مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

العبقرية: بين الأكاديمية والمجاز في الثقافة الشعبية

أثناء كلمته التي ألقاها بالمكتبة الوطنية عام 2003، أي قبل وفاته بعام واحد، استدعى جاك دريدا كلمة واهية لا يعترف أحد في أيامنا هذه بالتمسك بها، حيث قال: (كلمة العبقري.. تجعلنا نرتبك)، مضيفاً (وبحسب أدنى قدر من الشرعية التي تمتلكها كلمة عبقري، فكأن المرء يوقع على استقالته من جميع المجالات المعرفية إن أقرّ بها).
أياً كان رأيك في دريدا – سواء أكنت تعتبره فيلسوفاً عظيماً أم دجالاً – فلا مراء أنه كان محللاً دقيقاً للغة الأكاديميين. وقد كان لديه رأي سديد فيما يتعلق بالمستقبل الأكاديمي الحالي للعبقرية. فالعبقرية تجعلنا نرتبك حقاً. وعندما نبحث المفهوم أصلاً، نميل إلى إنكاره أو تفكيكه أو تفسيره على مضض باعتباره (أيديولوجية خاصة بالعباقرة). 
من الواضح أن عباقرة الماضي رابضون على قواعدهم كي يتسنى لنا أن نجرهم إلى القاع ونفت في عضدهم. أشارت آن دونلي Ann Donnelly أمينة متحف Shakespeare Birthplace Trust سابقاً إلى أن الناس يعشقون اختلاق أسباب للزعم بأن شكسبير لم يكن عبقرياً. والعلماء أدنى إلى السخرية من المبدأ بالمرة، فهم أبعد ما يكونون عن الإطراء والثناء على العباقرة.
ويمكننا أن نستشف شيئاً من هذا الإنكار والتأفف في قاعات الأقسام حيث أعلنت مؤسسة ماك آرثر منذ عدة أسابيع عن الزملاء (العباقرة) السنويين. ورغم أن المؤسسة تتفادى استخدام هذه الكلمة، فإن وسائل الإعلام الإخبارية تتباهى بها رامية إلى نتائج متوقعة. ويتفاخر رؤساء الجامعات بـ (العباقرة) الذين يحيطون بهم، والناشرون يتملقونهم، ورواتبهم تتضخم (وكذلك غرورهم). وفي تلك الأثناء، نجد الزملاء الذين تأكلهم نار الغيرة يتحدثون عن (العباقرة) الجدد باقتباسات مرعبة ساخرين من أن الكلمة لا تستخدم سوى في سياق المفارقة، إن استخدمت أصلاً.
لم يكن الحال هكذا دوماً. فطوال القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين تقريباً، انشغل علماء محسوبون على مجموعة كبيرة من المجالات في العلوم الطبيعية والإنسانية بدراسة العبقرية والعباقرة والاحتفاء بها. 
وبالنظر إلى جهودهم، يمكننا فهم علة هجران الأبحاث في هذا المجال فهماً أفضل، واستخلاص معلومات متعمقة من مفارقة عصرنا الديمقراطي: انتهت فكرة العبقري كرمز، ولو أن العباقرة تتضاعف أعدادهم في الثقافة الشعبية. فبينما نجد مدربي كرة القدم ونجوم موسيقى الروك ومصممي الأزياء ينعمون بلقب (العبقري)، مازال العلماء يلقون بظلال الشك على أبطال الفكر. 
هل سنندم يوماً على قتل العبقرية؟ هل سنسأم مما يبدو أنه احتل مكانته، ويراد المفكر المشهور كدريدا، والمعروف بشهرته وحسب لا بما أنجزه أو قاله؟
إن الثقافة التي تنبطح أمام الأوثان تقلل من شأن نفسها. لكن الذين لا يستطيعون أن يقيموا وزناً للقامات الحقيقة يحقرون من شأن أنفسهم. وفي عصر يشكك في العظمة كعصرنا، ربما أن الوقت قد حان للإقرار بأنه رغم كل ما كانت طائفة العباقرة تتحلى به من غرابة، فقد احتفظت لنفسها برونق مثير للإعجاب في مواجهة الإمكانات البشرية، ونقلت إحساساً مبهجاً بالهيبة لكونهم أحياء في هذا العالم ومتجاوزين له. ولكن تخلينا عن العجب والانبهار له ثمن.
لم يرد ذكر للعباقرة، استناداً إلى معنى الكلمة في العصر الحديث، سوى منذ عصر التنوير. وكان نيوتن مثالاً جديداً إلى جوار بنجامين فرانكلين وجوته ونابليون. وفي هذه الفترة أيضاً، (اكتُشفت) عبقرية شكسبير وهومر واحتفي بهما، واعتبرا رمزين للإبداع والأصالة والخيال والاستبصار.
والسؤال المثير الذي يطرح نفسه هو: لماذا ظهرت فكرة العبقرية في القرن الثامن عشر الميلادي كنموذج على أعلى درجات البشر؟ اقترح العلماء عدداً من التفاسير التي تراوحت ما بين نشأة الرأسمالية والأفكار الجديدة للمذهب الجمالي والقراءات الجديدة للمؤلف والذات. 
وثمة سياق آخر وثيق الصلة، ومدهش إلى حد ما، ألا وهو الإيمان بمساواة البشر؛ وهي الفكرة التي خلقت ستاراً للفروق الطبيعية التي تميز البشر. وفي المجتمعات التي نراها كثيراً ما تتردد في معاملة نبلاء المولد كأساس شرعي لتأسيس البنى الهرمية الاجتماعية، لعب الذكاء والإبداع دور المعايير الجديدة لتبرير التميز البشري، بينما استُبعد العبقري باعتباره عضواً فيما يطلق عليه المعاصرون (بمن فيهم توماس جيفرسون) طبقة (الأرستقراطية الطبيعية). ماذا كانت تحديداً الخصال التي ميزت هؤلاء الرجال الاستثنائيين؟ (فقد كانت العبقرية حكراً على الذكور في بداية الأمر). كان هذا السؤال في صدر الاستقصاءات الأولى في ماهية العبقرية، وظل حافزاً ودافعاً للأبحاث في هذا المجال حتى القرن العشرين.
وكان الأدباء هم أول من تعاطى مع الأمر. ففي أوائل عام 1711، طرح الناقد البريطاني جوزيف أديسون Joseph Adison على صفحات مجلته London Spectator السؤال التالي: (من هو العبقري العظيم حقاً؟). 
وخلال القرن الثامن عشر، حاول المعلقون في شتى أرجاء أوروبا الإجابة عن هذا السؤال، فأنتجوا أدبيات ضخمة ناقشت خصال العبقري على أسس جمالية وفلسفية. ولقد عَظَّمَ صعود نجم نزعة الرومانسية في القرن التاسع عشر من نطاق التخمينات بينما أزاحت الستار، على حد قول إسحاق دزرائيلي Isaac D’Israeli والد رئيس الوزراء البريطاني، عن الشخصية الأدبية للعباقرة (1828) حيث سلطت الضوء على الخصال الغريبة والعادات والسمات التي ميزت تلك الشخصيات عن غيرها.
والتمس النقاش الأدبي والفلسفي عوناً من العلم. فإذا لم تكن العبقرية تبعة للامتزاج الإلهي – نفخة الروح المقدسة أو الإله – فلا بد أن لها مكاناً في البدن أو الروح. هل كانت العبقرية معتمدة على نبل الأصل والمناخ المناسب بحسب اعتقاد البعض؟ أم كان (توافقاً محدداً بين الرأس والأحشاء) بحسب استنباط الفيلسوف الفرنسي ديدرو؟
كانت هذه الإمكانات كلها محل بحث في القرن العشرين. فقد حاول علماء الفراسة استبيان العبقرية في تجاعيد الوجه، وبحث عنها علماء فراسة الدماغ في نتوءات الرأس، أما خبراء قياس القحف الدماغي فحاولوا فهم العبقرية بفرجارهم، وفي مدن كجوتنجن وباريس، جمع الباحثون قطعاً كبيرة من الأمخاخ والجماجم ودعوا أحد الفرنسيين الشكاكين إلى ملاحظة أنه إذا كان الحجم وحده يعد عاملاً محدداً للذكاء، لكان الحوت سيدنا أجمعين.
وبأفول نجم علم قياس القحف، صعد نجم علوم أخرى. فقد سعى علماء النفس والأطباء البشريين إلى تفسير متعلق بأسباب الأمراض للعلاقة المؤكدة عادة بين العبقرية والجنون. ففي (سجلات الأمراض) الموسعة أو تواريخ حالات عقول المشاهير، بحث العلماء عن روابط بين العباقرة والمرض العقلي والجريمة. 
وفي الوقت نفسه، بحث العلماء المتخصصون في أمراض المخ عن سبل دماغية للعبقرية من معاقل مؤسسية كبرى مثل معهد كايزر فيلهلم لأبحاث المخ Kaiser Wilhelm Institute of Brain Research في برلين، ومعهد أبحاث المخ في موسكو الذي تأسس إثر وفاة لينين بفترة وجيزة، وتحديداً عام 1924 كجزء من جهود بيان ما أطلق عليه أحد المسؤولين السوفييت (الركيزة المادية) للعبقرية الثورية.
في تلك الأثناء، استثمر اختصاصيو تحسين النسل وعلماء النفس الأساس الذي وضعه فرانسيس جالتون Francis Galton في دراسته الواعدة عام 1869 تحت عنوان (العبقرية الوراثية)، وحاولوا تصنيع أدوات لتحديد العبقرية فيما بين الأجناس المختلفة. وبخاصة في بداية تطوير فكرة (حاصل الذكاء) (IQ) في أوائل القرن العشرين بالتزامن مع نظرية العالم النفساني البريطاني تشارلز سبيرمان Charles Spearman عن العامل العام الكامن (أو الخلقي) للذكاء (العامل G)، راود علماء الموروثات حلم البحث عن العبقرية على نطاق واسع مع استبعاد مَن لا تنطبق عليهم المواصفات. بدت المسألة محورية للرخاء البشري. وكما أكد لويس تيرمان Lewis Terman العالم النفساني الأمريكي ومساعد جالتون الذي كان له دور محوري في تهيئة اختبار (حاصل الذكاء) لتعميم استخدامه على نطاق واسع في عام 1925: (غني عن القول إن موارد شعب ما من الموهبة الفكرية من بين أكثر الموارد حيثية على الإطلاق. إن أصل العبقرية والقوانين الطبيعية لتطورها والآثار البيئية التي ربما تتأثر بها سلباً أو إيجاباً مسائل علمية لا تقل أهمية تقريباً عن الرخاء البشري).
تأثر المؤرخون أيضاً وعلماء الاجتماع ووجدوا في أنفسهم الحافز لدراسة أصول العبقرية. في حالات عدة، كان إنتاجهم قد تجاوز بقليل تأليه الأبطال. لكن ثمة بعض الأصوات المنشقة استشفت تطوراً مثيراً للقلق — وهو ما أسماه المؤرخ النمساوي إدجار زيلسيل Edgar Zilsel في كتاب رائع له عام 1918 (عقيدة العبقرية).
 حاجج إدجار بأن عبادة العبقرية حلت محل التنويعات الأكثر تقليدية للعبادة العقائدية حيث خلع سلطات أعلى على اختيار الطبيعية ورعايتها لنوع من (إدمان الخلاص) بين الذين يشتاقون للقيادة المُخَلِّصَة للرجال الاستثنائيين. كان هناك ثمة شيء ينذر بالخطر حيال العقيدة الحديثة. في تحليل نافذ البصيرة نُشر في برلين عام 1931، كتب المُنَظِّر القانوني هرمان هيلر Hermann Heller : (عقيدة العبقرية السياسية يجب بضرورة الحال أن تكون عقيدة عنف).
وأياً كانت تحفظات نقاد أمثال زيلسيل وهيلر، فقد كانوا أقلية. ولقد لخص الأخصائي النفساني وخبير تسجيل الأمراض فيلهلم لانغ-أيشباوم Wilhelm Lange-Eichbaum الموقف في كتاب صغير نشر أيضاً عام 1931 تحت عنوان (معضلة العبقرية). وقال فيه: (بين البشر الحداثيين المتحضرين، صار إجلال العبقرية بديلاً للعقائد الدوغماتية الماضية المفقودة). وجد لانغ-أيشباوم الموقف مثيراً للقلق مضيفاً أن (فكرة.. أن العبقرية لها قدسية خاصة منتشرة على نطاق واسع في العالم الحديث).
ورغم أن المؤرخين نزعوا إلى تجاهل هذه الحقيقة، فلا شك أن هذا الإجلال والقدسية المتشحة بها العبقرية يعد عاملاً في صعود نجم هتلر الذي قدم نفسه ببراعة ووعي كامل باعتباره عبقرياً، وهي كلمة مجازية وردت في الدعاية النازية من البداية. وزعم جوزيف جويبل Joseph Goebbels أنه علم منذ أول لقاء له مع هتلر أنه كان (عبقرياً وأداة إبداعية طبيعية للقدر) من شأنها تشكيل واقع ومستقبل الشعب الألماني وتحويله إلى تحفة سياسية-فنية. يقول جويبلز في روايته (Michael) التي نشرت أول مرة في عشرينيات القرن العشرين: (الشعب للسياسي كالحجر للمَثَّال. والعباقرة يستغلون العامة. هذا هو واقع الأمور).
تلقي العلاقات التي تربط النازيين وعلم تحسين النسل بالعبقرية بظلال التزييف على الدراسة الأكاديمية للعبقرية، لكن هناك قوى ساعدت على نزع الشرعية الأكاديمية عن العبقرية. ولعل الأهم على الإطلاق الإقرار المتفشي الذي لا يفتأ يزداد انتشاراً بالأسس الاجتماعية للعمل والتي تمثل قاعدة لفكرة المبتكر الأوحد البطولي. لقد كان ماركس بسخريته مما أطلق عليه ممارسة (الانحناء لنبلاء وحكماء الطبيعة) أول من اقترح هذه الفكرة المتعمقة. وتطورت لاحقاً في الدوائر الأكاديمية حيث انتقد طلاب ماركس طائفة العباقرة باعتبارها وليدة أيديولوجية برجوازية.
ومن المفارقة أن الكثير من الرأسماليين كانوا على وشك الوصول إلى نتيجة مثيلة. وكما قال مدير شركة آرثر د. ليتل Arthur D. Little للأعمال الاستشارية: (لا تعول الأبحاث المنظمة على العبقرية الفردية؛ فهي نشاط جماعي.. لا يتطلب وجود البشر الخارقين للعادة). اكتسب هذا المنظور جمهوراً عريضاً بالتزامن مع توسع رقعة البحث والتطوير الصناعيين. ولقد استوعبت العجائب الحديثة مثل (مصنع الأفكار) بمعامل بيل Bell Laboratories التي وظفت في أوجها قرابة 1200 من حملة الدكتوراه الفكرة بسلسلة من الابتكارات المذهلة وجوائز نوبل. وكانت الفكرة واضحة: التفكير الجماعي أفضل من الفردي.
وسجل العلماء التطور مقللين من شأن أسطورة العبقرية الفردية. ومع ذلك، اعتبر البعض أينشتاين استثناءً – فهو عبقري العباقرة وربما آخر العظماء – لكن كلمة (عبقري) سقطت من نظر العلماء إثر الحرب العالمية الثانية، حيث عُومِل استخدامها كسقطة مهنية واجتماعية.
وانطبق ذلك إلى حد كبير على العلوم الإنسانية والاجتماعية أيضاً. ففي الثمانينيات، انصب تركيز المتخصصات في الدراسات النسوية من أمثال جوليا كريستيفا Julia Kristeva على التحيزات الجنسية التي كانت سمة ملازمة للتركيز الشديد جداً على العبقرية (الذكورية)، وطائفة الرجال العظماء. 
ويكشف المؤرخون العلميون مستعينين بالدلائل التي أوردها ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gould في كتابه الرائع (Mismeasure of Men) كيف أن الأبحاث التي تتعاطى مع الذكاء تشكلت استناداً إلى فرضيات عن التفوق الخلقي للذكور ذوي البشرة البيضاء الذي يتحدرون من سلالات أوروبية. 
وفي اللحظة التي ألقى فيها الرجال بيض البشرة الأموات من جميع الأطياف ظلال الشك المستند إلى معرفة واسعة، بدا العباقرة أكثر مواتاً وبياضاً من أغلبهم. وبينما ما زال علماء النفس المخضرمين أمثال دين كيث سايمنتون Dean Keith Simonton من جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفيز يدرسون (العبقرية) بوصفها هذا، نجد العلماء كثيراً ما يركزون على الإبداع أو الموهبة أو الذكاء.
وعليه رسخ الموقف الذي حدده دريدا – الذي يفيد بأن استدعاء العبقرية يستتبع التخلي عن المصداقية الفكرية – في الفكر الأكاديمي. وفقدت العبقرية بريقها. لكن شيئاً غريباً حدث وهي في طريقها إلى مثواها الأخير. فبينما عكف العلماء على تلاوة الطقوس الأخيرة للمخلوق الأسمى الذي حقروا من شأنه وأنزلوه منزلة الفانيين، بُعِثَت فكرة العبقرية من جديد في المخيلة الشعبية كرجل - وامرأة - من الشعب.
متى حدث ذلك وكيف له قصة أخرى. لطالما تحدث الأوروبيون والأمريكيون عن العبقرية لا باعتبارها قوة نادرة الوجود، بل وكموهبة أو نزعة متفردة. فلكل إنسان قدرة خاصة أو عبقرية مميزة له، أو خصلة تساعد على تحديد شخصيته. ولقد اتسق هذا الاعتقاد اتساقاً أفضل مع أفكار الديمقراطية والمساواة من تفسير العبقرية على اعتبار أنها استثناء من الخالق، وفي القرن العشرين بدأت الفكرة تتجلى في أماكن مدهشة وغير متوقعة. حتى أكبر مؤيد للنظرية الوراثية والمُنَظِّر صاحب نظرية (العامل G) السائدة تشارلز سبيرمان لاحظ أن (كل رجل وامرأة وطفل عادي.. عبقري في شيء ما). وورد في قصة إخبارية نشرت في مجلة Newsweek عام 1993 أنه (بالنظر إلى مئات الآلاف من الإشارات المرجعية الصحافية إلى (العباقرة) كل شهر، يستشعر المرء أنهم غمرونا). 
إننا (نعيش في عصر العباقرة) بحسب تصريح مجلة إسكواير Esquire في نهاية (إصدار العباقرة) الخاص الذي نشرته احتفالاً بنهاية الألفية. ومن بين الذين استمتعوا بـ 15 دقيقة من العبقرية: مصمم الأزياء توم فورد Tom Ford، وجيف بيزوس Jeff Bezos مؤسس موقع Amazon.com، ومطربة برودواي أودرا ماكدونالدAudra McDonald ، ونجم كرة السلة ألين إيرفسون Allen Iverson، والممثل ليوناردو دي كابريو.
ومؤخراً، خصّصت صحيفة Die Zeit الألمانية عدداً خاصاً لـ (العباقرة الذين غيروا حياتنا) حيث وضعت تصوراً لنماذج مجسدة معاصرة مثل هاوارد شالتس Howard Schultz المدير التنفيذي لسلسلة محلات ستارباكس، ومارك زوكربرغ Mark Zuckerberg مؤسس موقع فيسبوك، وميوشيا برادا Miuccia Prada المصمم الإيطالي الشهير، وانفجار كامبراد Ingvar Kamprad مؤسس سلسلة محلات إيكيا Ikea، وبالطبع ستيف جوبز Steve Jobs الذي احتفي به إبان وفاته عام 2011 باعتباره عبقرياً.
وقد شقت العبقرية طريقها إلى عالم الأطفال حيث ظهرت مقاطع مرئية بعنوان أينشتاين الصغير Baby Einstein وموتسارت الصغير Baby Mozart ، وكذلك إلى عالم كتب المساعدة الذاتية مثل (كيف تفكر مثل ليوناردو دافينشي: سبع خطوات وصولاً إلى العبقرية كل يوم) و(أشعل فتيل العبقرية داخلك). وهي الأعمال التي تَعِد بالعبقرية للجميع. وبعد أن كانت العبقرية هي الاستثناء، أمست القاعدة.
يمثل التوسع في مفهوم العبقرية وصبغه بصبغة ديمقراطية - وهو ما وصفه مارخوري جاربر Marjorie Garber من جامعة هارفارد بـ (معضلة العبقرية) - جزئياً الخلط ما بين العبقرية والشهرة (وهي فكرة أخرى ظهرت في القرن الثامن عشر). لكنه يمثل أيضاً انتصاراً متأخراً للمساواة بين البشر، وهي الستار الجدلي للعبقرية الذي دام طويلاً، انتصاراً ساهم بقدر أكبر في الإطاحة بالعبقرية من مكانتها المرموقة من أي عمل أكاديمي. تحتوي مجموعة حديثة من المقالات نشرتها مجلة Times تحت عنوان (أسرار العبقرية: اكتشاف طبيعة العبقرية) على غلافها صورة لا لأينشتاين وشكسبير وحسب، بل وإلى جوارهما سيرينا وليامز Serena Williams  بطلة التنس الأمريكية ذات الأصول الأمريكية. وتتضمن المجموعة مقالات عن أطفال آسيويين عباقرة وعالمات متخصصات في الوراثيات وشخصيات عجيبة تمثل البشرية كلها بكل ما فيها من تنوع. على الأقل في الثقافة الشعبية يُنظر للعبقرية الآن من منظورات وأبعاد مختلفة. وبينما أقدم الأكاديميون أيضاً على محاولات لصبغ فئة العباقرة بصبغة ديمقراطية وشعبية، لم تكن جهودهم خالصة أو ناجحة بقدر ما كانت محاولة تدمير العبقرية كلياً.
بالطبع ليست هذه هي المرة الأولى التي يشتاق فيها المجتمع الأكاديمي والعالم إلى بعضهما بعضاً، ولعل شهرة فكرة العبقرية في الثقافية الإعلامية المهوسة بالمشاهير تضخ المزيد من الاحتقار الفكري تجاه الفئة التي فقدت مغزاها بسبب اتساع رقعة تطبيقها وسوء استغلالها. فإذا كان كل إنسان يستطيع أن يكون عبقرياً، فما مغزى العبقرية إذن؟
لكن حقيقة أن العبقرية اختفت إلى حد كبير كموضوع من موضوعات الأبحاث الأكاديمية بينما تفشت كمجاز في الثقافة الشعبية يشير إلى علاقة كامنة. وفي عالم معقد ومتداخل يميل بطبيعته إلى إحباط الفعل الفردي، فإن التشديد على إنجازات الأفراد يبعث على الطمأنينة، ولو أنه غريب بعض الشيء أيضاً. وهكذا يتضاعف عدد العباقرة في وسائل الإعلام بينما يفنى فناءً يبعث على الخزي في المجتمع الأكاديمي.
إن الذين لديهم نزعة تاريخية يؤمنون بأنه عندما يفنى موضوع ما ويذوي يصبح من المثير والممتع التدبر فيه. وفي هذا المنطلق، لنبحث محاجة هارولد بلوم Harold Bloom في كتابه المخالف لرأي الجمهور تحت عنوان (العبقرية: نسيج بديع من مائة عقلية إبداعية نموذجية) Genius: A Mosaic of One Hundred Exemplary Creative Minds Warner, 2002) والتي يفترض فيها أن العبقرية فكرة لا نستطيع العيش بدونها. ويضيف قائلاً: (إننا بحاجة إلى العباقرة مهما شعرنا بالحسد أو الانزعاج من وجودهم. وميلنا إلى كل ما هو فائق واستثنائي يبدو جزءاً من تراثنا المشترك، ولا تتخلى عنا فكرة العبقرية سوى ببطء لكنها لا تتركنا قط كلياً).
إن استخدامه لصيغة المتكلم الجمعية هي إشارة إلى ذاته و(الجمهور) لا إلى العلماء في المقام الأول الذين صاروا، بحسب بلوم، (أنصاراً للمساواة الثقافية) ممن لديهم مناعة من الهيبة. ومع ذلك، فإن النقطة التي يشرحها بلوم مثيرة للانتباه وبخاصة لأن دريدا، في خطابه الذي ألقاه عام 2003 في المكتبة الوطنية، بدا متفقاً معه جداً لدرجة أنه غامر واستخدم وصف (العبقري) إشارة إلى الروائية الفرنسية النسوية هيليناسيكسوس Hélène Cixous التي أثنى على أعمالها احتفاءً بإهدائها أوراقها إلى المكتبة الوطنية الفرنسية. 
العبقرية نفسها هبة بحسب دريدا؛ هبة قد تعيش لتعطي مجدداً، لكنها يجب أن تُخَلِّص نفسها أولاً من ماضيها (وخاصة من علاقاتها المرتكزة على الجنس بشدة). وإذ طرح دريدا السؤال التالي (ماذا سيحل بالعبقرية؟)، فقد تخيل أنها قد تحتل مكانة (تجعلها تقلب الموازين) وتستدعي الهيبة.
عندما يلتقي نقاد معارضون على شاكلة بلوم ودريدا عند نقطة واحدة، فلا مفر من الإنصات. هل نحن بحاجة حقاً إلى شكل محدد من العبقرية؟ وصفت كريستيفا العبقرية بأنها (اختراع علاجي يحول دون احتضارنا بسبب المساواة في عالم لا يحمل لنا مستقبلاً).
لم نتنكر جميعاً إلى الظن بأن ثمة حياة أخرى، وثمة عدد أقل بكثير في المجتمع الأكاديمي يهابون التبعات القاتلة للمساواة المبالغ فيها. ومع ذلك، فإن أغلب العلماء يرفضون الإيمان بأن ثمة عبقرية في كل إنسان. وإذا حثنا ذلك على التفكير فيما إذا كان الشك الممتد لفترة طويلة في (النخبة) الفكرية وفي فكرة (العَظَمَة) — وإيجازاً في (العبقرية) — حقق الغرض المراد منه وجرى مجراه الطبيعي، أليس هذا الشك، في نهاية المطاف، يخالف هويتنا وما نقوم به في هذه المؤسسات النخبوية؛ أي الجامعات الأمريكية الحديثة؟ ألا ينبغي أن نكون على استعداد للانحناء من آن لآخر امتناناً وتقديراً للهبات العجيبة التي يقدمها لنا العباقرة؟ يتساءل دارين م. ماكماهون أستاذ التاريخ بجامعة ولاية فلوريدا الأمريكية.
ويضيف: لا يبقى لدينا سوى الثناء المحفوف بالنفاق على (التميز) (يا لسوء الاستخدام الذي تعرضت له هذه الكلمة أيضاً)، وشكل من أشكال الشهرة الفكرية التي لا تنفصل كثيراً عن عبقرية الثقافة الشعبية. كوكبة من النجوم، عالم من الموضة، صعود وهبوط للميول والتوجهات، مجموعة جديدة من أتباع ماك آرثر. 
ويتابع ماكماهون بقوله: لا أحد يستطيع أن يقلل من شأن هؤلاء، لكن لا شك أنه يستحيل أن يوجد هذا العدد الكبير من العباقرة في عام واحد، وبالتأكيد ليس من المنطقي أن يقطن هذا العدد منهم في الولايات المتحدة الأمريكية. في عالم ليس فيه تقدير حقيقي للعبقرية، هذا هو منتهى ما يمكن أن نحصل عليه - درجة امتياز من واحدة من اللجان وتحكيم أعمى للقدرات. ولا يفارق ذلك إحساس مؤرق بالحنين إلى الماضي إلى عالم يحمل في طياته المزيد من العجب والدهشة.
ذو صلة