إن تربية الأطفال ورعايتهم صارت بالصعوبة بمكان في الوقت الراهن، نظراً لما يعرفه عصرنا من انفجار تكنولوجي وعلمي صار معه العالم قرية صغيرة، وصارت الثقافات تنتقل بين الشعوب في لمح البصر، ولعل الغزو الثقافي الغربي تعدى حدود المعقول، فقد تسربت إلى ثقافة العربي أمور وأفكار لم يكن لنا عهد بها، بل اعتبرناها لوقت ليس ببعيد من الممنوعات والمحرمات، لكن الآن نجدد انكبابنا عليها بشكل غير طبيعي، فبفضل انتشار الصحون، وتعدد القنوات الفضائية، وظهور شبكة الإنترنت، وعولمة الصوت والصورة أصبح الإعلام يشهد تنامياً ملحوظاً، وصار أكثر قرباً من الطفل داخل البيت.
ولعل من الأمور التي تسترعي الاهتمام والانتباه، هي ظاهرة الأغاني الجديدة بمختلف نوتاتها وإيقاعاتها وأشكالها المختلفة. وإن انطلقنا من زاوية الطفل نجد أن هناك خطراً يهدد ثقافة الطفل العربي، فلو رجعنا إلى هذه الأغاني من حيث المضمون والنوعية نجدها تتسم بالانحطاط والاضمحلال، خصوصاً التي تعرض على الشبكات الفضائية أو عبر شبكة الإنترنت بطريقة الفيديو كليب، فمعظمها يقدم لهم على أطباق مذهبة ومزخرفة بنقوش من الزيف والتزوير، يقدم لهم الأفكار التافهة والمعاني الرخيصة، وما نقوشها ولا زخارفها إلا تعر، وكشف للمفاتن، ومحاصرة جريئة لأخلاق الأسر وعاداتها ودينها. وهنا يكمن خطر الإنتاج الإعلامي الغربي في سعيه إلى أن يصبح نموذجاً يحتذى، وإنتاجاً مثالياً في ذهن الطفل. ومن السلبيات الكثيرة لهاته الأغاني الغربية، عدم وجود ملامح واضحة للهوية العربية فيها، فالشخصيات إما أجنبية أو عربية بشكل أجنبي، وهذا في حد ذاته طمس للهوية العربية، كما أن الديكورات وأماكن التصوير والفرق الموسيقية والأحداث لا تعكس واقعاً إسلامياً، وغالبية هذه الأغاني تأتي محملة بالإثارة والصور المتحركة والمناظر التي تسلب لب الأطفال، فيحدث نوع من الإعجاب بالنموذج الغربي، والسعي إلى تقديمه أو تقليده.
والأخطر من هذا وذاك الأفكار التي تمرر ضمنياً في هذه الأغاني، كالدعوة إلى التحرر من القيود، والتمرد على الواقع، ورفض سلطة الوالدين.. وغيرها من الأفكار التحررية التي تسعى إلى زعزعة ذلك التماسك الذي تعرف به الأسرة العربية وتحسد عليه من الغرب الذي يعرف كما هو معلوم تفككاً في الروابط الأسرية. فعلماء الاجتماع يقولون بأنه يجب على التلفزيون أن يعمل على تدعيم ثقافة الطفل أو الشباب بدلاً من هدمها في ظل ما وصلت إليه هذه الكليبات من مستوى أخلاقي منحدر.
ولا يخفى على أحد وجود قنوات فضائية متخصصة في أغاني الأطفال، والتي تكون في غالبيتها أناشيد تربوية، وأغاني يحاول أصحابها تمرير قيم حميدة، وهي تجربة محمودة قد تخرج الطفل العربي من قوقعته وتبعيتيه لما يبث في القنوات الفضائية سواء الغربية منها أو العربية..! غير أنه يلزم مراقبة الآباء لهذه القنوات لأنها قد تستغل لأغراض أخرى قصد استمالة الطفل والاستحواذ على عقله.
إن الوعي والإدراك الحقيقي لما يجري حولنا، وما يستجد يوماً بعد يوم، في زمن الدش والمحطات الفضائية، والاستهلاك التجاري الرخيص، والنزعات الدعائية أحادية البعد، أحادية الرؤية، هذا الوعي هو جزء من المقاومة، جزء من الوقوف في وجه المخاطر والتحديات المستقبلية، جزء من التصدي للرياح العاتية، جزء من الواجب علينا، فيجب أن نعيد النظر في تربيتنا لأولادنا، ولنكون في قابل الأيام أكثر رقابة، وأكثر انسجاماً وتلاحماً، وأكثر نهوضاً في مشروع ثقافة الأطفال، فنربي جيلاً متمسكاً بهويته ودينه، لا جيلاً تابعاً مقلداً.