مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

أغنيات الحج: تقاليد زف الحاج إلى البقاع المقدسة

إن الاحتفالات التي تقام لتوديع الحاج إلى البقاع المقدسة ثم لاستقباله عند عودته إلى بلاده وأهله بعد أدائه فريضة الحج تكاد تكون متشابهة في جل مدن بلاد العالم العربي والإسلامي، حيث إن القاسم المشترك بينها هو الاحتفاء الكبير خصوصاً بالعائدين منهم، وتنافس الأهل في التعبير عن هذا الاحتفاء بمختلف الوسائل والتي تشمل الولائم ووضع لافتات الترحيب والأهازيج المتداولة خصيصاً لهذه المناسبة والتي تسمى أغاني الحج وهي أهازيج شعبية عفوية منتشرة منذ زمن طويل في جل الدول العربية والإسلامية، ولا يعرف على وجه الدقة من ألفها أو من لحنها ولكنها كانت دوماً تصاحب مواكب الحجاج في الذهاب والعودة من البقاع المقدسة، ولقد كان بعضها يجري على لسان الرجال في حفلات الوداع والعودة وبعضها يعد طقساً من الطقوس المصاحبة للنساء في الحج.
 وتتميز أغاني الحج بكونها حمالة للعديد من المعاني والصور الجميلة، كما أنها تعد عاملاً مهماً من عوامل الحماسة والتشجيع للحجاج من أجل حثهم على قطع طريقهم الطويل والشاق إلى الحج من دون ملل أو تردد، وهي أغنيات تتحدث كلماتها عن صعوبات الطريق ومشاقه وخطورة ركوب البحر والشوق إلى الوصول، كما أنها تذكر الحاج بضرورة الحرص على أداء كل شعائر الحج وزيارة قبر الرسول، والسلام عليه. إنها وجد ممزوج بأنين الفراق والخوف من البعد عن الأحباب والأمل في العودة بسلام بعد أداء المناسك، إنها تمثل تعبيراً صادقاً عن الشوق الكبير للوصول إلى أرض الرسول والصحابة. 
وتعرف عادة هذه الأغاني الشعبية والتي تردد عند الحج باسم (حنون الحجاج)، ولقد ظلت بمثابة الطقس الاحتفالي الشعبي الذي يقام كل سنة، سواء أثناء وداع الحاج الذاهب إلى الأراضي المقدسة أو في استقباله عند عودته، وبالإضافة إلى هذه الأغاني يحرص الحاج على وضع الرسومات الخاصة التي تزين بيوت الحجاج وتميزها عن غيرها، وعادة ما ينجزها فنانون مختصون فيما يعرف برسوم الحج، حيث يقومون بذلك بمجرد سفر الحجاج حتى تكون بيوتهم في كامل زينتها عندما يعودون.
وتعد رسومات الحج على المنازل من أهم فنون الحجاج وبخاصة في مصر، وهي تعود أساساً إلى فن الجداريات الذي ابتدعه الفراعنة وبرعوا فيه، ولا يزال إلى اليوم من أبرز الفنون التي يحتفي بها المصريون لتعبر عما يخالج النفس من مشاعر مفعمة بالإيمان وحب الجمال، وتعكس رغبة قوية في التعبير عن أنبل المشاعر الدينية.
كما أن جذور أغنيات الحج تعود بدورها إلى فن الحداء وهو الذي يعد من أقدم أنواع الشعر والغناء العربي، وقد اكتسبت هذه الأغنيات طابعاً مصرياً أصيلاً، وبخاصة في عصر سلاطين المماليك. ولقد لعبت الأشعار والأزجال والموسيقى الشعبية دوراً كبيراً في تشكيل وجدان الناس ومشاعرهم خصوصاً عندما ارتبطت برحلات قوافل الحج السنوية.
ولذلك اتخذت الأغنية الشعبية الخاصة بالحج كلماتها ونغماتها من طابع حداء الإبل في الصحراء، من حيث تميزها بقصر الجمل الغنائية التي تتناسب وحركة اهتزاز راكب الإبل، وكذلك من حيث شجن اللحن وعذوبته.
ولقد دأب الناس على الذهاب إلى منزل الحاج لتوديعه، وكل جماعة تردد قصائد معينة، فيما يقوم الحاج بتوديع هؤلاء الناس الذين يهرعون إليه من شتى القرى، كما أنه يحرص على زيارة كل أرحامه وأقاربه وهو يرتدي ثياباً بيضاء ناصعة، وعند الوداع يستعد جميع الناس لتوديعه فيقطعون مسافات طويلة إلى جانبه لتوديعه ودموع غزيرة تنساب على المآقي، حيث إن كل شخص يشعر بالحزن الصادق والشديد لفراق الحاج.
ثم تنطلق قافلة الحجاج، وتتكون من عدد من الجمال والحمير القوية، ويتقدم القافلة عادة شيخ القبيلة أو أحد كبار أعيان القرية حاملين معهم غذاءهم وأسلحتهم للدفاع عن أنفسهم من قطاع الطرق الذين كانوا ينتشرون بكثرة في ذلك الوقت، ولقد كانت الرحلة تستمر أحياناً عدة أشهر يقطعون خلالها البوادي والقفار، والمحظوظ من يصل إلى الديار المقدسة سالماً.
إن غناء الحجاج أو حنون الحجاج يعد فناً جميلاً وأصيلاً، وهو مخصص لتوديع الحجاج واستقبالهم، ولكنه لم يأخذ حظه إلى اليوم على الرغم من أنه يعد جزءاً مهماً من تراثنا الغنائي الشعبي، وهو فن يلخص حياة جزء كبير من الشعوب العربية والإسلامية التي تحمل بعضاً من تقاليدها وعاداتها ووجدانها وهي ذاهبة إلى رحلة الحج، تلك الرحلة التي كانت شاقة وشديدة الخطورة في الماضي، ومع ذلك كانت رحلات الحجيج لا تنقطع وكانت أناشيدهم وأغنياتهم زادهم في رحلة الحب الإلهي بعيداً عن الأهل والأحباب والوطن.
ذو صلة