مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الليل في الشعر

شكل الليل مصدر إلهام الشعراء على مدار الشعرية العربية، ولعل دارس القصيدة العربية القديمة، قد لا يجد عناء في تتبع هذا الموضوع ضمن أولياته وتمظهراته الفنية.
إن الليل باعتباره صديق الشعراء، وملاذاً آمناً للتعبير عن خلجات الصدر ومكنونات الروح، جعلت منه القصيدة الجاهلية رمزها ومرموزها المتخيل، القادر على نقل حزمة الأحاسيس إلى رؤى وإيحاءات وصور بلاغية، حيث نجد شاعراً مبدعاً مثل امرئ القيس يتفنن في تصوير الليل وشحن طاقاته بالصور التشبيهية التي تنقلنا إلى المناخ العام الذي كان يعيشه الشاعر الجاهلي بكل صدق، يقول الشاعر:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه
وأردف إعجازاً وناء بكلكلِ
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ
تتجلى رمزية الليل في هذه الأبيات الشعرية، بكونه يجلب الهموم الثقيلة كالصخور، والمتلاطمة كأمواج البحر العاتية، ولاشك أن لعبة الألوان حاضرة بقوة أثناء التصوير، البياض والسواد، أو جدلية الليل والنهار، وهذا يعكس الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر من جراء حالة التشظي والتشرد بين الفيافي بعد ضياع مُلكِ العائلة. لذلك نراه يجري هذا الحوار الدرامي بينه وبين الليل المدلهم، ودعوته الصريحة إلى الانمحاء، بتباشير الصباح، علماً أن الشاعر يقر باستحالة ذلك، مادامت نفسيته مثقلة بأنواع الهموم وما أثقلها.
إنها تجربة ذاتية بخط درامي فاجع، تروم نقل الشعور الصادق والاحتماء بعناصر الليل، أما الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني، فقد عرف بوصف الليل الممزوج بالرهبة والخوف، حتى قيل (إنها ليلة نابغية)، للدلالة على قدرة الشاعر على التوحد بالليل، وصبغه بأبعاد نفسية وشعورية، حيث السهر في انتقاء العبارات التي تناسب قيمة الممدوح، لذلك يلجأ إلى أميمة وبثها شكواه، ودعوتها إلى تركه وحيداً، يقاسي بطء الكواكب وطولها، إنها حالة أرق وخوف شديدين، يقول الشاعر:
كليني لهم يا أميمة ناصب
وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
فالنابغة الذبياني، كان معروفاً (بالشعر التكسبي)، فيكثر من المدح المبالغ فيه أحياناً، طمعاً في جزيل العطاء، أو يلجأ إلى صيغة (الاسترضاء)، أو تقديم اعتذارياته مشفوعة بالكثير من التذلل والخوف من ردة فعل الممدوح، يقول واصفاً الليل:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وإن خلتُ أن المنتأى عنكَ واسعُ
فهذا وصف فيه الكثير من التهويل من قوة الممدوح، حيث يصبح مثل الليل الذي يدركه رغم طول المسافة والبعد، وهكذا فهذه نماذج من الشعر الجاهلي، تقرب صورة الليل في مخيلة الشاعر العربي القديم، كمكون أساسي يسهم في نقل التجربة الذاتية للشاعر، وتقديم نبذة عن المناخ العام الذي تجري فيه القصيدة في سياقها التاريخي.

ذو صلة