مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

اللغة السودانية

اللغة من أهم مقومات الوحدة الوطنية لأية دولة، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأوضاع السياسية ومدى استقرارها، ولعل الوطن العربي يعد خير دليل على أن حالة الضعف الشامل التي يعاني منها تجعله معرضاً للغزو الثقافي الذي يستهدف اللغة بشكل رئيس. الأمر الذي يتطلب وضع أولويات للحفاظ على الهوية. وتعد دولة السودان نموذجاً يستحق الاهتمام والرعاية في ظل ما تعانيه من صراعات بعد ظهور دولة جنوب السودان التي استقلت عن البلد الأم.
واللغة العربية هي لغة التواصل الأولى بالسودان، إلا أنها تعاني من تدني المستوى كتابة وتحدثاً لدى الطلاب في مختلف مراحل التعليم، وأهم ما يلاحظ على الواقع اللغوي هناك وجود ما يقرب من مئة لغة على جانب بعض اللهجات العربية أو المحلية، ففي الإقليم الواحد نجد أكثر من أربع لهجات عربية، فإذا ما علمنا أن عدد سكان السودان نحو 50 مليون نسمة فإن متوسط من يتحدث لغة واحدة لا يزيد عن نصف المليون، مما يعني وجود عقبة أمام تماسك وترابط الشعب السوداني.
فغرب السودان المعروف بإقليم دارفور بولاياته الثلاث، يضم لغات غير عربية تتراوح ما بين ثلاث عشرة إلى ست عشرة أشهرها: (الفور – الزغاوة – المساليت) إلى جانب لغتي الهوسا والفولاني –من لغات وسط أفريقيا– وذلك حسبما جاء في مقال للدكتور كمال محمد جار النبي حول إطار نظري لمستقبل اللغات النيلية الصحراوية في دارفور. ومن جانب آخر أكد د.خالد إسماعيل في بحث له حول (التحديات التي تواجه اللغة العربية في إقليم دارفور بجمهورية السودان) وجود تحديات في هذا الإقليم في إطار الصراع اللغوي والهجرات الجماعية بسبب الحروب التي من شأنها إضعاف اللغة العربية. وليس هذا فحسب، بل إن ثقافة أهل دارفور هي مزيج بين الثقافتين العربية والإفريقية، حيث ذكر د. حاتم إبراهيم دينار في مقال له (دارفور أرض السلاطين والتنوع القبلي) أن دارفور من أشد جهات السودان من حيث التباين الثقافي ومشكلات الهوية الثنائية المعرفية. مجمل القول أن هذا التنوع الثقافي يؤدي في النهاية إلى نزاعات عرقية وقبلية وبالتالي تأثر الوحدة الوطنية.
أما في في جنوب السودان فقد أوضح د.عبدالهادي عمر
في كتابه (اللغة العربية في المجتمع الأنموذج السودان)   أن جنوب السودان يضم مجموعة من القبائل، لكل منها لغتها، أهمها قبائل: النوير، الزائدي، الدينكا، الشلك، وبالتالي فهناك أكثر من ثلاثين لغة، مع ملاحظة أن اللهجة بغربي جوبا لغة محلية مشتقة من العربية وبعض مفردات اللغة الإنجليزية والعديد من اللغات المحلية – تمثل لغة الاتصال بين هذه القبائل.
بينما يتمتع شمال السودان بثقافة عربية إسلامية، حيث يضم العرب والنوبيين الذين يتحدثون اللغة النوبية، كما يضم الإقليم الشمالي الوسيط على ضفتي النيل قبائل عربية مثل الشافعية والجعليين لا تتحدث إلا العربية، ويفسر د.عون الشريف قاسم ذلك في كتابه (دراسات في العامية) بقوله : إن تأثر العربية كان طاغياً جداً إلى حد أنه إما أن تكون كينونة مجموعتهم الداخلية أو لغاتهم قد انمحت).
أما في شرق السودان فتعيش قبائل البجا التي تتحدث اللغة العربية لغة ثانية، وقد انتقلت من الوثنية إلى الإسلام. كما أشار د.علي صالح في مقاله: (البجا في شرق السودان غموض التاريخ وبؤس الحال) إلى أن البجا بصفة عامة مجموعة مميزة من المجموعات. هذا إلى جانب قبائل نزحت من المملكة العربية السعودية قبل 200 عام تحتفظ باللغة العربية. 
ويرصد د. خالد إسماعيل من خلال بحثه حول التنوع الثقافي واللغوي في السودان – المشكلات التي تواجه تعليم اللغة العربية: ضعف التعبير الشفهي، القصور في التخطيط اللغوي، الدور السلبي لوسائل الإعلام في الارتقاء بالعربية، ضعف الكتابة العلمية باللغة العربية، التأثير السيئ للعولمة على هوية السودان الثقافية. وفي هذا السياق يؤكد أموراً خطيرة منها أن من أسباب الهبوط الملحوظ في مستوى التعليم والمتعلمين استخفاف المتعلمين أنفسهم باللغة العربية والنظر إلى الجهل بها على أنه لا يعيب صاحبه، إلى جانب غياب المحتوى اللغوي والمنهج الذي يواكب مراحل التطور التاريخي، هذا إلى  جانب إدخال لغة أجنبية منذ المراحل الأساسية على جانب اللغة العربية مما يؤثر على مدركات الطالب مما يدفعه إلى التشتت الفكري، ومن ثم التأثير السلبي على نمط تفكيره وإبداعه.
لذا يطرح بعض الأفكار لمواجهة تلك التحديات ومنها تفعيل المركز القومي للغة العربية بإضفاء الصفة الرسمية عليه، وتشجيع الباحثين والعلماء على التأليف والنشر باللغة العربية، وإعادة النظر في مقررات اللغة العربية بكل مراحل التعليم، وتخصيص برامج إذاعية وتلفزيونية خاصة باللغة العربية، وتفعيل دور الأنشطة التربوية. هذا يصل بنا في النهاية إلى تحقيق الوحدة المنشودة من خلال تمكين اللغة العربية في المؤسسات المختلفة، ونشر الثقافة المصرية.
وفي هذا المقام يفرض السؤال نفسه: من أين تنهل الثقافة الوطنية أسباب سيادتها؟
أجاب عنه د.فلاح خلف في بحثه – آثار العولمة الاقتصادية على الهوية الثقافية – بقوله: الأسرة والمدرسة من أهم مصادر سيادة الثقافة الوطنية، فالأسرة يمكنها تعميق الوجدان الثقافي الوطني للطفل من خلال ما يعرف بالتربية العائلية من حيث القيم واللغة والقوالب العليا للسلوك والهوية الجماعية. أما المدرسة فهي مؤسسة الإنتاج الاجتماعي الثانية، التي تقوم بتكريس مجموعة من المبادئ التي تؤسس لقيام وعي بالإجماع الوطني، مما يسهم في إنتاج الثقافة الوطنية.

ذو صلة