مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

تأملات في الشعر الحزين

في إحدى الأمسيات التي شاركت فيها جاءنا سؤال من الحضور, وهو: لماذا غلب على شعرنا طابع الحزن والشكوى؟
وبالفعل كان أغلب القصائد التي قمت أنا والزميلات بإلقائها طابعها الحزن. الإجابة مني كانت بختم هذه الأمسية بقصيدة مضحكة أضفت على الحضور جواً مرحاً.
منذ ذلك الحين ومازال السؤال يتردد في ذهني: لماذا أغلب القصائد وخاصة شعر الغزل بالفعل قصائد حزينة؟
أخذت أفتش في الشعراء وأشعارهم فوجدت فيهم من برع في شعر الوصف ومن برع في المدح والهجاء ومن تفنن في الغزل؛ لكن في طابع الغزل يغلب على الشاعر وصف حزنه وغياب محبوبه عنه وشوقه له ومدى الألم الذي يصاحبه.
لعل السبب الذي يجعل شعر الحزن يكثر عند الشعراء هو أن الألم والشعور الذي يصاحب الحزن لا يجد له الشاعر متنفساً إلا بالتعبير عنه بشعره.. أو أن غالبية الشعراء تكون الظروف والأحوال التي يمرون بها قاسية صعبة فيتفجر شعره مع هذه اللوعات المريرة.
الشعر سمي شعراً لأنه ينبع من الشعور, والشاعر عند كتابة الشعر يبلغ أقصى درجات الشعور إذا بلغ أقصى درجات الألم, فقد يصف الشاعر حزنه بألم ودموع يصاحبه شموخ وكبرياء, كما في شعر أبي فراس الحمداني:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهي عليك ولا أمر
نعم أنا مشتاق وعندي لوعة
ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى
وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحي
إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
ثم قال يقر حزنه من العشق:
وما كان للأحزان،  لولاك، مسلك
إلى القلب، لكن الهوى للبلى جسر
وهكذا يصفون عذابهم في العشق:
بعضي بنار الهجر مات حريقا
والبعض أضحى بالدموع غريقا
وآخر يساوي الهجر بالموت:
يا هاجري من غير ذنب في الهوى
مهلاً فهجرك والمنون سواء
ويتمنى آخر قلباً ثانياً يعيش به لأن قلبه ما احتمل عذاب الهوى:
فلو كان لي قلبان عشت بواحد 
وأبقيت قلباً في هواك يعذب
بل قد يجد الشاعر أن عذاب الحب هو أسمى عذاب:
عذبي ما شئت قلبي عذبي
فعذاب الحب أسمى مطلبي
وأغلب شعراء الغزل يصفون حزنهم بسبب فقد محبوبهم وهجرانه والعوائق التي تحول بين لقائه, وشعر الغزل يكون فيه طابع الحزن والألم وذلك تنفيساً لخوالج نفوسهم, فغالبية شعراء الغزل هذا طابعهم إلا إذا كان هناك وصف، لكن مع الوصف لا بد أن يذكر حزنه وألمه وآهات الفراق, كما في قصيدة علي بن الجهم:
عيون المها بين الرصافة والجسر 
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
خليلي ما أحلى الهوى وأمره
أعرفني بالحلو منه وبالمر
ثم يقول:
بما بيننا من حرمة هل علمتما
أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟
وأفضح من عين المحب لسره
ولا سيما إن طلقت دمعة تجري
شعراء الغزل قد يكون منهم من يبرع في الوصف وذكر محاسن المرأة واللقاء والكلام والضحك والمشية والتمايل وغير ذلك، لكن إذا غلب على شعر الغزل طابع الحزن والفجيعة وذرف الدموع فإنه من حادثة حدثت له كفراق غير متوقع وحرمان لا يقوى عليه فيتفجر شعره ممتلئاً بهذه الصور الأليمة التي يجدها متنفساً له ولا يقوى على كتمانها, كشاعر الغزل المتيم مجنون ليلى الذي يقول في شعره:
أعد الليالي ليلة بعد ليلةٍ
وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
أراني إذا صليت يممت نحوها
بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حبها
وعظم الجوى أعيا الطبيب المداويا
وقال يصف حبه وشوقه وألمه:
أحبك يا ليلى محبة عاشقٍ
عليه جميع المصعبات تهون
أحبك حباً لو تحبين مثله
 أصابك من وجدٍ علي جنون
ألا فارحمي صباً كئيباً معذباً
حريق الحشا مضنى الفؤاد حزين
قتيل من الأشواق أما نهاره
فباكٍ وأما ليله فأنين
له عبرة تهمي ونيران قلبه
وأجفانه تذري الدموع عيون
وشعره امتلأ بمثل هذه العبارات التي تصف كمده ودمعه وسهره وشدة ولهه بليلاه وشوقه لها حتى صارت ليلى علماً لكل معشوقة, ومجنون ليلى علماً لكل عاشق محروم أصابته الصبابة والهوى، وهذا طبعاً نابع من حرمانه منها الذي ولد حزناً دفيناً لم يجد له متنفساً إلا بشعره.
حتى أنه وصل بدرجة عشقه إلى مستوى تفضيل الموت على فراقها:
خليلي إن ضنوا بليلى فقربا
لي النعش والأكفان واستغفرا ليا
ونخرج عن طابع الغزل إلى طابع آخر وهو الرثاء، فموت قريب أو حبيب قد تتفجر بعده أبيات الشعر الممتلئة بالحزن والبكاء والألم والفجيعة.
ومن شاعرات الحزن اللواتي اشتهرن بهذا النوع من الشعر الخنساء, وهي شاعرة مخضرمة, تفجر شعرها بعد مقتل أخويها صخر ومعاوية، وخصوصاً أخاها صخراً, فقد كانت تحبه حباً لا يوصف، ورثته رثاء حزيناً، وبالغت فيه, حتى عدت أعظم شعراء الرثاء. ويغلب على شعر الخنساء البكاء والتفجع والمدح والتكرار وذرف الدموع، لأنها سارت على وتيرة واحدة، إلا وهي وتيرة الحزن والأسى، وعاطفتها صادقة نابعة من أحاسيسها الصادقة, ونلاحظ ذلك من خلال أشعارها.
تقول في بعض أشعارها:
ألا يا عين فانهمري بغدر 
وفيضي فيضة من غير نزر
ولا تعدي عزاء بعد صخر
فقد غلب العزاء وعيل صبري
لمرزئة كأن الجوف منها 
بعيد النوم يشعر حر جمر
وتصف دمعها وبكاءها:
أرقت ونام عن سهري صحابي 
كأن النار مشعلة  ثيابي
إذا نجم تغور كلفتني
خوالد ما تؤوب إلى مآب
فقد خلى أبو أوفى خلالاً 
علي فكلها دخلت شعابي
حتى أنها اتخذت الحزن لها ديدناً والبكاء قسماً تبر به:
فأقسمت لا ينفك دمعي وعولتي
عليك بحزن ما دعا الله داعيا
وقالت أيضاً:
ولولا كثرة الباكين حولي 
على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن
أعزي النفس عنهم بالتأسي
ولنتجول قليلاً في الشعراء المعاصرين الذين غلب على أشعارهم هذا الطابع, من هؤلاء  الشاعر الكويتي فهد العسكر الذي عاش بعد أن هجره أهله، وحيداً في (بخار) في سوق واجف، معتمداً على ما يتلقاه من مساعدات تقدمها له أمه، ومن ما يحصل عليها من مكافآت وعطايا مقابل ما ينشر من أشعاره في الصحف والمجلات.
عبر فهد العسكر عن حزنه بعد نبذ المجتمع له بهذه الأبيات:
كفي الملام وعلليني فالشك أودى باليقين
فمن مجيري من شجوني وتناهبت كبدي الشجون
أين التي خلقت لتهواني وباتت تجتويني
أماه قد غلب الأسى كفي الملام وعلليني
أرهقت روحي بالعتاب فأمسكيه أو ذريني
أنا بائس أنا شاعر أنا مستهام فاعذريني
ضاقت بي الدنيا دعيني أندب الماضي دعيني

وقال:
وطني وما ساءت بغير بنيك يا وطني ظنوني
أنا لم أجد فيهم خديناً آه من لي بالخدين
وا ضيعة الأمل الشريد وخيبة القلب الحنون
رقصوا على نوحي وإعوالي وأطربهم أنيني
وتحاملوا ظلماً وعدواناً علي وأرهقوني

وفي مصر شعراء أبوللو, وهي إحدى مدارس الأدب العربي الحديث. مؤسسها هو الشاعر الكبير أحمد زكي أبو شادي الذي ولد في عام 1892م, وضمت شعراء الوجدان في مصر والعالم العربي، ومن روادها: إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وعلي العناني، وكامل كيلاني، ومحمود عماد، وجميلة العلايلي.
وقد جاءت أشعارهم  بصورة الحب الحزين والمحروم الذي ينتهي إما بفراق وإما بموت معادلاً موضوعياً ليأسهم في الحياة وعجزهم الاقتصادي وعجزهم عن التصدي للواقع.
وهذا ما نقرؤه في قصيدة الأطلال لإبراهيم ناجي كمثال للشعر الوجداني الحزين عندهم:
يا فؤادي رحم الله الهوى
كان صرحاً من خيالٍ فهوى
اسقني واشرب على أطلاله
وارو عني طالما الدمع روى
ويصف عذابه في الهوى قائلاً:
كم تقلبت على خنجره
لا الهوى مال ولا الجفن غفا
وإذا القلب على غفرانه
كلما غار به النصل عفا
ثم تأتيه العزة في الهوى بعد أن أماته الحزن والجوى:
ذهب العمر هباءً فاذهبي
 لم يكن وعدك إلا شبحا
صفحة قد ذهب الدهر بها
أثبت الحب عليها ومحا
انظري ضحكي ورقصي فرحاً
وأنا أحمل قلباً ذبحا
ويراني الناس روحاً طائراً
والجوى يطحنني طحن الرحى
ومن هضاب تونس نقف مع الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي الذي يفيض شعره عذوبة وحزناً وصبابة, وقد تكون عوامل المرض التي كان يمر بها والحالة السيئة التي كان يعانيها وهو طالب, ثم تبع ذلك الصدمة التي عانى منها بعد موت محبوبته الصغيرة, جسد ذلك شعره بنفحات الحزن والشكوى وألم الفراق:
سئمت الحياة، وما في الحياة 
وما أن تجاوزت فجر الشباب
سئمت الليالي، وأوجاعها
وما شعشعت من رحيق بصاب
فحطمت كأسي، وألقيتها
بوادي الأسى وجحيم العذاب
فيبوح لنا بسر عذابه بهذه الأبيات:
أيها الحب أنت سر بلائي
وهمومي، وروعتي، وعنائي
ونحولي، وأدمعي، وعذابي
وسقامي، ولوعتي، وشقائي
إلى أن جرعه الحب كؤوس الحزن والألم واللوعة:
أيها الحب قد جرعت بك الحز
ن كؤوساً، وما اقتنصت ابتغائي
فبحق الجمال، ياأيها الح
ب حنانيك بي! وهون بلائي
ليت شعري! يا أيها الحب، قل لي:
من ظلامٍ خلقت، أم من ضياء؟
وأخيراً يبقى الشعر الحزين طابعاً لحزن الشاعر وترجمة لظروفه القاسية أو الأحوال البائسة التي مر أو يمر بها أو صدمة مفاجئة أيقظت فيه عملاق الشعر المعبر المؤلم، فلا يجد له متنفساً وأنيساً ومريحاً لنفسه إلا أن يصف ذلك بأبياته الشعرية التي تخرج بأعذب الكلمات وأجمل الشعور لأنها خرجت من نفس هي صاحبة التجربة.
ذو صلة

   نجمة
   jika39@yahoo.fr
   جزائر -الواد
   الإثنين 23/07/2012
يعطيك الصحة الا انك لم تتطرقي الا اهم اسباب الحزن التي نظم الشعراء اشعارهم عليها الا وهي الحروب والمعانات من الاستعمار وكذلك الغربة اود لو انك تبحثي في هاذا المجال