مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

البداية مع ألحان محمد فوزي

حنين مفعم بالذكرى يقودني إلى تلك الأيام التي كنت فيها طفلاً في أوائل تسعينات القرن الماضي، وهو جيل محظوظ في رأيي، حيث كانت هذه هي (الفترة الذهبية لأغاني الأطفال). فمَن سمع أول ما سمع أغاني من ألحان عمار الشريعي، وكلمات سيد حجاب، ومن نشأ تذوقه الموسيقي على يد هؤلاء العمالقة؛ هو جد محظوظ.
الأغنية أحد أهم العوامل التي تشكل ثقافات الشعوب، فهي انعكاس للحضارة، وهي أيضاً مشكّل للوجدان. غير أن أغنية الأطفال أكثر أهمية وخطورة من ذلك، فإن كانت الأغنية العادية تعبر عن الحالة الحضارية والثقافية لشعب ما في زمن ما؛ فإن أغنية الأطفال إلى جانب ذلك تشكل فكر ووجدان جيل قادم بأكمله من خلال القيم والمبادئ التي تغرسها، والحس والتذوق الفني الذي تتركه.
إن شئنا أن نعتبر مرحلة ما قبل محمد فوزي بداية لأغاني الأطفال، فمن الممكن أن نذكر أغنية (خد البزة واسكت) والتي غنتها الست نعيمة المصرية (1894 - 1967) والتي اشتهرت في مصر في أوائل العشرينات من القرن الماضي، إلا أنه مع ذلك لا يمكننا اعتبارها أغنية للأطفال، فهي على عكس ما تتطلبه أغنية الطفل من سهولة في اللحن، وحتى أن كلماتها لا تحمل رسالة للطفل، ويمكننا اعتبارها انعكاساً لأغاني الأمهات المصريات في ذلك الحين لمساعدة أبنائهن على النوم. 
يمكننا بوضوح أن نؤرخ بداية أغاني الأطفال العربية من الراحل محمد فوزي، الذي ترك تأثيراً على الأغنية العربية بشكل عام. ولا تزال أغانيه محفورة في ذاكرة كل عربي من مرحلة الطفولة، مثل أغنية (ذهب الليل)، كلمات حسين السيد 1958، وأغنية (ماما زمانها جاية)، كلمات فتحي قوره 1965، وهي أغانٍ أحدثت نقلة نوعية في أغنية الطفل، سواء من حيث الكلمات أو اللحن. فهي أيضاً مستمدة تماماً من الثقافة المصرية. ورغم مجيء مثل هذه الأغاني في إطار أعمال درامية، وهو الحال مع أغاني هذا العصر بشكل عام، إلا أنها صالحة حتى الآن للاستخدام خارج هذا الإطار.
بالإضافة إلى ملمح آخر وهو الأغاني التعليمية، مثل أغنية (أ ب ت ث)، التي كتبها جمال الهاشمي، ولحّنها وغناها محمد ضياء الدين، والتي رغم أن الهدف الظاهر منها كان تعليم الأبجدية إلا أنها حملت مضموناً سياسيّاً مؤيداً لفكرة القومية، الذي جاء في وسط تعريف الطفل ببعض القيم الوطنية الأخرى. 
ولا يمكننا أن ننسى أوبريت (الليلة الكبيرة) الذي أُنتج في مطلع الثمانينات، حيث كتبه صلاح جاهين، ولحنه سيد مكاوي وغنته مجموعة من نجوم الغناء آنذاك، وأخرجه صلاح السقا، وهو أيضاً أولى تجليات مسرح العرائس المصري. ويجسد تفاصيل وشخصيات المولد الشعبي في مصر. وتكمن العبقرية في هذا الأوبريت في خروجه بلحن شرقي يستعرض فيه الملحن مهاراته في استخدام المقامات والإيقاعات الشرقية، وإخراجها بشكل أحبه الأطفال، ناهيك عن استخدام الشاعر مفردات المولد الشعبي في مصر ببراعة تامة يحبها الصغير والكبير.
ساهم مطربو الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، إسهاماً كبيراً في إثراء أغاني الأطفال العربية، والإسهام لم يكن للمطربين فقط، فقد كان للمثلين الاستعراضيين أيضاً نصيب كبير فيه، وكانت أعياد الطفولة في هذه الفترة فرصة ذهبية للإبداع في أغاني الأطفال، وكان أبرز من غنوا للأطفال في هذه الفترة: عبد المنعم مدبولي، صفاء أبو السعود، صابرين، لبلبة، محمود الجندي، ليلى نظمي، سيد الملاح، محمد ثروت، سعاد حسني، نيللي، هدى سلطان، إيمان البحر درويش، الذي أصدر ألبوماً لأغاني الأطفال كانت أهمها (في البحر سمكة).
ولا يستطيع أحد أن ينسى حلقات (أبلة فضيلة) التي كانت تذاع في الإذاعة المصرية، بعنوان (غنوة وحدوتة) حيث كان ينتظرها كل الأطفال بشغف.
كما كانت هناك تجارب أخرى في غناء الأطفال أنفسهم مثل شيري عادل، التي كانت لها أغنية واحدة وهي (لما بحب أتسلى)، والطفلة (نادين) اللبنانية، والتي غنت (طيري يا عصفورة) في أحد المهرجانات بـ(إيطاليا) عام 1986 وهي أغنية لبنانية للفنانة ماجدة الرومي، غنتها عام 1983 ألحان الملحن اللبناني إحسان المنذر، وكلمات جوزف أبي ظاهر. وبذكر أغاني الأطفال اللبنانية لا يفوتنا أغنية (تك تك يا أم سليمان) للسيدة فيروز. 
كما ساهمت مسلسلات الأطفال في إثراء أغنية الطفل مثل مسلسل (كوكي كاك)، الذي احتوى أغاني كثيرة، وكان بطولة محمود الجندي وإيمان الطوخي، قصة وسيناريو وحوار وأشعار وإخراج شوقي حجاب وألحان الأغاني عمار الشريعي.
والحديث عن أغاني الأطفال في مرحلة الثمانينات والتسعينات لا يستطيع أن ينسي ثلاثي سيد حجاب وعمار الشريعي وعفاف راضي، وما أنتجوه من مجموعة قوية هي الأشهر في تلك المرحلة.
بعد تطور القنوات الفضائية خُصّصت قنوات منها لبث أغاني الأطفال وأفلام الكارتون، ولعلها أيضاً كانت بداية للترجمة والدبلجة. وربما كانت البداية للبلاد العربية لإنتاج أغانٍ وأفلام للأطفال. واللافت هو اشتراك كل من الفنانة نانسي عجرم وهيفاء وهبي في غناء أغانٍ للأطفال. غير أن المرحلة المعاصرة شهدت عزوفاً عن أغاني الأطفال من أغلب المطربين العرب على الساحة الفنية، ربما لأن الأمر أصبح مرتبطاً بالإنتاج وتمويل مثل هذه الأغاني، فمنتجو الأغاني ليست لديهم رغبة في المغامرة بأموالهم.
تأثر تطور أغنية الطفل خلال الأعوام الخمسين الماضية بتأثر الأغنية بشكل عام، وتغير الواقع الاجتماعي والسياسي في الوطن العربي، وفي الفترة الأخيرة ورغم انتشار القنوات الفضائية المخصصة لأغاني وبرامج الأطفال، لا تزال الأغنية العربية للطفل تحتاج لكثير من المحاولات الجادة لإعادتها إلى عصرها الذهبي.
في هذه المرحلة من عمر الوطن العربي التي تعمها أسئلة كثيرة حول مستقبل المنطقة، يحتاج الطفل وما يقدم له إلى اهتمام بالغ. ونحتاج لأغانٍ عربية تتناول قضايا المرحلة وتحمل ما نأمل من مبادئ وقيم نحتاج لغرسها في أطفالنا، فلقد أنشأت كل الأغاني السابق ذكرها، والتي أخذت من الواقع وأعطت إليه؛ جيلاً كانت لديه القدرة على تغيير شكل المنطقة، بغض النظر عن الاختلاف حول نتائج هذا التغيير. وما نحتاجه للفترة القادمة هو حث الشعراء والملحنين على إنتاج أغانٍ تغرس قيم العيش المشترك والسلام المجتمعي داخل أطفالنا من أجل غد أكثر أماناً.
وفي ظل تدهور موسيقى الأغنية العربية بشكل عام وفقدانها هويتها لا بد من العودة للهوية الموسيقية للأغنية العربية وتدعيم أغنية الطفل بها، لخلق جيل يستطيع الحفاظ على الموسيقى العربية وتطويرها.
ذو صلة