مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

رحيل سميح القاسم منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي

غيب الموت الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم بعد صراع طويل مع مرض السرطان، ليرحل صاحب كلمات (منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي.. في كفي قصفة زيتون.. وعلى كتفي نعشي.. وأنا أمشي وأنا أمشي)، لتبقى القضية الفلسطينية يتيمة من شعرائها إثر فقدانها توأمها الثاني بعد محمود درويش.
يبكي العالم العربي رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة سميح القاسم، بعد صراع طويل مع مرض السرطان، الذي أصيب به قبل ثلاث سنوات، ليخسر معركته الأخيرة بعدما بقي حتى أيامه الأخيرة واقفاً، مقاوماً رافع الرأس.. كما كان عليه طوال حياته.
وبرحيل سميح القاسم (75 عاماً)، تفقد القضية الفلسطينية توأمها الثاني الذي طالما وهب شعره وأدبه من أجلها كما فعله رفيقه محمود درويش، حيث كانت كلمات أشعاره كطلقات الرصاص في وجه الاحتلال الإسرائيلي، ظلت طيلة عقود ترددها الأجيال من بينها (تقدموا.. تقدموا براجمات حقدكم وناقلات جندكم فكل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض تحتكم جهنم). 
ابن الرامة الفلسطينية الذي حارب الاحتلال بقلمه، ولد سميح القاسم في 11 مايو 1939 في بلدة الرامة شمال فلسطين، ودرس في الرامة والناصرة، واعتقل عدة مرات، وفرضت عليه الإقامة الجبرية من القوات الإسرائيلية لمواقفه الوطنية والقومية، وقد قاوم التجنيد الذي فرضته إسرائيل على الطائفة الدرزية التي ينتمي إليها.
كان متزوجاً وأباً لأربعة أولاد هم وطن ووضاح وعمر وياسر، ويحفظ السجل الأدبي لسميح القاسم الكثير من الإبداعات التي أثرت الساحة العربية بصفة عامة، تغنى بها الكثير في كامل العالم العربي منها قصيدته التي غناها مارسيل خليفة ويغنيها كل أطفال فلسطين وتغنى في كل مناسبة قومية (منتصب القامة أمشي). وتنوعت أعمال القاسم بين الشعر والنثر والمسرحيات ووصلت لأكثر من سبعين عملاً اشتهر بكتابته هو والشاعر محمود درويش الذي ترك البلاد في السبعينات (كتابات شطري البرتقالة). ووصف الكاتب عصام خوري هذه المراسلات بأنها (كانت حالة أدبية نادرة وخاصة بين شاعرين كبيرين قلما نجدهما في التاريخ)، تنشر قصائده بصوته على القنوات العربية والفلسطينية خصوصاً الأيام التي تشهد فيها الأراضي الفلسطينية هجوماً إسرائيلياً.
سميح القاسم أحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، مؤسس صحيفة كل العرب ورئيس تحريرها الفخري، عضو سابق في الحزب الشيوعي. علّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ليتفرغ لعمله الأدبي.
حياته 
كان والده ضابطاً برتبة رئيس (كابتن) في قوة حدود شرق الأردن، وكان الضباط يقيمون هناك مع عائلاتهم. حين كانت العائلة في طريق العودة إلى فلسطين في القطار، في غمرة الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم، بكى الطفل سميح فذعر الركاب وخافوا أن تهتدي إليهم الطائرات الألمانية وبلغ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل إلى أن اضطر الوالد إلى إشهار سلاحه في وجوههم لردعهم، وحين رويت الحكاية لسميح فيما بعد تركت أثراً عميقاً في نفسه: (حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم سأتكلّم متى أشاء وفي أيّ وقت وبأعلى صوت، لن يقوى أحد على إسكاتي). سجن سميح القاسم أكثر من مرة كما وضع رهن الإقامة الجبرية والاعتقال المنزلي وطرد من عمله مرات عدة بسبب نشاطه الشعري والسياسي وواجه أكثر من تهديد بالقتل، في الوطن وخارجه. اشتغل معلماً وعاملاً في خليج حيفا وصحفياً. شاعر مكثر يتناول في شعره الكفاح والمعاناة الفلسطينيين، وما أن بلغ الثلاثين حتى كان قد نشر ست مجموعات شعرية حازت على شهرة واسعة في العالم العربي. كتب سميح القاسم أيضاً عدداً من الروايات، ومن بين اهتماماته إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. أسهم في تحرير (الغد) و(الاتحاد) ثم رأس تحرير جريدة (هذا العالم) عام 1966. ثم عاد للعمل محرراً أدبياً في (الاتحاد) وأمين عام تحرير (الجديد) ثم رئيس تحريرها. وأسس منشورات (عربسك) في حيفا، مع الكاتب عصام خوري سنة 1973، وأدار فيما بعد (المؤسسة الشعبية للفنون) في حيفا. رأس اتحاد الكتاب العرب والاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في فلسطين منذ تأسيسهما. ورأس تحرير الفصلية الثقافية (إضاءات) التي أصدرها بالتعاون مع الكاتب الدكتور نبيه القاسم، وأخيراً حظي بالرئاسة الفخرية لتحرير صحيفة (كل العرب) الصادرة في الناصرة. صدر له أكثر من 60 كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والترجمة، وصدرت أعماله المنجزة في سبعة مجلّدات عن دور نشر عدة في القدس وبيروت والقاهرة. تُرجم عدد كبير من قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية واللغات الأخرى.
الجوائز التي حصل عليها 
حصل سميح القاسم على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف في عدة مؤسسات. فنال جائزة (غار الشعر) من إسبانيا، وحصل على جائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي. وحصل على جائزة البابطين، وحصل مرتين على (وسام القدس للثقافة) من الرئيس ياسر عرفات، وحصل على جائزة نجيب محفوظ من مصر وجائزة (السلام) من واحة السلام، وجائزة (الشعر) الفلسطينية.
سميح القاسم في عيون النقد 
صدرت في العالم العربي وفي العالم عدة كتب ودراسات نقدية، تناولت أعمال الشاعر وسيرته الأدبية وإنجازاته وإضافاته الخاصة والمتميزة، شكلاً ومضموناً، ليصبح كما ترى الشاعرة والباحثة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، الشاعر الوحيد الذي تظهر في أعماله ملامح ما بعد الحداثة في الشعر العربي. 
ومن الرسائل الجامعية المتخصصة التي تناولت حياة سميح القاسم وشعره الرسالة التي تقدم بها الطالب خضر محمد أبو جحجوح، بعنوان: (شعر سميح القاسم بين الموقف الأيديولوجي والتشكيل الجمالي)، وحاز عليها الباحث درجة الماجستير في النقد الأدبي عام 2002 من البرنامج المشترك بين جامعة الأقصى بغزة، وجامعة عين شمس بالقاهرة. وهي رسالة قيمة تقع في زهاء 600 صفحة.
وفاته 
توفي الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، بعد صراع مع مرض سرطان الكبد الذي داهمه مدة 3 سنوات، وأدى إلى تدهور حالته الصحية في الأيام الأخيرة حتى وافته المنية يوم الثلاثاء الموافق 19 أغسطس 2014م.
ذو صلة