مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

رحيل الخطراوي: وفياً لأصدقائه حياً وميتاً

في الندوة الموثقة لنادي المدينة المنورة الأدبي قبل عام ونصف وتحديداً في تاريخ 21/2/1432 هـ التي حملت عنوان (الخطراوي وجهوده في خدمة تراث المدينة المنورة الثقافي والأدبي)؛ جاء حفل تكريم الأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي بمشاركة عدد من الأدباء والمفكرين الذين تناولت أوراقهم تجربة الخطراوي بكافة جوانبها لتعكس المكانة القديرة التي يشغلها الخطراوي مفكراً ومحققاً ومربياً فاضلاً. كانت الندوة بحضور وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز بن محيي الدين خوجة الذي قال: «حين نستعرض مسيرة الدكتور الخطراوي نجده مجودا في كل ما كتب ونظم وحقق وهذه مهمة صعبة وهو ما تحقق في أديبنا الذي نحتفي به». 
نتذكر ذلك الآن بعد رحيل العالم المبدع الدكتور محمد العيد الخطراوي الذي تمت الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف, ووري جثمانه ثرى بقيع الغرقد بعد ثمانين عاماً حافلة بالعلم والأدب.
ويعد الراحل أحد المؤسسين للنادي الأدبي بالمدينة المنورة، وله العديد من المؤلفات والدواوين الشعرية التي أثرت المكتبة العربية، كما كان ضمن الهيئة الاستشارية للمجلة العربية.
منذ مرضه، لم يكتب الخطراوي أي بحث، واكتفى بطرح آراء نقدية في حضور مريديه، تلك الآراء التي شكلت رؤيته للواقع والمأمول في الجسد الأدبي السعودي. رؤيته التي اكتملت مبكراً، يشرحها باختصار ذلك الحوار الثنائي بينه وبين الأديب عبدالفتاح أبومدين، قبل وفاة الخطراوي بنحو ثلاثة أشهر.
في مجلس مرمري بمنزله في حي شوران بالمدينة المنورة؛ قال الخطراوي موجهاً حديثه إلى أبومدين: «لا توجد اليوم علاقة حميمية بين النادي الأدبي وأبنائه، واختفت وظيفة النادي من حيث هو حمل ورضاع ووضع. قبل أن نطالب الأندية الأدبية ببحث مسألة الثقافة؛ يجب أن ينظر إلى الوسائل التي تنظم تفاعل الأندية الأدبية مع موجب وجودها».
وخشي الخطراوي إن يكون حديثه (غير مقبول)، غير أنه حديث (شاهد على تطلعات الأدباء إلى معطيات النادي الواقعة والمطلوبة) بحسب وصفه. وذهب الأديب الفقيد، محاوراً صديقه أبومدين، إلى أن كل نادٍ يجب أن يتميز بطابع معين، مشيراً إلى تميز نادي جدة بإصدار (مجلة علامات)، وقال: «لكننا لا نجد تلك الميزة النسبية في أندية أخرى، مثل نادي الطائف».
الحوار الثنائي حضره الناقد محمد الدبيسي، والدكتور زاهر عبدالرحمن عثمان، والشاعر أنس عبدالرحمن عثمان، ووسام علي، والدكتور محمد بن صنيتان.
اختيارات الخطراوي لحياته انسجمت مع شخصيته الأدبية، فأحد مؤسسي أسرة الوادي المبارك، والعاشق المتيم بمدينته المنورة، رفض الخروج منها موصياً أن يدفن في بقيع الغرقد، محافظاً على عهده مع أصدقائه ممن سبقوه إلى هناك: الشاعران محمد هاشم رشيد وحسن مصطفى صيرفي والأديب عبدالعزيز الربيع.
مسودات خطراوية لم تكتمل
 (العصي في الأدب العربي)، كتاب كان يعد له الفقيد وقطع أشواطاً فيه قبل أن تدركه المنية وتُفقد مسودات الكتاب. وبحسب تلميذ الخطراوي ممن التصق به في آخر حياته، الباحث محمد الكاف، فقد سأل الراحل عن مسودة للكتاب في آخر أيامه ولم يتمكن من العثور عليها، وربما تكون قد ضاعت أثناء انتقاله من منزل لآخر. مؤلف آخر كان يستعد له الخطراوي على أن يستلهمه من مراسلات أديب المدينة المنورة عثمان حلمي الساعاتي المدني، مع ابنه، وقد جمع الفقيد تلك المراسلات بخط يد الساعاتي آملاً أن يقرأها قراءة أدبية نقدية، غير أن الوقت لم يسعفه.
كم بقي بيني وبين البقيع؟
 هو السؤال الذي أخذ يردده محمد العيد الخطراوي لزواره ومحبيه، وربما كان هاجس الوداع هذا هو سر فرحته بقيام أحد تلامذته بتلبية أمنية الخطراوي وهي تحقيق ديوان السيد جعفر البيتي.
وعدا عن فقده في الوسط الثقافي، فإن محبي وتلامذة الخطراوي سيفتقدون خصيصة إنسانية كان يتميز بها الفقيد، إذ لن يظهر في هواتفهم المتنقلة بعد اليوم اسمه حين كان يبادرهم بالاتصال ولا يعتب عليهم إن انشغلوا عنه.

* * *
من وحي سيرة الخطراوي
محمد الدبيسي: المدينة المنورة

     من الخطل اختزال الإشارة إلى الأديب محمد العيد الخطراوي -فضلاً عن الحديث عنه- في جزئية يسيرة من تلك المساحة التي شكلها في مشهدنا الأدبي والثقافي والعلمي.
ومع ذلك أقول: إن من أبرز ما كان يميزه -رحمه الله- الصدق والجد والالتزام في ممارسته للمعرفة؛ فمنذ أن درجنا الخطوات الأولى في هذا المشهد، وهذا العلم السني ملء المكان والسمع والبصر. أصيل وجوده فيه ومتعددة صور تمثيله له.
 ومن تجليات الصدق والجد والالتزام، دأبه المبكر وحرصه الأكيد على التأسيس لمشروعه الثقافي عن المدينة المنورة، ومواصلة السير فيه والاهتمام به, بحسب ما تمثل في سلسلة دراساته الخاصة بالمدينة؛ التي تجاوزت عشرين كتاباً.
ومن يقرأ مقدمات أولى مؤلفاته في ذلك –المدينة في العصر الجاهلي، أو المدينة في العصر الإسلامي، أو حتى شعر الحرب بين الأوس والخروج– يتحقق لديه إدراك الخطراوي رحمه الله لقيمة الممارسة, وعظمة الرسالة, وشرف المزاولة، وإحساسه بالمسؤولية تجاهها. ولا أستطيع أن أُمايز بين مفردات ذلك المشروع؛ لأنها لا تتفاضل في القيمة، ولا تتغاير في الأهمية؛ فكلٌ منها في بابه وإطار محدداته الموضوعية قيمٌ ومهم ويكشف جانباً من جوانب كيان الثقافة ومنظومتها في البلدة الطاهرة.
أما النموذج الآخر لالتزامه، فهو كتابه: مدخل إلى علم ثلاثيات القرآن الكريم. وهو أقرب كتبه إلى نفسه وأحبها إليه، وقد عكف عليه فترة طويلة من عمره، ويمثل ملمحاً من ملامح علاقته بكتاب الله، قارئاً ومتأملاً ومتبصراً في أوجه إعجازه. وعارفاً بحقه عظمة وتوقيراً وإجلالاً كما دأب ونهج العارفين في تراثنا، وقد ضمن كتابه هذا أفكاره حول إعجاز القرآن وعبقريته في استجلاء دلالات ومفهوم الثلاثيات, وسياقاتها وتطبيقاتها في كتاب الله. بعد أن جرَّب عينات من فكرته في الثلاثيات واستجلى حولها القراءات والتقديرات ومستويات الفهم لها وسبر مراده منها.
ويعد كتابه الثلاثيات جهداً علمياً جديداً في كشف جوانب من الإعجاز البياني في كتاب الله، وأوجه بلاغته وأسرار تراكيبه، وهو يضع صاحبه في مصاف العظماء من العلماء المعاصرين الذين عنوا بهذا الجانب أمثال مالك بن نبي, ومحمود شاكر.
 لقد كان الصدق والجد والالتزام ثالوثاً قيمياً يحكم ويوجه المشروع المعرفي لهذا العلم العظيم, وإطاراً لممارسته للثقافة والمعرفة والإبداع. ولا يعدم من يطالع أياً من مؤلفاته أن يلمس تطبيقات ذلك وعلاماته.
رحمه الله ، وجزاه خير ما يجزي الصادقين من عباده.

* * * 
سيرة العالم المبدع
المجلة العربية: الرياض

     ولد الخطراوي في المدينة المنورة سنة 1354هـ، وحصل على ليسانس في الشريعة من جامعة الزيتونة بتونس عام 1374هـ, وبكالوريوس في اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام 1379هـ, وبكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك سعود بالرياض عام 1383هـ, وماجستير في الأدب والنقد من كلية اللغة العربية بالجامعة الأزهرية بالقاهرة عام 1395هـ, ودكتوراه في الأدب والنقد من الجامعة الأزهرية بالقاهرة عام 1400هـ.
عمل مدرساً بمدرسة العلوم الشرعية الابتدائية بالمدينة المنورة عام 1375هـ, ثم عمل بعدها مدرساً بمعهد المجمعة العلمي الثانوي لمدة ثلاث سنوات, ومدرساً بمعهد إمام الدعوة بالرياض لمدة ثلاث سنوات حتى عام 1382هـ، ومدرساً بكلية الشريعة بالرياض لمدة سنة واحدة حتى عام 1383هـ.
التحق بوزارة المعارف مدرساً للغة العربية بمدرسة طيبة الثانوية بالمدينة المنورة،  ثم وكل إليه تأسيس وإدارة مدرسة قباء الثانوية بالمدينة المنورة. 
عين بعد حصوله على الدكتوراه بوظيفة أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ثم وكيلاً لعمادة شؤون المكتبات بها من عام 1400 – 1402هـ. 
أشرف على مجموعة من الرسائل الأدبية لمرحلة الماجستير بكلية التربية, وشارك في تقويم ومناقشة مجموعة من الرسائل لمرحلة الماجستير والدكتوراه في كل من جامعة أم القرى وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكليات البنات. 
من مؤلفاته المطبوعة: الرائد في علم الفرائض، شعراء من أرض عبقر – دراسة لمجموعة من الشعراء السعوديين (جزءان)، شعر الحرب في الجاهلية بين الأوس والخزرج (دراسة)، المدينة المنورة في العصر الجاهلي - دراسة للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية (دراسة)، المدينة المنورة في العصر الجاهلي – الحياة الأدبية (دراسة), المدينة المنورة في صدر الإسلام – الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية (دراسة(, المدينة المنورة في صدر الإسلام – الحياة الأدبية (دراسة)، مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، والموقع التاريخي الرائد، أدبنا في آثار الدارسين بالاشتراك، البنات والأمهات والزوجات في المفضليات وأشياء أخرى، أسد بن الفرات ومسرحيات أخرى، في الأدب السعودي. 
كما ترك الأديب الخطراوي لمكتبة الشعر عدة دواوين من شعره. وهي: أمجاد الرياض (ملحمة شعرية في حياة الملك عبد العزيز(, غناء الجرح، همسات في أذن الليل، حروف من دفتر الأشواق، تفاصيل في خارطة الطقس، مرافئ الأمل، تأويل ما حدث، أسئلة الرحيل. 
هذا فضلاً عن تحقيقه العديد من الكتب الدينية والتاريخية وعدة دواوين لشعراء في عصور أدبية مختلفة.
ذو صلة