ومازلنا ننبش الصخر علنا نعثر على ضالتنا في مسرح الطفل والتي أوغلت في طرحه الأخت نجلاء سليمان ضمن عدد العربية 440، وحق لها أن تتساءل وأن تستفهم وأن تتعجب لما آل إليه مسرح الطفل حيث الهضم والتجاهل لطفل اليوم ورجل المستقبل الذي لا يملك من أدوات العرض شيئاً سوى البراءة التي يتفنن كتاب المسرح بطرحها جيئة وذهاباً في ندواتهم واجتماعاتهم دون أدنى اهتمام بأصحابها؛ بل يجيء الإملاء جاهزاً ومرتجلاً على حسب موقعه من المادة التي اصطبغت قسراً بأذهانهم وتمكنت من أبجدياتهم بصورة أو بأخرى، فهل بعد هذا التجاهل من أمل لإعادة المكانة اللائقة بالطفل كونه مرحلة عمرية يتأثر ويؤثر بل ويختزل جميع المشاهد التي مرت في حياته سوى مشهد واحد من المستحيل أن يتنازل عنه.. ذاك هو مشهد التجاذب العكسي بين إرادته وإرادة الغير فيه.. كان هو بالفعل يؤمل خيراً وينتظر أعمالاً أو على الأقل عملاً ينتشله من دائرة الحيرة والضياع التي رست في شواطئه وأرغمته على القبول فيها أو بغيرها انتظاراً للفرج الآتي من البعيد زمناً.
إن المتابع للأعمال المسرحية سواء المقدمة عبر الدوائر المغلقة أو المعروضة عبر التلفاز ليلحظ بوناً شاسعاً بين ما يقدم للطفل كطفل وبين ما يقدم له كشريك بالعملية التربوية، إذ لا شعور ولا مشاعر تجاهه، بل المسألة حفنة من الدريهمات يتلقفها من أدى الأدوار بالإنابة عنه لا من وضع الأسس المثلى لبنائه أو من حاول ذلك ولكن لم يسعفه الوقت أو الظروف المحيطة فيه والتي تتطلب تعاضد الجميع.. بيتاً ومدرسة ومجتمعاً.
لا أنكر بأن هناك أعمالاً فحواها تحاكي الأطفال وتلامس بعض احتياجاتهم، لكنها قطع لا ترقى إلى درجة التكامل الذاتي الذي ينشده الطفل ويطوي معه صفحة اليأس التي عنت له وجاست في مخيلته مع أنه كان بالإمكان وضع تصور دقيق وشامل من جميع المربين والمثقفين والباحثين ومن ثم رسم الخطوط العريضة التي بمقتضاها نتمكن من الدخول إلى عالم الأطفال بل إلى أعماقهم، ولن يتم هذا الأمر إذا لم يكن لهؤلاء الفلذات دور في هذا الأمر.. إذ من خلال مناقشتهم والإبحار معهم في جدهم ولعبهم نستطيع أن نعرف ماهيتهم وما يروق لهم وما يضايقهم وما هو خارج عن واقعهم المعاش، وأعجب حقيقة من هذا السير البطيء لفك هذه الشفرة المعضلة، فرغم التقدم العلمي والتقني إلا أن المسرح في تصوري لم يساير الركب، وإن كان هذا الأمر لم يقتصر على مجتمعنا بل هو شبه عربي، فهل نعلن العجز نحن أرباب المسرح كتاباً وممثلين ومنتجين ومخرجين أم أن هناك بارقة أمل تلوح في الأفق لانتشال أحبتنا.. لنتفاءل ونقول بأن هناك أكثر من بارقة.. فقط يبقى العمل ويبقى الجد ويبقى الاهتمام وحينها يمكن القول بأننا خرجنا من معترك اليأس والإحباط إلى ساح التفاؤل والتوافق والعطاء.. وإنا لمنتظرون.