ما تزال الرواية المغربية المكتوبة بالعربية تحديداً تراوح مكانها، بل لم تخرج من شرنقة التجريب المفترى عليه الذي حبست نفسها فيه طوعاً منذ أكثر من ثلاثة عقود؛ حلقة مفرغة تدور فيها بتأثير من النقد، بل النقود والنظريات الأدبية الغربية الفرنسية خاصة، حيث أخذ كتاب الرواية على عاتقهم إعمال الهدم في جسدها الفتي أصلاً، تلك التي اعتبروها كلاسيكية، فكان أن تم اختزال التجديد في الافتراء على الحبكة والحكاية، وصارت الرواية كلاماً غير مسترسل، لا ناظم له، لا حكايات فيها، شخصيات لا تمتلك عمقاً سيكولوجياً، ولا تحمل من الشخصية سوى الاسم، شخصيات كثيرة تثرثر، ظناً من المؤلف أن تلك هي البوليفونيا، تعددت الشخصيات بلا طائل والصوت واحد! كلامها في مضمونه واحد وإن تعدد شكلاً، فالبوليفونيا هي إيديولوجية بالضرورة؛ هذا يقحم الشعر قسراً، بما لا يجيزه المقام، وذاك يترك صفحات بيضاء داعياً القراء لملئها، وثالث ينوع في التبئير عنوة، وخامس يقحم مقالة نقدية أو صحافية، وينسى الجميع الحكاية، أس الرواية، وكأن هؤلاء لم يسمعوا بالإلياذة والأوديسا، ولم تصلهم أخبار (ألف ليلة وليلة). لذلك ظلت الرواية حبيسة تجريبيتها، وكأنها لم تجاوز بعد (محترف الكاتب) العاكف على تجاربه!
لمثل هذه الأسباب أيضاً، ليس لدينا رواية جماهيرية أو شعبية. وأنا أستثني هنا رواية يتيمة هي (الخبز الحافي) لمحمد شكري، عدا أن الرقابة لعبت دوراً في دفع القراء إليها بعد سنوات من التضييق على نسختها العربية، وبفضل نسخة فرنسية وأخرى إنجليزية أسالتا من المداد وخلقتا من الحيرة أكثر مما استجلته من الحقيقة!
قد يعترض الكثيرون بأن هناك عوائق على رأسها مشكل الأمية وضعف المقروئية، أما عن الأمية فهذه آفة قد نعلق على مشجبها الكثير من الأزمات التي يعرفها الاقتصادي والاجتماعي وغيرهما وفيما يخص معيقات صناعة الكتاب، من دعاية وترويج إعلامي ومواكبة نقدية بمختلف قنوات التواصل وجوائز محفزة، لنفترض أن لدينا كل هذه الآليات، فلا شيء يضمن بأنها ستصنع (جماهيرية) أو (شعبية) الرواية؛ لأن هذه الصفة هي جزء من الرواية وليست تكملة لها، فالرواية هي التي تصنع نجاحها بدءاً وإلا لكانت دول عربية غنية هي الأولى اليوم بتصدر قائمة المبيعات لما لها من الإمكانيات المالية ما يفوق بكثير نظيراتها الغربية!
قد يقول قائل إن دور النشر لا تكشف عن مبيعاتها، ونحن نعلم أن هذه المبيعات في المغرب لا ترقى إلى ما قد تبيعه دار نشر واحدة في أوروبا مثلاً، كما لا يتعلق الأمر بالتكريس الذي قد تسهم فيه المؤسسات التعليمية بدورها؛ فالروايات التي تشكل جزءاً من البرامج الدراسية لا تدخل ضمن هذه الخانة؛ حيث إن اقتناءها لا يتم عن طيب خاطر؛ بل لضرورة تعليمية، وبالتالي فإن عدد المبيعات في هذا السياق لا يعتد به.
وإذا فحصنا عن قرب ما يصنع الجماهيرية والشعبية تحت سماوات أخرى، نجد أن الحكاية تتربع قائمة العناصر المطلوبة، فالقراءة مغامرة لا تستقيم دون الحكي والمحاكاة، ضمن بنية سردية محبوكة تشد القارئ منذ الصفحة الأولى ولا تترك مجالاً ليستبد به الضجر، من خلال مواضيع أقرب إليه على سبيل المثال لا الحصر: الحب، الطفولة، الصداقة، العائلة... تسندها انتقالات مدروسة وتحولات درامية منطقية، وخيال خلاق. قد يشط حد الفانتاستيك، لا يعوزه التشويق ولا يخلو من عاطفة.
لماذا لا تنجذب الجماهير إذن إلى الرواية المغربية؟
هل للقدرة الشرائية دور في ذلك؟ هذا غير مؤكد؛ فالناس تشتري من (الهوت دوغ) أسبوعياً ما قد يعادل ثمن رواية، بكل بساطة؛ لأن الرواية لا تخاطبهم؛ إذ تخاطب نخبة، بل أحياناً تخاطب متخصصين في السرديات والتأويل وهلم نظريات.
ألا يصبو الروائي المغربي ليكون شعبياً، ويحظى بجماهيرية، وذلك من خلال الادعاء مثلاً بأنه يكتب (أدباً) راقياً، يتعالى على ما تحبه الجماهير (السوقية)؟ أشك في ذلك أيضاً؛ ما من كاتب إلا وتحركه بالتأكيد الرغبة في أن يصير مقروءاً على نطاق واسع، ونحن نرى ونقرأ عن روايات عمد أصحابها إلى ترجمتها إلى لغات عالمية وإن لم تكن مقروءة مغربياً!
هل الكاتب هو الذي يصنع جمهوره، وليست الجماهير هي التي تملي عليه ما يكتب؟ إذا كان مشروع الروائي هو خلق هذا الجمهور فالأمر سيتطلب منه أكثر من حياة! أما الجماهير فيكفي أن تقرأ مواضيع تشبهها، تنتمي لعصرها، لا يعني هذا الاقتصار على الواقعية، ولنا في هاري بوتر وتوايلايت ودافنتشي كود خير مثال على عدم التزام الواقعية، أو المحتملية الواقعية، كما لا يعني إقصاء الرواية التاريخية، فهذه بدورها قد تصنع الشعبية والجماهيرية، لذا فالنجاح لا يعود إلى أجناس بعينها، ولا إلى (الماركوتينغ) بل إلى النجاح في الكتابة كيفما كان الجنس المنتقى.