إخراج حلمي رفلة، وبطولة (إسماعيل ياسين)، و(تحية كاريوكا). قامت بدور حماة (زاهر) التي تقسو عليه بشدة. وتعمل على إفساد علاقته الزوجية بابنتها (بطة). التي كانت حائرة بينها وبين وزوجها، وعاجزة عن إرضاء الطرفين. لكن أمها أحالت بيتها إلى جحيم، ونجحت في إفشال حياتها الزوجية. فتم الطلاق برغم حب الزوجين لبعضهما البعض. ثم يتزوج (زاهر) من (حلاوة) ابنة الثري المعلم (حسونة). وتتزوج (بطة) من المعلم (حسونة) نفسه. لكن في النهاية اكتشف (زاهر وبطة) أن الحماة قامت بمؤامرة كي ينفصلوا. فيقرر (زاهر) ترك (حلاوة)، وتنفصل (بطة) عن المعلم (حسونة). وتعود الحياة الزوجية بينهما مرة أخرى. وهناك فيلم (الحموات الفاتنات) (1953) لحلمي رفلة، وبطولة (كمال الشناوي) و(ماري منيب)، و(كاريمان)، و(ميمي شكيب). ويتناول قصة زوجين في بداية حياتهما. فالشاب (سمير) (كمال الشناوي)، شاب وسيم في منتصف العشرينات، يعمل في شركة مقاولات. ويتزوج من فتاته التي أحبها (نبيلة) (كاريمان). لكن بعد عدة أيام من زواجهما تقرر والدة (نبيلة) الانتقال للعيش معهما. مما أثار غيرة والدة (سمير) فتقرر بدورها أن تكون بجانب ابنها. وبدأت المشاجرات والمشاحنات بين الوالدتين بسبب وجودهما معاً تحت سقف واحد. ودبت الفوضى في البيت الجديد. لذا يقرر (سمير) التخلص من حماته، بتزويجها. لكن بدأ النزاع بين (الحموات الفاتنات) على العريس. وبعد مواقف وأحداث قررت (نبيلة) وأمها ترك المنزل. وانهارت الحياة الزوجية التي حلم بها (سمير). وبدأت المشاكل في عمله، بينما كانت (نبيلة) تنتظر مولودها. ويتهم (سمير) في حادثة اختلاس تودي به في السجن. وتعلم الزوجة بما حدث لزوجها فتقرر الوقوف بجانبه تاركةً وليدها تحت رعاية الحماتين اللتين ما زالتا في عراك مستمر. وتنتهي محنة (سمير) وتظهر براءته، وأن السارق هو ابن صاحب الشركة. ويستعد للم شمل أسرته من جديد مع ابنه الذي لم يره. لكنه يتلقى خبراً بتعرض ابنه لحادث ناتج عن انشغال الحموات بالعراك المعتاد. وينتهي الفيلم في المشفى، حيث الوالدان ولهفتهما على ابنهما. والشعور بالأسى من قبل الحماتين، وندمهما، واعترافهما بخطئهما عندما تدخلتا في حياتهما. فتطلبان الصفح، وتقرران الابتعاد عن حياتهما وتركهما في سلام. وتنوعت المشاهد التي أبدعت فيها (ماري منيب) في دور الحماة. ويبقى أكثرها براعة وكوميدية مشهد ذهابها في فيلم (هذا هو الحب) (1958) لصلاح أبو سيف، لرؤية العروس (شريفة) (لبنى عبدالعزيز). فأعطتها المكسرات لتتأكد من سلامة أسنانها، ومن ثم تشد شعرها لتعرف أنه (ليس مستعاراً). كما تبدأ في (الطبطبة) عليها لتتأكد من أنها (مدورة ومليانة). وتتم الزيجة لحسين (يحيى شاهين) المهندس في البلدية، ذو العقلية المتزمتة. والذي أعياه البحث عن زوجة لم تعرف رجالاً من قبل. ووجد بغيته في (شريفة). وبعد عشرة أيام من شهر العسل، يكتشف (حسين) أن زوجته كانت تعيش في الماضي (قصة حب) لم تكتمل. فاعتبرها ليست سوى (امرأة ساقطة)، فطلقها. وفي (حماتي ملاك) (1959) لـ(عيسى كرامة)، وبطولة (إسماعيل ياسين)، و(ماري منيب)، و(آمال فريد)، و(يوسف فخر الدين)؛ تدور الأحداث حول (صبري) الذي يعيش مع زوجته في سعادة. لكن تحضر (الحماة) (ماري منيب) من الإسكندرية. ولا تستريح للاستقرار الذي فيه ابنتها، فتحرضها وتؤثر عليها. ويبدأ (صبري) في الشك في سلوك زوجته، مما يدفعها لترك المنزل، وطلب الطلاق. فيتفق مع صديقه (كمال) أن يعلن عن موته كذباً. ويصل الخبر للحانوتي (خميس) عبر فتاته الخادمة. فيحضر كي يتمم إجراءات الدفن، لكنه لا يجد الجثة، وتتوالى المواقف الكوميدية. فلقد قام (صبري) بذلك كي ينتقم من حماته. وتحاول زوجته الانتحار لفراقه، لكنها تفشل. وتتضح الحقيقة وتعود المياه لمجاريها ويطلب الزوجان عدم تدخل الحماة في شؤونهما الزوجية. وكانت (ميمي شكيب) (1913 - 1983) تمثل (الحماة، الدلوعة الأرستقراطية، بنت صلطح بابا). ولعلها تنطبق عليها المطربة (ليلي نظمي) (حماتي يا نينة دلوعة عليا). وقد شاركتها العديد من الأفلام، لعل أبرزها فيلم (الحموات الفاتنات) في دور (سعاد هانم) التي تنحدر من أصول أرستقراطية لها طابع خاص. وترغب في (دس أنفها، وفرض خياراتها) على ابنتها وزوج ابنتها. كما لا ينسى دورها في الفيلم الكوميدي (البحث عن فضيحة) (1973)، حيث شاركها بطولته (عادل إمام)، و(سمير صبري) و(ميرفت أمين) و(يوسف وهبي)، وأخرجه (نيازي مصطفى). وفيه ينتقل المهندس الساذج (مجدي) (عادل إمام) من صعيد مصر للعمل بشركة المقاولات العربية بالقاهرة. ويريد الارتباط بفتاة جميلة حسب رغبة والده لتحسين نسل العائلة. ويتعرف على المهندس (سامي) (سمير صبري) زميله بالشركة ويقيم معه بشقته. ويصرح له عن وصية أبيه. ثم يقع (مجدي) في غرام (حنان) (ميرفت أمين) ويصطدم برفض أمها (ميمي شكيب) المتسلطة. والتي ترغب في ارتباطها بابن اختها (ريكو) (ناجي أنجلو). لكن بعد محاولات منه وبمساعدة (سامي)، ينجح هو ووالدها في إقناع والدتها بالزواج. وها هي (الحماة المستبدة المتسلطة) (نازلي) (نعيمة الصغير) (1931-1991) تشجع ابنتها (كريمة) (معالي زايد) على التمرد وطلب الطلاق لانشغال زوجها (سمير) (محمود عبدالعزيز) عنها. ففي العمل السينمائي (الشقة من حق الزوجة) (1985) من إخراج (عمر عبدالعزيز) اقترن (سمير) الموظف الجديد في إحدى المصالح الحكومية بزميلته (كريمة) ابنة رئيسه في العمل. وتبدأ المشاكل المادية بمجرد ولادة طفلتهما الأولى. فيشتري (سمير) سيارة أجرة بالتقسيط، ويعمل بها، ليلبي احتياجات أسرته المادية. وتشعر (كريمة) بالملل بسبب انشغال زوجها عنها. فتتدخل والدتها (نازلي) في شؤونها الخاصة، وتشجعها على التمرد، وطلب الطلاق. ويتم الطلاق بشكل عفوي، ويبدأ النزاع حول ملكية الشقة. حيث يصدر الحكم بإقامة الطرفين فيها. ويتعرض (سمير) لسلسلة من المضايقات من حماته فيضطر لترك الشقة، والإقامة في فناء أحد المقابر. تندم (كريمة) وتذهب للبحث عنه، وتستدل بصعوبة على مكانه. ويلتقيان وتعتذر له وتعده بالابتعاد عن أمها، إذا ما عاودا حياتهما مرة أخرى. وعلى جانب آخر.. لعبت الفنانة (عزيزة حلمي) (1929-1994) دور (الحماة الأم، الحماة الملاك)؛ بملامحها الهادئة الطيبة، وأسلوبها الخاص الذي يخفف المشاكل ويمتلك حلولها. لذا تعتبر (أماً ثانية، وليست حماة)، فتخبرها الزوجة بكل شيء وتصارحها، وتجد فيها العفوية والتلقائية والمساعدة والبذل والتضحية والإيثار والصدر الحنون الذي يرطب الأجواء بين الزوج والزوجة. وتنحاز دوماً إلى الزوجة ضد ابنها. كما تعامل زوج ابنتها بعطف ورحمة الأم. فهي ترغب في أن يعيش أولادها في سعادة دائمة. شاركت (عزيزة حلمي) في فيلم (حماتي قنبلة ذرية). أما مسلسل (كيد الحموات) (2014) فدراما تلفزيونية رمضانية عائلية كوميدية من إخراج (أحمد صقر). وتدور أحداثه، حول أربع سيدات مختلفات في طباعهن الشخصية. يتزوج أبناؤهن فيبدأن في تطبيق (أزمة سيطرة الحموات) سواء على زوجات أبنائهن، أم على الأبناء شخصياً. وبخاصة في بداية حياتهم الزوجية (ترتفع بصورة ملحوظة نسب الطلاق في العام الأول للزواج). فتنشأ معارك كوميدية، وصراعات وهمية، ومقالب اجتماعية. وإقحامهن في المشكلات التي تحدث بين الزوجين دون مراعاة للخصوصية، ما يؤدي إلى تضخمها، وإفشال بعضها. وتنتهي غالب المشاكل (بجلسة صلح) بين بطلتي العمل (ملك) (سوسن بدر) و(نور) (ماجدة زكي) في برنامج تليفزيوني. فتعترفان بخطئهما في التعامل مع أبنائهما. ويغلق مشهد النهاية على تأكيد كل منهما على عدم التدخل في حياة أبنائهما، لكن بنظرات كوميدية تتوعدان لجزء جديد بمشاكل أكثر. وقد شارك هذه الدراما عدد كبير من الفنانين. (دراما) الأمثال الشعبية شاع هذا (المأثور الشعبي) عبر السنين فأصبح من الفلكلور الذي يعكس شعبياً العلاقات الإنسانية حال السواء، والصحة أو المرض. وفي (سخريته) يطالب كافة الأطراف بتصويب مسارهم لتحول (العلاقات) من (الفصام إلى الوئام، ومن الشقاق إلى الوفاق). ولا يغيب عن البال أن هنالك عدداً من الكنات اللواتي يعاملن حمواتهن بود، وتراحم، وتعاطف، واحترام. ويرفعن لافتات: (حماتي تحبني)، (رضاكِ يا حماتي)، (حماتي هي أمي) إلخ. فعن (الحماة.. وتأثيرها، وصراعها لتنازع الملكية وحب السيطرة والاستحواذ، والاستغلال والغيرة والفضول)؛ نجد كثيراً من الأمثال الشعبية منها: (إذا كثر ضحك حماتك خاف على نفسك، وحياتك)، (الحماة حمّى، وأولادها عقارب سامّة)، (الحماة حمّى، وأم الزوج عقربة سامّة)، (الميه والنار ولا حماتي في الدار)، (حماتي ريتك تموتي، وعلى بيتي ما تفوتي)، (دلل حماتك بتكسب حياتك)، (دلل حماتك، واكسب ودها أحسن ما تفتح لك طاقه ما تقدر تسدها)، (بوس يد حماتك، تحبك مراتك)، (بوس يد حماتك، ولا تبوس مراتك)، (بوس مراتك، تفرح حماتك)، (اللي يخاف من حماته يفش خلقه بمراته)، (ما قدر على حماته، قام على مراته)، (علشان طِيبة حماته صابر على قرف مراته)، (دائماً يا حماتي، تتمني مماتي)، (الحماة اللي بتحب الصهر عجبه من عجايب الدهر)، (علشان مراته متحمل حماته)، (قال حماتي مزهقاني قال طلق بنتها)، (وفري نصائحك يا حماتي وقوليها لمراتي)، (حماتي بطبريا وصوتها واصل ليا)، (حماتك بتحبك) إلخ. وعن (دراما الحماة، والكنة) تشاع المأثورات الشعبية التالية: (الحماة ما بتحب الكنة ولو كانت حورية من الجنة)، (أنا حملت ويدي ربت، وبنت الناس عني تبدت)، (ياكنة مين علاكي غير جوزك وبيت حماكي)، (مكتوب على باب السما ما عمر كنة حبت حماة)، (قوموا اسمعوا هالفنة بين الحماة والكنة)، (على ابنها حنونة وعلى كنتها مجنونة)، (قالوا للحماة ما كنتي كنة، قالت كنت ونسيت)، (الكلام إلك يا جارة اسمعي يا كنة)، (بين الطنة والرنة ضاعت بين الحماة والكنة)، (اجتمعوا الكناين والحكي على الحموات) إلخ. وقفت الحماة قبالتها بالعرس وقالت: (آويها يلي قاعدة جنب ابني، آويها ما فيكي شي عاجبني، آويها هلأ بتقولي حبني... آويها بكرة بتقولي كبني، آويها وإن ما مشيتي دغري، آويها لتلاقي بيت الضرة مبني). فردت عليها العروس بالقول: (آويها وحيات شالك وشنشالك، آويها بعد أسبوع لأفضالك، آويها وإن شاء الله فأل الله ولا فالك، آويها لأشغل بالك وأنهب مالك، آويها وابنك ما بيهنالك، آويها وبعدها لفرجيكي حالك...) إلخ. جملة القول: تحاول الحماة فرض (سيطرتها، هيمنتها، تسلطها) على زوجة ابنها، فلذة كبدها، و(هديتها) لها. فتسعى بفضول، وغيرة للتدخل في شؤونهما الخاصة، وتملي عليهما وجهة نظرها التي تعتبرها مفيدة لسعادة ابنها مع زوجته. بينما (تكافح) الكنة لتعيش حياتها، وتجربتها الزوجية الجديدة (مستقلة، مستقرة). وتشكل عالمها الزوجي، و(مملكتها) الخاصة كيفما تشاء، مع احترام (خصوصياتها). ولعلها إن احتاجت شيئاً ستسعى للمشورة. وفي (دراما الحموات).. يبقي (الزوج) هو (ضحية الصراع، والتنازع)، في حين أن كليهما (يريد سعادته، لا تعاسته).
|