الخيامية فن مصري أصيل، انفردت به مصر عن باقي دول العالم، وتعد من الحرف التي تتعامل مع القماش بمختلف أنواعه وألوانه، فهي فن الزخرفة بالقماش على القماش، فبالإبرة والخيط يتم حياكة التصميمات المختلفة على سرادقات العزاء والأفراح والخيام واللوحات والوسائد وغيرها. وفي هذا السياق تتمايز الأقمشة بين القطن والقطيفة والحرير والستان والتيل، إضافة إلى أقمشة القلوع بالمراكب والجلود الرقيقة.. ويتم استخدام كل منها تبعاً لنوعية التصميم والطلب عليه، وهو الذي يتكامل مع مهارة الحرفي، وليس لكليهما غنى عن الآخر، وتصميمات الخيامية تتأرجح بين الجانبين النفعي والجمالي، ففي حين توظف الحرفة أساساً لصناعة الخيمة والصوان والوسادة وغيرها من الأغراض العملية، يتم تطويعها جمالياً لعمل لوحة حائطية ومعلقة وغيرهما، وهو الجانب الذي تختلف فيها التصميمات من حيث المقاس والمضمون، فمع تنوع الأحجام تتعدد أيضاً المضامين والمفردات والتركيب بين استلهام عناصر التراث الشعبي بروافده التاريخية والدينية والاجتماعية، والاتكاء على العنصر التاريخي منفرداً حيث الطراز الفرعوني القديم على المستويين الظاهر والباطن، وأيضاً بعض الطرز الأخرى مثل الروماني والإسلامي والقبطي. ولا شك أن غياب العامل المعرفي يمثل مشكلة كبرى بالنسبة لحرفة الخيامية، حيث يتم الخلط أحياناً بين الطرز التاريخية المختلفة بصورة تجافي الانسجام في عملية التلقي، وذلك لتلبية حاجة مستهلك يفتقر هو الآخر للثقافة، وقد يختفي ذلك المثلب مع وجود أحد المصممين الدارسين المثقفين.. يتراجع دور الحرفي إلى الخط التنفيذي الذي يخضع لفكر المصمم، على أن هذا لا يقلل من دور الحرفي إبداعياً وتاريخياً، فهو الذي يحتاج إلى مهارة خاصة، علاوة على أن بعض الحرفيين تتكون لديهم مع الوقت ثقافة تراكمية تسمح لهم بابتكار بعض التصميمات، ولا جدال في أن المصمم والحرفي هما قطبا هذه الصناعة الإبداعية التي تفردت بها مصر على امتداد مئات السنين بين كافة الدول العربية والإسلامية.
ويؤكد معظم المؤرخين والباحثين أن المصري القديم هو أول من عرف الخيامية في عصر بناء الأهرامات، حيث كانت تستخدم كمظلة يقف تحتها رئيس العمال، أما الفرعون فكانت تصنع له خيمة للرحلات، فإذا سافر بالمراكب جهزت بمظلة، أما إذا نزل بمكان ما، ضربت له الخيمة ليقيم فيها المدة التي يحددها.
نعم، أدرك قدماء المصريين فن الخيامية (بمعنى الزخرفة بحياكة أو تطريز قطع ملونة من الجلد أو القماش) منذ أقدم عصور التاريخ، وقد ذكر المؤرخ ماسبيرو في كتابه (المومياوات الملكية) أن هناك سرادقاً من الجلد اكتشف من الأسرة الحادية والعشرين يرجع تاريخه إلى الفترة الواقعة بين (1054 - 1009 قبل الميلاد)، وهو ما يعرف بسرادق الأميرة أسمخب ابنة (ماساهرتا) الكاهن الأكبر لآمون، وهذا السرادق تم اكتشافه عام 1880م في عهد الخديوي توفيق بالدير البحري بالأقصر).
ونقلاً عن ماسبيرو يذكر سليم حسن في موسوعته (مصر القديمة) أن ذلك السرادق يعد من القطع الفنية النادرة التي عثر عليها في خبيئة الدير البحري، وقد وجد في الممر الطويل كحزمة من الجلد ملفوفة بشكل غير منتظم، ويبدو أن أحد الكهنة وضعها وهو مسرع في الخروج من المقبرة أثناء الاحتفال بالجنازة، والجزء الأوسط من السرداق طوله أكبر من عرضه، وينقسم إلى ثلاثة أجزاء من الجلد الأزرق السماوي الذي تحول إلى رمادي بفعل الزمن، وقد رصع الجزأين الجانبيين بنجوم صفراء وحمراء موزعة على أربعة جوانب، ويحتوي كل ركن على قطع من الجلد مؤلفة من مربعات خضراء وحمراء على شكل رقعة شطرنج غير منتظمة، والشرائط الموجودة على حواف الرقعة متصلة بالوسط، وعلى اليمين نشاهد جعارين ذات أجنحة، ثم طغراءات الفرعون على التوالي تحت إطار من حديد، وبين الإطار والطغراءات سطر من النقوش المصرية، وهذه الزخرفة بالجلد على الجلد كانت أساساً فيما بعد لتطور فن الخيامية كإبداع مصري أصيل صدرته إلى حضارات أخرى لاحقاً.
ومن جهة الأزياء، نجد أن بعض الأزياء الفرعونية مزخرفة بشرائط مضافة عن طريق التطريز، مثل رداء توت عنخ آمون الموجود بالمتحف المصري، والواضح به (الكولة)، أو الإضافة الشريطية عن طريق التطريز.. كما توجد مجموعة من الأشرطة والأحزمة المنقوشة زخرفت لغرض معين بطريقة الحياكة للمكان المطلوب للملابس أو الأغطية، وعلى الكراسي التي عثر عليها في مقبرة رمسيس الثالث وجدت وسائد من القماش بها زخارف مضافة بالقماش أيضاً.
وفي العصرين اليوناني والروماني، استخدمت الخيمة في الجيوش العسكرية وكان لها شكل بيضاوي يُكسى من الداخل بالحرير والفرو، وهناك أمثلة كثيرة للأشرطة والجامات المختلفة الأشكال والأحجام، بها زخارف مضافة بالحياكة مثل الزهور والنباتات والأشكال الهندسية البسيطة بألوان مختلفة مثل الأحمر والكحلي والأبيض والأخضر والبنفسجي.
وتوجد في قاعة المنسوجات بالمتحف اليوناني والروماني بالإسكندرية قمصان وقطع من القماش مضافاً إليها أشرطة وجامات وإطارات بأشكال وأحجام مختلفة وشريط ضيق حول فتحة الرقبة، وكذلك جامات مربعة ومستديرة على الأكتاف وعند نهاية الزي، وكانت الأشرطة تنسج بزخارف ثم تضاف للزي، وفي كثير من الأحيان نجد أشرطة مقصوصة من ثياب قديمة ومضافة إلى ثياب جديدة، كما يوجد بالمتحف القبطي كثيراً من القطع المطرزة بطريقة الإضافة، التي تعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين. وقد استمر الأقباط يعملون بالحرفة تحت الحكم العربي أيضاً، سواء من بقي على دينه أو من أسلم منهم، فالعرب لم يعملوا في هذا المجال بقدر ما انشغلوا بالأمور السياسية، لذا ظل أهل البلاد الأصليين يشكلون طبقة الحرفيين الذين كانوا ينتظمون في نقابات منذ العصر الروماني والبيزنطي قبل الفتح العربي.
ويوضح المؤرخ الواقدي أن صناعة الخيام بلغت رقياً عظيماً قبل الفتح العربي في الحضر والبادية على حد سواء، ومع دخول الاسلام مصر ظهرت المنتجات المستلهمة من روح الدين الجديد، فظهرت الأعلام والبيارق لمشايخ الطرق، وكل علم مكتوب عليه اسم شيخ الطريقة ولفظ الجلالة (الله) واسم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك أسماء الخلفاء الراشدين، وكثير من العبارات الدينية والآيات القرآنية، أما الزخارف فمأخوذة من الإطارات العلوية للمساجد. كما ظهرت كساوي الأضرحة المطرزة بكتابات مثل: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى جانب اسم صاحب الضريح.
كذلك ظهرت المعلقات الحائطية، وهي لآيات قرآنية مثل: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) وغيرها منفذة بطريقة الإضافة، ومحاطة بإطار خارجي على هيئة مستطيل أو دائرة، وبعض الزخارف الإسلامية البسيطة، أو معلقات تمثل البيئة الشعبية أو مناظر من الريف المصري، وكلها منفذة أيضاً بطريقة الإضافة.. وعلى نفس المنوال ظهرت المفارش والستائر ذات الزخارف الدقيقة المنفذة بطريقة الإضافة، علاوة على المشغولات الأخرى المأخوذة من الزخارف الإسلامية المنتشرة في المساجد، وخاصة الأثرية منها. وتطورت الحرف الإبداعية بشكل عام في العهود الإسلامية المختلفة حتى كان العصر المملوكي الذي بلغت فيه الفنون الحرفية أوج ازدهارها في ظل تسابق الأمراء والسلاطين على اقتناء كل غال وثمين.
ومع نهاية عام 1517م كان بدء العهد العثماني الذي كان بمثابة الكارثة على الحرف اليدوية في مصر، حيث رحل عدد من الحرفيين إلى الأستانة، وبدأت مصر في ازدهار هذه الحرفة حتى كان عصر محمد علي وتوجيهه البوصلة نحو ثقافة الغرب، لإحلالها محل الثقافة الشرقية، وقد حدث ذلك تدريجياً حتى بلغ ذروته في عهد الخديوي إسماعيل، الذي تحول فيها المزاج الشرقي باتجاه الغرب، وتجسد هذا في مجموعة من المهندسين والحرفيين الأوروبيين لصياغة شكل جديد للوطن، مما أدى إلى تقوقع الفنون الحرفية في حواري وأزقة القاهرة كتاريخ متحفي..
وهذا شارع المعز لدين الله الفاطمي، حاوية الحرف الإبداعية، يقف شاهداً على زمن عزيز هرم جسده وبقيت روحه.
ومهنة الخيامية مذكورة في القرآن الكريم، فقد قال الله عز وجل: (حور مقصورات في الخيام) (الرحمن : 72)
واعتبرت أحد الفنون الرائعة التي تجذب إليها الكثيرين من عشاق فنون التراث المصري القديم، وكانت ترتبط قديماً بكسوة الكعبة المزينة بخيوط الذهب والفضة، حيث تعد من أشهر أعمال الخيامية، وكانت مصر تقوم بتصنيعها حتى ستينيات القرن الماضي، ويتم إرسالها إلى الحجاز في موكب مهيب رائع يعرف باسم (المحمل).
وشارع الخيامية من أقدم شوارع الحرفيين بالقاهرة التاريخية، وهو يقع بالقرب من منطقة تحت الربع بباب الخلق في قلب قاهرة المعز لدين الله الفاطمي، حيث يوجد عدد من الورش المرتبطة بمهنة الخيامية التي تعتمد على العمل اليدوي، ولكنها تطورت إلى ما يسمى بالخيامية المطبوعة.. مما دعا الخيامين إلى بناء خان الخيامية، أما السوق فأصبح لعرض المنتجات على السائحين الذين ينجذبون للشنط المشغولة والوسائد والخيام اليدوية ذات النقوش المتميزة، كما تشهد هذه الحرفة عمليات تصدير للدول العربية خصوصاً خيام الحج والبدو.
وطول سوق الخيامية صغير جداً يقدر بـ 100 متر تقريباً، ومعظم العاملين فيه توارثوا المهنة أباً عن جد، وفي عام 1952م ظهرت فكرة تأسيس أول نقابة لصناع هذه الحرفة، وكان رئيسها سعودي درويش، وأشهرت النقابة عام 1953م وضمت حوالي مئة من أرباب هذه الحرفة، وكان مقرها التكية القديمة في الدرب الأحمر في شارع يكن باشا، وقد فشلت هذه التجربة، وتم حل النقابة عام 1955م.
لم تكن الخيامية حرفة فنية مصرية فحسب، بل إنها من وسائل الجذب السياحي في مصر، خصوصاً في المناطق الأثرية مثل منطقة باب زويلة، شارع المعز وخان الخليلي.. كما خطفت الأنظار في بازارات الأهرامات وبوتيكات الفنادق الكبرى وحوانيت النخبة في الساحل الشمالي والغردقة ورأس سدر، ومن مصر تطايرت شهرة الخيامية إلى العالم العربي والغربي.
كسوة الكعبة المشرفة
كانت قافلة الحج من مصر إلى الحجاز تضم من الجنود ما يصل عددهم إلى خمس مئة في سنوات الاستقرار، ويزيد ليصل إلى الألفين في أعوام القلاقل.. يحرس هؤلاء الجنود الكسوة التي كانت تعلق على الكعبة المشرفة، وهي غطاء مطرز بالذهب، ونهاية حوافه مطرزة بالفضة وملبسة بقشرة من الجواهر، وكان يشرع في صنعها في شهر ربيع الآخر لتصبح جاهزة خلال ستة أشهر، وكان الوالي ينقش عليها بين الحين والآخر ويقوم بوزنها الذي كان يصل عادة إلى سبعة عشر قنطاراً من الحرير، وثلاثة قناطير من الفضة الخالصة.
وعدت هذه الكسوة السنوية أثمن ما يصنع من فن الخيامية.. وكان المسؤول عن حماية القافلة وحمل الكسوة شخصية عسكرية كبيرة يلقب بأمير الحج، وبلغ من الأهمية إلى حد أنه وضع في المرتبة الثالثة بعد كل من الباشا والدفتردار، وكان يخرج في كل عام في موكب كبير وسط احتفالات شعبية عارمة.
كان موكب المحمل يدور في احتفال كبير بعد أن يقوم أرباب الحوانيت التي سيمر بها بتزيينها، وكان الكثيرون يحتشدون لمشاهدة الركب الذي توضع فيه الكسوة الثمينة على جمل مزين يشق طريقه وسط زغاريد النساء ودعاء العامة وتهليلهم، متقدماً إلى ميدان قراميدان بالقلعة، وأمام الموكب يسير الفرسان وتصطحبه فرق الموسيقى حتى يصل إلى القلعة فينزل الباشا لتسليم الكسوة الشريفة إلى أمير الحج، يلي ذلك احتفال آخر يقام بخيمة في البركة لتسليم (الصرة الإرسالية) المرسلة.
والآن، اختفت الخيامية القديمة وحلت محلها الخيامية المطبوعة، كذلك أصبح اقتناء الخيامية مقتصراً على السائح الأجنبي وبعض العرب، وأصبحت أشكالها مقتصرة على شكل آية قرآنية أو ستارة أو وسادة أو سجادة صلاة، وقماش السرادقات والأفراح والسجاد اليدوي، خصوصاً في شهر رمضان الكريم وفي فصل الشتاء، وفي الموالد.