مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

كساد الشعر

أثارت افتتاحية الدكتور عثمان الصيني للعدد (440) من (المجلة العربية) قضية تراجع الاهتمام بنشر الشعر وتلقيه، حتى صار إنتاجاً غير مرغوب فيه من قبل كثير من دور النشر التي يهمها الربح في المقام الأول، ومن هنا تأتي دلالة العنوان الذي اختاره الدكتور عثمان الصيني (بضاعة الشعر الكاسدة)، حيث إن أرقام المبيعات تؤكد أن الشعر لم يعد الحصان الرابح لدور النشر والمطابع بالقياس إلى الكتب المهتمة بالفضائحيات والطبخ والأبراج التي تتربع على عرش الإصدارات الأكثر مبيعاً، وفي نظري فإن تراجع استهلاك الشعر لا يعود إلى نقص في قيمته أو عمقه الجمالي والثقافي؛ وإنما الأمر يتعلق بشيوع أنماط تلق جديدة صاحبت التحولات العالمية في الاستهلاك الثقافي، ولقد بين الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه (اليد واللسان) أن كثيراً من الجامعات الإنجليزية كانت قد ألغت عقودها مع كثير من الشعراء وتحملت أداء مبالغ الشرط الجزائي بعدما لمست تراجع الجمهور الثقافي عن حضور الحفلات الشعرية. وفي مقابل هذا النكوص الذي أصاب الشعر فإن أجناساً أخرى استطاعت أن تتبوأ مراتب متقدمة في المشهد الإبداعي، ونحن إذا ما حصرنا المقارنة داخل أجناس الأدب فإن الرواية صارت، بحق، ديوان العرب الجديد الذي يلقى الاهتمام الأوكد الذي من تمظهراته إطلاق جوائز رفيعة من قبيل جائزة البوكر للرواية في صيغتيها العالمية والعربية، كما أن قراء هذا الجنس الأدبي في تزايد؛ لأنه استطاع أن يجذر نفسه داخل مساحات التلقي الضيقة؛ لذا فمن الطبيعي أن نجد في كل مرة الرواية على قوائم الأكثر مبيعاً؛ بينما يقل ذلك، إن لم نقل إنه يندر، بالنسبة إلى الشعر. وفي العالم العربي فإن صدور رواية جديدة لأحلام مستغانمي أو علاء الأسواني أو يوسف زيدان أو واسيني الأعرج.. يشكل حدثاً ثقافياً، ولقد أعلنت الروائية أحلام مستغانمي عن بيع خمسة آلاف نسخة بالتوقيع من روايتها الأخيرة (الأسود يليق بك) في معرض أبو ظبي للكتاب الأخير، وذلك في يوم واحد، وهو رقم يصعب أن يحققه ديوان شعر لشاعر كبير كأدونيس، ولنرى كيف أن رواية علاء الأسواني (نادي السيارات) قد خلقت نقاشاً ثقافياً واسعاً حتى قبل عرضها في السوق الثقافية في أبريل الماضي، وأن شاعراً مصرياً عريقاً مثل أحمد عبدالمعطي حجازي صاحب الأيقونة الشعرية (مدينة بلا قلب) لا تستطيع دواوينه أن تثير النقاش نفسه، فالرواية استطاعت أن تقدم نفسها كخطاب جماهيري؛ بينما حافظ الشعر على نخبويته، وأن النخبوي له عشاقه والراغبون فيه، لكنهم ليسوا كثر على أية حال. 
ذو صلة

   nabil
   nabil_ock@live.fr
   مغرب -le maroc
   الإثنين 07/10/2013
نقد في الصميم