كان مانسا موسى رجلاً قوياً وغنياً، يهابه الأعداء ولا يتوانى عن فعل الخير أينما كان. كان من أعظم زعماء إمبراطورية مالي ومن أشهر زعماء أفريقيا والإسلام في القرون الوسطى. كان عالماً ورعاً إلى جانب حنكته السياسية، وفي عهده ازدهرت جامعة سانكوري كمركز للعلم في أفريقيا، وقام بتوسيع دولته لتضم مناجم الذهب في غرب أفريقيا، وفي عهده صارت عاصمته تمبكتو محط القوافل التجارية عبر الصحراء بالشمال. وكان الحدث الأبرز في سنة 1324م عندما قرر الخروج في رحلة الحج إلى مكة المكرمة.
ويعتبر المؤرخون أن رحلة الحج التي قام بها مانسا موسى إلى مكة المكرمة تعد واحدة من أكثر القصص المثيرة في تاريخ أفريقيا، ذلك لأن موسى حكم أعتى وأغنى الإمبراطوريات القديمة في أفريقيا. وكانت الرحلة إلى مكة أيضاً مثيرة للاهتمام لأنها فاقت كل المتعارف عليه من حيث عدد الخدم والمرافقين والهدايا التي حملتها حاشية الملك. وخلفت الرحلة إلى مكة المكرمة في 1324 أثراً في تاريخ السودان الغربي.
كان مانسا موسى متديناً محافظاً وملتزماً بشعائر دينه. وفي بداية العام 1324 بدأ الاستعدادات الحثيثة لرحلته الأولى للحج، وتقدر المسافة بين مالي ومكة المكرمة بحوالي 3000 كيلومتر. لذلك، توجب على المسؤولين والموظفين في إمبراطوريته العمل عدة أشهر مسبقاً لتوفير كل ما يلزم للرحلة. وكانت الخطوة الأولى توفير عدد كاف من الحيوانات التي سيستخدمها مصادر للغذاء والركوب وحمل الأمتعة وشملت الماعز والأبقار والإبل.
أما الأمتعة التي حملت على ظهور الحيوانات فكانت تجمع بين الذهب والغذاء والملابس، وتضمنت الرحلة حمل أكثر من ثلاثين ألف رطل من الذهب وزعت على حمولة ما بين ثمانين ومئة جمل، بالإضافة كذلك إلى عدد كبير من الأشخاص الذين رافقوا الملك الحاج في القافلة. وتشير تقديرات المؤرخين إلى أن القافلة كانت تتألف من حوالي 60 ألف فرد، من بينهم 12 ألفاً من العبيد و500 آخرين من الخدم الذين تم اختيارهم من قبل الزوجة الأولى للملك والجنود مع رواة القصص والمعلمين والأطباء.
في البداية تجمع مانسا موسى وقافلته في مدينة (نياني) الغينية (التي كانت تعد عاصمة الإمبراطورية ومقر إقامة الملك في ذلك الوقت) كنقطة انطلاق لرحلتهم. وفي الموعد المحدد دوت أصوات الطبول الملكية معلنة عن بداية الرحلة. في القافلة كان 500 من العبيد يحملون قضباناً من الذهب الخالص تزن الواحدة منها 4 أرطال وكانوا في مقدمة الرحلة في طريقهم إلى مكة المكرمة. وركب مانسا موسى الخيل والجمال وكان يحمل معه راية الإمبراطورية، ومروا عبر الصحراء باتجاه مصر حيث زار السلطان الملك الناصر بالقاهرة ومنها إلى مكة.
في مصر حضي الملك الأفريقي بترحيب كبير واستقبله المماليك في القاهرة بحفاوة بالغة، ومن جانبه أهدى مانسا موسى آلاف من سبائك الذهب. وقد خلص الباحثون إلى أن سعر الذهب قد شهد تراجعاً في العالم إثر رحلة الحج تلك لكثرة ما وزع من ذهب على طول الرحلة. وبعدها دخل اقتصاد العالم أجمع في حالة تضخم سريع (ارتفاع أسعار) لعشرين سنة متتالية بسبب ذهب تلك الرحلة، كما استفاد التجار المصريون من القافلة والملك وباعوا لها السلع بأضعاف السعر العادي.
لقد كانت رحلة طويلة دامت ثمانية أشهر، ثم بعد أكثر من نصف عام وصل الحاج موسى ورجاله إلى مكة. وفي جزيرة العرب، كانت القافلة محور حديث العامة وحازت اهتمام الكثير من الناس الذين اصطفوا في الطرقات لمجرد الحصول على نظرة لحاشية الملك. وبعد أن حط الرحال بمكة المكرمة، قام مانسا موسى بمناسك الحج قبل أن يعود من جديد إلى إمبراطوريته حاملاً لقب الخليفة ومحملاً بمراسيم ومشاريع ورسومات بناء، كبناء أول مسجد بمدينة تمبكتو وهو المكان الذي توقف فيه في طريق عودته. جدير بالذكر أن مانسا موسى قد أبهر العالم كله في رحلته تلك بسخائه الكبير مقدماً هدايا كثيرة وثمينة في شكل نقود وذهب أينما حل طوال رحلته من مالي إلى مكة المكرمة.
وقد كان لرحلة حج مانسا موسى التاريخية إلى مكة المكرمة عدد مهم من النتائج والتبعات في تاريخ السودان الغربي، وساهمت كثيراً في تطور الإسلام في مالي والأهم من ذلك فتحت الآفاق لإمبراطورية مالي بالانفتاح على أوروبا والشرق الأوسط. ويعكس حجم الذهب الذي حمله الملك معه والذي يقدر بثلاثين ألف رطل حجم الثروة الهائلة التي كانت تتمتع بها إمبراطورية مالي في ذلك الوقت، وهو ما خلق انطباعاً خاصاً عند كل من عرفه. ويعتقد المؤرخون أن الفضل يعود للحاج مانسا موسى في التعريف بمكانة السودان الغربي وتداوله ما وراء شمال القارة الأفريقية. وبفضله كذلك تطورت علاقات جديدة مع المسلمين والتجار الذين زاروا إمبراطوريته في وقت لاحق.
وقام التجار ببناء المساجد وإنشاء المدارس في كامل أنحاء إمبراطورية مالي، التي مثلت بدورها أسس الدين الإسلامي والتعليم في مالي. وقام التجار كذلك بتوسيع شبكات التجارة في الإمبراطورية وأصبحت تمبكتو، المدينة الرئيسة في مالي، والمركز التجاري الرئيس في السودان الغربي. وتبادل التجار من تلك المنطقة الذهب بالملح من شمال الصحراء الكبرى والشرق الأوسط. وفي تلك السنة أيضاً أصبحت العاصمة تمبكتو بجنوب غرب نهر النيجر مركز تجارة الذهب وتعليم الإسلام في ربوع القارة.