الإبداع هو ما يتم غزل فكرته ونسج سداه ولحمته مما يتفتق عنه ذهن الكاتب بذاته, ولا بأس من مداد من تأريخ دون إخلال أو ذكر لتراث دون إغفال. وهذا ما لم أجده في (إبداع) سلة الأستاذ (عبدالباقي يوسف) من العراق المنشور في عدد المجلة العربية رقم (441) صفحة (116).
جاء في التراث العراقي القديم أن ابناً عاقاً كان قد أصرّ على طرد والده العجوز الذي يعيش معه في ليلة ممطرة شديدة البرودة رغم توسل الشيخ لتأجيل الأمر حتى الصباح. أسقط في يد العجوز المبتل فرجا ابنه أن يعطيه ما يقيه برد الليل وبلل المطر. طلب العاق من ابنه الصغير -على مضض- أن يدفع لجده بالـ(فجة) البالية المرمية خلف الباب إجابة لطلبه. أطاع الحفيد والده، ولكنه سلم جده نصف (الفجة) بعد أن شقها نصفين. استاء الوالد من فعل ابنه الصغير، ولما سأله عن السبب والقطعة من سقط المتاع ولا تكاد تساوي شيئاً، أجابه بثقة: سأدخرها لك يا أبي لتقيك ما ستقي جدي عندما أطردك من داري مستقبلاً في ليلة باردة ممطرة كهذه!
أرى أن تحميل النص المنشور ما لا يحتمل لباد بوضوح فيما نشر، ناهيك عن إغفال ذكر (التراث العراقي) كمصدر، فضلاً عن تشويهه ونسبته لنفسه، من خلال:
- إشراك الزوجة بعمل السوء بالنظر لانقيادها لقرار زوجها ولكأنها تجردت من كل إنسانية. فهنا يظهر (المبدع) وهن العائلة دون الحاجة لذلك.
- لا تكاد فكرة حمل الجد في سلة ونقله إلى قرية مجاورة تطيق حمل نفسها، فمن أين سيأتي الابن بسلة بمثل ذلك الحجم أو بتلك القوة، علماً بأن سلال (العراق) كانت ولاتزال تصنع من (خوص) سعف النخيل أو من شرائط القصب والتي لن يكون بإمكانها حمل وزن الجد، وإن وهن عظمه وضمر جسده. هذا إذا افترضنا أن الجد سيقبع هادئاً ساكناً فيها دون مقاومة وكأنه في غيبوبة أو قد فقد الذاكرة، الأمر الذي لا يستقيم مع مواظبته على الوضوء والصلاة وتناول الإفطار الذي تأتي به الزوجة إليه مع حفيده كل صباح.
- وأخيراً أرى بأنه لم يكن (المبدع) بحاجة لإشراك أبناء قرية مجاورة في وزر الابن، هذا إذا افترضنا صعوبة نقله ليلاً، وعدم استغراب أهلها من مجيء شخص يلقي (بسلة) بها رجل إلى ديارهم نهاراً.