مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

إضاءات تشكيلية: نماذج مصرية معاصرة

تحاول هذه السطور استعراض مجموعة كبيرة من إبداعات الفنانين المصريين وظواهرها الإبداعية والقضايا الفنية المتعلقة بالفن التشكيلي ومساراته. اعتماداً على كتاب الدكتور صبري منصور الموسوم (إضاءات تشكيلية) الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر ضمن سلسلتها آفاق الفن التشكيلي، والذي جاءت مادته في 305 صفحات من القطع الكبير وتوزعت على عدة فصول.
والدكتور صبري مؤلف هذا الكتاب من مواليد عام 1943م في إحدى قرى محافظة المنوفية. التحق بكلية الفنون الجميلة, واختار التخصص في التصوير الزيتي. كما استفاد من رحلاته إلى أوروبا في الوقوف على مسارات الإبداع الفني في كافة مجالات الفنون المسرحية والسينمائية والتشكيلية التي انعكست آثارها على أعماله الفنية، وقد شغل الدكتور الفنان صبري منصور العديد من المناصب الفنية والإدارية بكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان كان آخرها عمادة الكلية، كما أبدع العديد من الأعمال الفنية، وأقام الكثير من المعارض المحلية والدولية، وأصدر وكتب العديد من الدراسات الفنية, جمعها في كتابه إضاءات تشكيلية. 
 يسلط الدكتور صبري منصور في أعماله الضوء على الإنسان البسيط، وتفاصيل البشر المرتبطين بالقرية المصرية, وبخاصة في أوقات الليل حيث يمر نور القمر ويشكل البيت الريفي، كما يستلهم صبري منصور في أعماله التراث والفن الفرعوني من حيث الإيقاع والتكوين والتصميم والترتيب، كما تناقش الأعمال علاقة الإنسان بالكون والسماء، والبحث عن منقذ أو خلاص، ويلاحظ الناظر في لوحات صبري أن عالمه تأملي داخلي انطوائي، كما تكشف لوحاته الأجساد، وتجرد الأشياء من ماديتها، ومعظم أعماله الفنية التي تزيد عن الأربعين تشخيصية وبعضها سريالي، ويتعانق فيها اللونان الأزرق والأخضر اللذان يرتبطان بالأرض الطينية والسماء. 
فنانو مصر التشكيليين
استهل المؤلف كتابه بتعريف قارئه بعدد من الفنانين المصريين التشكيليين وبمساراتهم الإبداعية. يقول: «عرف المصريون المعاصرون الفن التشكيلي في صورته الحديثة منذ ما يقرب من مئة عام، وجاء ذلك مواكباً للصحوة المصرية في أوائل القرن العشرين بعد قرون طويلة من التخلف الحضاري، كما تعرفوا خلال هذه الفترة أيضاً على فنون أخرى كالمسرح والسينما والموسيقي والباليه، وقد استفاد المصريون من الوقوف على هذه الفنون الحديثة في استعادة مجدهم الحضاري والفني عبر العصور المختلفة لأنهم أدركوا أن الفن حامل ثقافات الشعوب، فعكفوا على إحياء القيم الفنية الفرعونية والمسيحية والإسلامية بكافة الطرق التي تعزز خصوصيتهم الثقافية وعقائدهم الدينية ومذاهبهم الاجتماعية مستفيدين من التجارب الأوروبية والأمريكية بما يتفق ومناهجهم الإحيائية دون إسراف أو انبهار بالحضارتين الأوروبية والأمريكية». كما يضيف: «كان طبيعياً منذ قرن من الزمن أن تتجه أبصار المصريين المقتحمين الجدد لعالم الإبداع الفني صوب الغرب صاحب التقاليد الراسخة في مجال الفنون ليتمثلوا إنجازاته الكبرى، وينقلوا أساليبه الفنية، ويحتذوا نماذجه الشهيرة، ويتعلموا تقنياته ومهاراته، وفي النهاية أن ينسجوا على منواله إنتاجهم الفني»، وبالفعل ظهرت أعمال فنية كشفت عن مهارات المصريين العالية وحساسيتهم الفنية المرهفة، والتي عبرت بقوة عن أصالتهم الثقافية والفنية، وقد تمثلت هذه التقنيات والمعالم في الأعمال التي ابتدعها محمود مختار، وعبد الهادي الجزار، وصلاح عبد الكريم، وجمال السجيني في أعمال النحت، وأحمد صبري، وسمير رافع، وراغب عياد، وحامد ندا، وسيف وانلي، ومي رفقي.. وغيرهم في مجال التصوير الزيتي. ويمكننا تعريف القارئ الكريم بالظواهر الإبداعية لبعضهم على النحو التالي: 
الغلابة في الفن التشكيلي 
يعد حامد ندا من أشهر الفنانين المبّرزين في مجال التصوير، ولد في القاهرة، وعاش طفولته في أحياء الخليفة والقلعة، واختزنت ذاكرته العديد من المشاهد والصور التي تعكس حياة البسطاء في حواري وأزقة القاهرة الشعبية، فكان أسبق زملاءه حيثما يقول الدكتور صبري منصور في كتابه (إضاءات تشكيلية) إلى تناول الموضوع الشعبي من منظور درامي يعكس معاناة الفقراء والمطحونين والمهمشين وأحلامهم المرتبطة بالسحر والشعوذة, حيث تهتم لوحاته بالشكل عكس زملاء الدراسة الذين اهتموا بالموضوع على حساب الشكل، لأنهم كانوا يعتبرون الفن كالأدب وظيفته الرئيسة نقل فلسفة ورؤية فكرية محددة، وأنهما (الفن والأدب) يعبران عن حقيقة الواقع وعن طابع الشخصية المصرية وما تحويه داخلها من أصالة. 
وقد تتلمذ حامد ندا على أساطين الفن الكبار أمثال حسين بيكار، وأحمد صبري، ويوسف كامل أثناء دراسته بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وهؤلاء من أصحاب النزعة الواقعية في الفن إذ يكرسون قواعدها بحرفية الصانع ومهارته، ولكنه خرج من عباءتهم وتمرد على أسلوبهم رغم تقديره الشخصي والفني لهم، وخلق لنفسه أسلوباً فنياً خاصاً به يجمع بين التراث المصري في كل عصوره الفرعونية والمسيحية والإسلامية من جهة، ومن جهة أخرى التراث الأوروبي الذي وقف عليه، ويقوم أسلوبه الفني في مجال التصوير على التحوير والاختصار والجمع بين الفن الشعبي والبدائي والأشكال المعاصرة مما يصنفه البعض تحت الفن السيريالي لتجاوزه حدود الواقعية، بينما يراه البعض الآخر فناً رمزياً لأنه يتضمن العديد من الرموز الموحية، ولكننا لا نستطيع إدراجه تحت لواء هذه المدرسة الفنية أو تلك لأنه بطبيعته متمرد على القولبة الفنية ضمن حدود معينة لإيمانه بأن الفن السطحي لا قيمة له، وأن وظيفة الفن هي إيقاظ الفكر وإثارة الخيال وإثراء الوجدان، وقد جسدت لوحاته هذه الوظائف الفنية والعقلية. ولوحاته على الرغم من المبالغات الشديدة في تحريف الأشكال فإنها تأتي في صور وعلاقات تشكيلية مريحة للعين، مقبولة للذوق لأنها تحقق أساسيات وقواعد فن التصوير كطريقة بناء الشكل، وقيم الظل والنور، وأسلوب التلوين السليم، ومن أشهر لوحاته الفنية (العصافير 1947)، و(العرافة 1948)، و(الزير 1954)، ولوحتاه (الموسيقي الشعبية أو البيانولا، والراقصات والبيانو 1986)، ولوحته (من وحي الموسيقي) حيث تتثنى في هذه اللوحات الراقصات، ويطير الديك، وتعزف الحيوانات، وتتجسد الآلات الموسيقية في أشكال البشر، وتعليقنا على اللوحات الأخيرة يبرز ويؤكد أن النهاية الفنية لندا تختلف عن بداياته، فهو في البدايات كان مهتماً بموضوعات درامية تعكس قسوة الحياة على شخصياته الواقعية المكروبة والمقهورة، إلا أنه قد أنهى هذه التجربة الفنية بموضوعات تجسد عالماً خارج إطار الزمان وحدود المكان، عالماً مفعماً بالحياة، نابضاً بالرغبة الحسية والمتعة، تعيش فيه شخصياته أحلاماً خيالية، وتختلط عناصره البشرية برموز وكائنات خرافية في سيمفونية غريبة التركيب فريدة التوليف، وفي ذلك يقول الدكتور صبري منصور في كتابه الذي بين أيدينا ما نصه: «في أوائل الستينيات بدأت تتبلور معالم الشخصية الفنية الجديدة والمتفردة لحامد ندا والتي خلقها من مزيج أجاد تأليفه، وجد من خلاله أسلوباً فنياً ليس جديداً على ساحة فن التصوير العالمي، وقيمته لا تكمن في أصالته وحداثته فقط، وإنما في المستوى الفني الرفيع الذي بلغه فنان من دولة ما زالت حديثة العهد بالأشكال الراقية من التعبير الفني».
تدويل الفن 
تاريخنا الفني مليء بسير العظماء، وحينما يتحدث عنهم التاريخ يذكرهم في صفحاته بريشة الإكبار والتعظيم لأنهم حليته وزينته، ومن أبرزهم رمسيس يونان (1913 / 1966)، ويعد رمسيس يونان واحداً من الكوكبة الفريدة من الفنانين التي أسست الجماعات الفنية العديدة التي توالى ظهورها خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين, إذ أعلت من قيمة الفن التشكيلي وقضاياه، كما عبرت بياناتها الفنية عن توجهاتها السياسية والاجتماعية حيث ربطوا بين الفن وحركة المجتمع موضحين دور الفن الفعال والمؤثر في تغيير وعي الناس إلى الأفضل ضمن منظومة الثقافة المصرية، وللرجل كتاب قيم يحمل عنوان (دراسات في الفن/القاهرة 2012), يؤكد في مجموعه تميز رمسيس يونان بالثقافة العامة والفنية الرفيعة التي مكنته من الوقوف على كل التيارات الثقافية والفكرية في زمانه والتي استطاع تجسيدها في أعماله الفنية خاصة مطبوعاته الصادرة في 1938 بعنوان (غاية الرسام العصري), حيث تعرض فيها إلى دور العلم وأثره في الفن، والتعريف ببعض الاتجاهات الفنية المعاصرة مثل التكعيبية والوحشية والتجريدية والسيريالية، ثم يعرج إلى بيان أهمية الدراسات النفسية التي أرسى قواعدها علماء النفس الكبار أمثال فرويد وأدلر ويونج وغيرهم في توضيح الفن وطبيعته ودوره في إيجاد الحلول لبعض المنازعات النفسية بهدف الوصول إلى حالة من السلم والهدوء النفسي، كما أنه كان مؤمناً بأن الرسم يجب أن يبتعد عن الحقائق، وقد كانت هذه الفكرة هي القاعدة التي انطلق منها سواء في إبداعه الفني أو فكره النظري، وظل مخلصاً لها عاملاً على إنضاجها طيلة حياته الفنية، وهي التي دعته إلى تكوين جماعة الفن والحرية عام 1939 مع جورج حنين، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، والتي أقامت أول معارضها (الصالون الحر العام 1940) حيث ضم صوراً تعد ثورة على النظام والجمال والمنطق التقليدي الذي كان سائداً حينذاك في المعارض الفنية حيث أسهم هو ورفاقه في تحريك المياه الراكدة في ميدان الفن من خلال أسلوبهم المتمرد وتعبيراتهم المستفزة ودعوتهم الغريبة إلى إحياء الفن المنحط والتي عبرت عنها أشكالهم الغريبة المشوهة المنقولة من الغرب إلى مصر متأثرين في ذلك بالسيريالية، والتي تبناها رمسيس يونان وأبدع في إطارها الغربي، ومن أشهر أعماله السيريالية لوحتاه (على سطح الرمال، وشكل سلبي)، واللوحتان تحفلان بالأشخاص المشوهين في تكوينات غير مألوفة ولا تنم عن مكان أو تدل على زمان، فهما خارج إطار الواقع أو الانتماء، وتبرزان أجواء أسطورية تنطلق من أعماق اللاشعور والعقل الباطن، ورمسيس يونان من المؤمنين بأن الفن دولي الطابع لأن الفنانين رغم اختلاف مدارسهم وأساليبهم الفنية وأوطانهم تجمعهم لغة واحدة هي لغة الفن الحديث، وهو من خلال هذه المقولة يحل الإشكالية بين المحلية والعالمية في الفن، وعلى الرغم بأنها تسببت في قطع الصلة بينه وبين تراث بلده الفني، وهذه القطيعة مازالت أسبابها مجهولة وهي تحتاج إلى بحث دقيق يفسرها ويشرح آثارها، ومع هذا التناقض الفني كان رمسيس يونان مصوراً مبدعاً، مرهف الحس، عميق الرؤية، ماهر الأداء، في الوقت نفسه كان كاتباً ناقداً جاداً عميق الثقافة مخلص العطاء، ونموذجاً يحتذى ويقتدى به. 
 حالة فنية فريدة 
وقف المؤلف أمام المصور سمير رافع (1926 / 2004) وقفات طويلة لأنه حالة فريدة في مجال الفن التشكيلي المصري، وخير شاهد على ما نقول اختياره دراسة الزخرفة في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة في بداية حياته، ثم هجرها إلى التصوير مشاركة لزميليه في عضوية جماعة الفن المعاصر عبد الهادي الجزار وحامد ندا، وتدل أعماله الأولى في مجال التصوير التي ابتدعها خلال الفترة من (1945 / 1951) على تأثره بالموروث الشعبي والتقاليد الفنية المحلية، كما تنم عن حبه لمصر وارتباطه الوثيق بها، وعشقه لأرضها، ومن هذه الأعمال (من وحي مصر، الزمن، أرض مصر، الوادي الأخضر، البغاء، أصدقاء الليل)، ويجد الناظر إلى هذه اللوحات بلاغة تشكيلية في الصياغة والبناء وهي تتناغم مع إبداع زميليه عبد الهادي الجزار وحامد ندا من أعضاء جماعة الفن المعاصر، وتشترك معهما في الكشف عن وجه فن التصوير المصري بما تحمله من دلالات ورموز ذات صلة وثيقة بالشخصية المصرية بكل أبعادها التاريخية والثقافية، ولكن هذه القيمة الفنية تغيرت بعد هجرته من القاهرة إلى باريس حيث تخلى خلال إقامته بالغربة عن قيمه الفنية المصرية والشرقية نتيجة انخراطه في الثقافة الغربية المنتشرة في فرنسا فأبدع في إطارها متأثراً بالمدارس الفنية مثل التكعيبية والوحشية والسيريالية والتعبيرية، فجاءت لوحاته في هذه الفترة محملة بملامح أساليب الفنانين المعروفين والمنتمين إلى هذه المدارس أمثال بيكاسو وأندريه لوت وماتيس وغيرهم، كما نراه يستخدم فيها الألوان الساخنة بطريقة انفعالية مثل أتباع المدرسة الوحشية، كما انجذب أيضاً للمدرسة الرمزية ثم التعبيرية التي استعار طرق أداء فنانيها وكذلك الموضوعات التي طرقوها فأصبحت محفوظة من كثرة ما ألفت العين رؤيتها مثل العلاقة بين القط والسمكة، أو بين المرأة والذئب، أو الكلب والوحش، وعموماً فإن الفنان سمير رافع قد اتجه في معظم إنتاجه في الغربة إلى رسم ثنائيات أصبحت مثل الكليشيهات في الفن الأوربي المعاصر، أما الصياغة التشكيلية فقد جاءت بسيطة تكاد تقترب من أساليب الهواة في طريقة التصميم والإنشاء، وضاع منها عنصر الرسوخ الذي تميزت به أعمال الفنان الأولى في الوقت الذي أضاف فيه عدم الإلمام الاحترافي بتقنيات فن التصوير ضعفاً إلى التحور والمعالجات لعناصر لوحاته الآدمية والحيوانية، هكذا ضاعت موهبة سمير رافع بسبب غربته الإرادية وتعاليه على قيم الفن المصري المعاصر على حد قول الدكتور صبري منصور. 
مبدعة من جيل الشباب 
على الرغم من انصراف الناس والنقاد عن الفن التشكيلي، أو التعريف به من خلال وسائل الإعلام المرئية، أو المسموعة، أو المكتوبة لأسباب اجتماعية وتعليمية وثقافية تسود المجتمع المصري وتسيطر على مجريات أحداثه وسياساته إلا أن الفن التشكيلي مازال يجتذب إليه بين الحين والحين أجيالاً جديدة من المواهب والطاقات تحاول إعادة هيبته وقيمته إلى الحياة الثقافية المصرية، ومن هؤلاء الفنانة مي مصطفى كامل محمد عبد العزيز رفقي والمعروفة فنياً باسم مي رفقي من مواليد 1976, وقد درست فن التصوير بكلية الفنون الجميلة (جامعة حلوان)، فوقفت طوال سنوات ومراحل الدراسة على قواعد وأصول فن التصوير، وهي منذ تخرجها العام 1998 تمارس الفن بأسلوبها الخاص المختلف عن الأسلوب الأكاديمي السائد في المجتمع المصري المعاصر والذي يضع النماذج الغربية في فنون الحداثة وما بعد الحداثة هدفاً يرمي إلى تحقيق ما يماثلها على اعتقاد أن في ذلك مواكبة لروح العصر. 
 وتشير الفنانة مي رفقي خلال سردها لسيرتها الفنية إلى حبها للموسيقي وممارستها في مرحلة الطفولة، وإلى انجذابها لأعمال سيف وانلي، محمود سعيد، ومحمود مختار، والاستفادة من تجاربهم الفنية في إبداعها الخاص، كما تشيد بأعمال الفنانة تحية حليم التي تقدر فيها التلقائية وبساطة الأسلوب وصدق التعبير، كما تشير إلى تعرفها على أعمال الفنانة المبدعة أنجي أفلاطون والإشادة بمعالجاتها الفنية. 
كما تبرز الفنانة مي رفقي خلال سيرتها الفنية عدم اهتمامها بالفنون الأخرى كالسينما والمسرح والأدب بفروعه المختلفة من شعر وقصة قصيرة ورواية ومسرحية، وتؤكد أن هذا الإهمال مسؤوليتها وحدها، ويمثل تقصيراً منها يؤثر بالسلب على إبداعها بشكل أو بآخر، لذا يدعوها الدكتور صبري منصور من خلال كتابه (إضاءات تشكيلية / 2007) إلى ضرورة اهتمام الفنان بالقراءة والتزود بالثقافة في كافة صورها لأنها تفيده في عمله وتضيف إلى أعماله الكثير من المهارة والخلق الفني المتميز. كما تعبر مي رفقي في سيرتها الفنية عن أملها في أن تأتي تجربتها منتمية إلى مجمل الإبداع الفني المصري وليست منفصلة عنه، وهذا لا يعني تقليده أو الإبداع في أطره الفنية والتشكيلية، وإنما استيعابه، وفهم أصوله، وإدراك جمالياته، وتبرز موهبة الفنانة مي رفقي في قدرتها على حذق الرسم وامتلاك ناصية الخطوط التي تطوعها في سلاسة ويسر، كما أن لها مقدرة واضحة في التلوين بدرجات قوية من خلال مجموعة لونية ساخنة، وكل ذلك يساعدها في صياغة تشكيلية تتسم بجرأة المعالجة التشكيلية، والدليل علي ذلك براعتها في إجراء حوار ذكي بين المساحات المسطحة والأشكال المجسمة، وكذلك بين المناطق الخالية وبين المناطق الموشاة بزخارف متنوعة، كما أنها تجيد اختيار وحداتها بما يثري العمل ويضفي عليه مسحة غنائية رقيقة، ولها العديد من المعارض الفنية الخاصة والعامة، ومن لوحاتها المشهورة (زهور/ 2002)، تكوين زيت على توال/ 2002، سيرما زيت على توال/ 2002)، ويعرف نقاد الفن التشكيلي أمثال عز الدين نجيب وإبراهيم عبد الملاك قدرها ومكانتها الفنية. 
 الولع بالنحاس
عرف الفنان القديم في مصر الفرعونية فن النحت، وقد خلف لنا العديد من الأعمال المنحوتة من الأحجار الصلبة أو الأحجار الجيرية أو الخشب أو الخزف أو المعادن، ومن أشهر هذه الأعمال تمثال أبي الهول بهضبة الجيزة، وتمثالا زوسر المحفوظان بالمتحف المصري وهرمه بسقارة، وتمثال شيخ البلد الخشبي بالمتحف المصري بالقاهرة والذي تتشابه ملامحه الظاهرة بملامح أبناء الصعيد، وقد أحيا محمود مختار (1891 – 1924) القيم التشكيلية لفن النحت المصري القديم من خلال أعماله الإبداعية التي استقاها من مصادرها المحلية القديمة والمعاصرة (التراث والبيئة والعصر) والتي تمثلت في تماثيله العظيمة (نهضة مصر، الفلاحة والجرة، الخماسين، وتمثالي سعد زغلول بالقاهرة والإسكندرية)، وقد اعتبره مؤرخ الفن القدير بدر الدين أبو غازي – رحمه الله – في كتابيه (المثال محمود مختار، ورواد الفن الحديث) من طليعة الفنانين المهتمين بإحياء فن النحت القديم في زمانه، ويضم متحفه بالجزيرة في قلب القاهرة العديد من أعماله الفنية الجديرة بالمشاهدة من المصريين والعرب وغيرهم، وقد تعددت المواهب من بعده وبرز من بين هؤلاء الموهوبين المبدع جمال السجيني رائد فن النحت من النحاس، وقد ولد هذا الفنان العبقري في حي باب الشعرية بمدينة القاهرة، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية التحق بكلية الفنون الجميلة لدراسة النحت، وبعد تخرجه من هذه الكلية بتفوق، سافر إلى أوروبا واستكمل دراسته العليا في هذا التخصص في فرنسا وإيطاليا، وقد وقف جمال السجيني (1917 – 1977) على التطورات الثقافية التي شهدها المجتمع المصري خلال فترة الستينيات والتي دارت حول الشخصية المصرية والفن القومي وطرق ووسائل تحديث الفن الحديث.
 وتتميز أعماله النحتية النحاسية بصغر الحجم ومن أبرزها (شجرة المصير/1962)، (الرجل والثعبان/1952)، لوحة (النيل/1963)، لوحة (الإسكندرية/1963)، لهذا السبب غابت منحوتاته عن تزيين شوارع القاهرة، وله غير هذه الأعمال الصغيرة عملان كبيران هما تمثال (أحمد شوقي) الذي أنجزه للأكاديمية المصرية بروما، وتمثاله (العبور) الذي أنجزه بعد حرب أكتوبر 1973. 
 فنان الخردة
يعد الفنان صلاح عبد الكريم من الفنانين المصريين القلائل الذين جمعوا بين أكثر من مجال فني، فقد برز في ميادين فنية عديدة منها التصوير الزيتي والديكور (العمارة الداخلية) والخزف، وأعماله الفنية في هذه المجالات تؤكد عبقريته وقوة أساليبه الفنية الجريئة والتي لم يتقيد فيها بأسلوب فني محدد لإيمانه بأن الفن متجدد دائماً ولا يتم وفق أساليب مسبقة، كما برز أيضاً في مجال النحت، وأعماله النحتية التي صممها من بقايا قطع الحديد (الخردة) والمفكات والصواميل والمواسير والمسامير والسلاسل والتروس تشهد على عبقريته لأنه وضع كل جزئية منها عند اللحام في مكانها الصحيح بذكاء مصحوب بحس فني راق يجذب عين المشاهد ويثري العمل الفني ويمنحه قيمة تشكيلية مميزة، ومن هذه الأعمال الفنية الرائعة (الوحش/1962)، (البومة/1962)، (صلب المسيح/1963)، (الحصان/1970). 
الاستشراق في الفن التشكيلي
يعرف الفنان صبري منصور في كتابه الذي نتصدى لعرضه في هذا المقام بأسباب الظاهرة الاستشراقية في مجال الفن التشكيلي ومصادرها ويبرز أهميتها، «ظل الفن الذي أبدعه الفنانون المستشرقون خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بعيداً عن اهتمام نقاد الفن ومؤرخيه لأنهم كانوا ينظرون إليه باعتباره فناً تسجيلياً لنواحي الحياة في بلاد الشرق الأوسط والأدنى، خالياً من القيم الفنية الرفيعة»، ولكن مع تغير وتطور النزعات النقدية تكشفت المعالم الرمزية والتعبيرية والتجريدية لهذه الأعمال الاستشراقية، ومن ثم أقيمت لها المعارض الفنية لتعريف الجماهير بمساراتها الإبداعية، وقد حظيت مصر بمكانة خاصة في فن المستشرقين خاصة الفنان دافيد روبيرتس الذي وفد إلى مصر عام 1837م, وأظهر إعجابه الكبير بالعمارة المصرية وتكويناتها الإنشائية، كما أبرز الفنان وليم هولمان قيظ الصحراء المصرية باستخدامه اللون البرتقالي في لوحته الشهيرة (أبو الهول) حين ينظر تجاه هرم سقارة, وقد رسمها العام 1854م، بينما اهتم الفنان جون فردريك لويس بالأزياء الشرقية ومناظرها الداخلية، وبأشكالها الفضفاضة، وبثنياتها الكثيرة، وألوانها المزركشة وزخارفها الدقيقة، كما اهتم بأدوات الحياة اليومية كالأباريق والأواني، كما كان مفتوناً بالأضواء التي كانت تنساب من خلال المشربيات والتي أجاد تصويرها بمهارة فنية عالية في لوحته المعروفة (ثرثرة داخل منزل قاهري). 
مقومات الناقد الفني 
كما يتناول المؤلف في ثنايا كتابه أهمية النقد الفني ودوره في تثقيف الإنسان المعاصر وزيادة رفاهيته الجمالية والحسية من خلال تعرفه على الأعمال الفنية التي تضمها المعارض المنتشرة في كل مدن العالم العربي من الخليج إلى المحيط، كما أنه يحدد أسس ومقومات الناقد الفني، فيرى أنه يجب أن تتوافر في شخصية الناقد الفني المحترف مجموعة من المقومات الفنية والعلمية والأدبية والنفسية تساعده في إصدار الأحكام الصحيحة على الأعمال الفنية التي يتصدى لنقدها، وتعتبر رهافة الحساسية الفنية أولى هذه المقومات لأنه بدونها لا يستطيع القيام بعملية التذوق الفني والإدراك الجمالي والوصول إلى عمق العمل وجوهره والإلمام بعناصر التميز والتجديد والأصالة فيه، وهذه الخاصية لا تتم بطريقة عفوية بل تستلزم من جانب الناقد التدريب والتثقيف والتعمق وزيادة الخبرة في مختلف الفنون وطرزها وطرق تشكيلها، فالناقد في مجال فن التصوير بالفسيفساء (الموازييك) على سبيل المثال يجب أن يكون ملماً بطريقة صف قطع الموازييك وتجاورها، وأسلوب تقطيعها وتهذيبها، وكيفية الحصول على نسيج لوني عن طريق دس الألوان المتقاربة لإثراء اللون، وكيفية الانتقال من درجة لونية لأخرى، أو من الفاتح للداكن بالتدريج المحسوب بدقة، فلكل تلك النقاط المتعلقة بمعالجة الخامة يصرف فيها الفنان المبدع جهداً كبيراً لكي يصل فيها إلى نتيجة فنية عالية، ومن الظلم ألا يكون من يتعرض لنقده وتقييمه غافلاً عن هذا الجهد الفني المبذول، ولا شك أن لكل نوع من الفن تقنياته الخاصة به والتي يجب أن يدركها الناقد، وأن تكون من أهم ما يتضمنه تناوله النقدي حتى يأتي تحليله للعمل الفني سليماً وتقديره صائباً ومنصفاً, ولا يتحقق له ذلك إلا من خلال أحاطته الشاملة بنظريات النقد الفني التي أرسى قواعدها أفلاطون وأرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد وانتهاء بأحدث النظريات الفنية التي تسود حياتنا الفنية لأن النقد الفني ليس مجرد حديث سطحي حول الأعمال الفنية، بل هو تنبيه وإرشاد إلى مواطن الجمال والمتعة والتميز في العمل الفني، لكي يجعل المتلقي قادراً علي الإحساس بجماليات المادة الحسية، وعمق الشكل، وفهم الرموز ودلالاتها التعبيرية، وعلاقة العناصر ببعضها البعض، ويتضح مما سبق أن وظيفة الناقد الفني تعليمية وتثقيفية هدفها توضيح الأعمال الفنية، وتصحيح الذوق، وتربية الفهم والخيال والشعور معاً، وكذلك تنمية التعاطف بين المتلقي والعمل الفني دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء عملية الذوق المباشر ذاتها، بل يسهم في إثرائها والمساعدة في معايشتها، ولا يتأتى له ذلك إلا من خلال ارتكازه على خلفية ثقافية عميقة ومتنوعة تساعده على حسن استقبال الأعمال الفنية التي لا تخلو من الإشارات والتضمينات، ويجب أن يكون نقده الفني موضوعياً منزهاً عن الأغراض والأهواء الشخصية لأنه لا قيمة لنقد تحكمه الأهواء والنوازع الذاتية، كما يجب أن تكون لغته سهلة واضحة، لا لبس فيها, صحيحة البناء, بعيدة عن ركاكة التركيب. 
 منوعات فنية
وبالإضافة إلى ما ذكرناه تناول المؤلف موضوعات أخرى من بينها نجاح الفنان إدوارد لير عام 1873م في رسم الفن التشكيلي والفنون الرفيعة في مصر والعالم العربي, وغير ذلك من موضوعات متشابهة لما عرضناه, وفي هذا المقام لوحة فنية فريدة لشارع الأهرام بالجيزة تعد اليوم وثيقة تاريخية، وحين يتأملها المرء يدرك إلى أي حد قام المصريون على مدى قرن ونصف القرن بامتهان هذه المنطقة الأثرية وتشويهها بتحويلها إلى غابة سكنية تخفي جلال وعظمة أهم أثر خلفه الإنسان منذ فجر التاريخ، كما كشف المؤلف في ثنايا كتابه تأثير الفنون العربية على الفنون الفارسية، والعكس بالعكس خاصة في مجالات السجاد والأواني الفخارية والزجاجية والمعدنية والأعمال الخشبية من حيث تشكيلاتها الزخرفية وتطعيمها بالذهب أو العاج، أو نقشها بالكتابات الدينية وبالخطوط المختلفة التي عرفتها الحضارة العربية والإسلامية، كما تناول دور الفنانين المصريين والعرب في تزيين ميادين مدن بلادهم بأعمالهم الفنية خاصة المنحوتات، كما استعرض أيضاً فن العمارة عند أنطونيو جاودي المولود في 25 يونيو العام 1852م في بلدة ريو من إقليم كتالونيا الإسباني، وكشف عن تكويناته المعمارية الأسطورية والتي تمثلت في (بناء منزل مانويل فيثنز/تاجر القيشاني خلال الفترة من (1885/1887م)، وبنائه منزل النزوة/ سانتاندير خلال الفترة من 1883/1885 م، والذي مزج فيه بين فن القرون الوسطى والعصر الذهبي لعمارة إقليم كتالونيا، وقد تميز هذا المنزل بجمال وجلال المنازل الشرقية، لأنه يشبه إلى حد كبير العمارة العربية، بينما تعتبر كاتدرائية العائلة المقدسة التي بناها جاودي خلال الفترة من 1884/1926م من أشهر وأبرز أعماله المعمارية لأنه استوحى في بنائها الطراز القوطي، كما تناول بالعرض والتحليل سيرة وأعمال تيرنو مصور العواصف والأعاصير.
ذو صلة