تمثل منطقة جنوب شرق آسيا فضاء خصباً لنشاط مسرحي هائل. ورغم أنه لا توجد إحصائية دقيقة عن عدد المجموعات المسرحية الناشطة بسنغافورة وجاكرتا وسايغون وماينمار وغيرها من المدن الرئيسية, أو عن الفرق الهاوية والمتجولة في القرى والأرياف؛ إلا أن بعض الإحصاءات تشير إلى وجود أكثر من 1000 فرقة مسرحية محترفة وضعفها أو أكثر من المجموعات الهاوية التي تنشط في الوقت الحالي. ويتابع عروضها أكثر من 150 مليون مشاهد سنوياً أي بمعدل ثلاثة من كل أربعة أشخاص من مجموع مئتي مليون ساكن يعيشون ببورما وكمبوديا وإندونيسيا ولاوس وماليزيا والفلبين وتايلندا وفيتنام، الدول المكونة لمنطقة جنوب شرق آسيا.
وتمتد المنطقة الجغرافية لهذه المنطقة على بعد 2000 ميل جنوب القارة. وتضم دول: بورما من الغرب, وتايلندا في الوسط, وكمبوديا وفيتنام في الشرق. وفي أقصى الجنوب تطل فيدرالية الملايو. كما تتناثر جزر إندونيسيا والفلبين وسط المحيط ناحية الجنوب.
ولهذه المنطقة تقاليد مسرحية ثرية ومتنوعة. وفي معظمها مسرحيات إثارة وتتميز بالملابس الزاهية والمشاهد الفخمة الباهرة والتمثيل الذي يعتمد على الحيوية والمبالغة. إذ توجد مسرحيات الدمى المتحركة في جاوة الإندونيسية أو مسرح العرائس الذي كانت له شعبية كبيرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر والطقوس الدرامية الشعبية في جزيرة بالي والتمثيل الإيمائي المقنع بتايلندا ورقصات الأرواح ببورما والأغاني الشعبية بلاوس والأوبرا الصينية الأصل بفيتنام ومسرحيات الدمى بسوندا والبالي الملكي بكمبوديا وغيرها. وتقام العروض عادة إما في بلاطات قصور فسيحة أمام الأسرة الملكية أو في ساحات وميادين عامة أمام حشود غفيرة من القرويين والأميين، أو في مسارح جديدة وعصرية ومكيفة بنيت من الإسمنت ودعائمها من الحديد الصلب، أو بمسارح صغيرة ومؤقتة وفي أغلبها متداعية, وقد قدت هياكلها من قصب الخيزران وفرشت أرضيتها بألواح خشبية متنافرة، أو كذلك بالمعارض البوذية بلاوس ومهرجانات المعبد ببالي، وفي الاحتفالات بختان الأطفال المسلمين بجاوة، أو المواكب المسيحية بالفلبين والعروض الإحيائية للأرواح بتايلندا. وكانت ترافقها رقصات وطقوس تؤدى عند الأضرحة الدينية، وهي مسرحيات تعالج موضوعات تاريخية وأسطورية، وتصاحبها الموسيقى والإيقاعات، وتستخدم فيها الأقنعة، وتتبع قواعد دقيقة جدًا.
وتتميز العروض عادة بدرجة عالية من الإبداع الفني، ولكنها قد تكون أحياناً أخرى تافهة أو مبتذلة. ويمكن للمشاهد أن يرى على خشبة المسرح حضوراً لإلهة هندوسية أو مقدسات إسلامية أو جنرالات صينيين أو جنوداً أوروبيين أو أبطالاً شيوعيين محليين. كما يمكن متابعة مسرحيات مستمدة من قصص جتاكا البوذي أو أعمال شكسبير وأوسكار وايلد. وأحياناً من الأفلام والموروث الثري من الأساطير التي تمثل جزءاً من المخزون الثقافي لقارة آسيا الممتدة من البحر الأبيض المتوسط غرباً إلى بحر اليابان شرقاً. ويتناهى إلى المسامع طنين الكمان الصيني وقرع الجرس الجاوي وهدر طبول كل الجنسيات والأعراق في المزارع والحقول كل يوم.
وقد تميزت التجربة المسرحية في جنوب شرق آسيا بالتعدد في الشكل والتعبير. ويعد المسرح هناك مجموعة متنوعة من الأشكال والأساليب المتنافرة، ولكنها تخفي وراء اختلافها الظاهري عديد الأصناف الفنية شديدة الترابط. وقد نشأت من بيئات ثقافية متشابهة تجمعها عديد الخصائص المشتركة. ففي المقام الأول تعتبر دول جنوب شرق آسيا كياناً جغرافياً متميزاً. فهو كيان يشق خط الاستواء من الجانبين متأثراً بهذا المناخ الرطب والخصب. فكانت الطبيعة فسيفساء خصبة من حقول الأرز الممتدة وأحواض الأسماك وبساتين جوز الهند بالقرى، وكذلك الأودية الفسيحة المتفرعة عن الأنهار بكل دولة من هذه المنطقة الاستوائية والسهول البركانية الغنية المترامية عبر جزر ثمارها دانية وظلالها وارفة. ومن الأساس تعكس كل الأشكال المسرحية بدول جنوب شرق آسيا الإيقاع اليومي الهادئ للحياة الاستوائية.
وعلى الرغم من وجود عديد الأجناس والأعراق المختلفة وعشرات اللغات الرسمية ومئات اللهجات المحلية بجنوب شرق آسيا، فإن معظم تلك الشعوب في الواقع مرتبطة ارتباطاً وثيقاً إما في العرق الملاوي أو المنغولي ذي الأصول الصينية. وعلى فترات متتالية شهد هذا الكيان موجات كبيرة من التأثير الثقافي الخارجي الذي شمل كل الشعوب أو معظمها على الأقل: البوذية والهندية في المقام الأول ثم الحضارة الإسلامية التي وصلت عبر الفتوحات من الشرق الأوسط والهند، في حين أدخلت جيوش المغول الحضارة الصينية من ناحية الشمال. كما تدفقت بوادر الحضارة الغربية من طرف الوافدين من إسبانيا والبرتغال وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وتقحم كل حضارة أجنبية جديدة وافدة بعضاً من تقاليدها وثقافتها في المسرح المحلي. وقد حصلت حالات كثيرة من التمازج والاختلاط بين الثقافات المتجاورة بدول جنوب شرق آسيا. كما نشأت مماليك واضمحلت أخرى. وغزت الجارة جارتها وبسطت سيطرتها وثقافتها ونمط عيشها -بل حتى أشكالها المسرحية– على الشعوب الخاضعة قبل أن تتعرض بدورها إلى غزو من طرف جيرانها الذين فرضوا أيضاً ثقافتهم وأشكالهم المسرحية وهكذا. وعلى هذا النحو خضعت بعض الشعوب في جنوب شرق آسيا إلى أكثر من ثمانية فترات حكم مختلفة وما رافق ذلك من مد ثقافي متنوع، دون اعتبار فترة ما قبل التأريخ. ولهذه الأسباب مجتمعة كانت الأشكال المسرحية بجنوب شرق آسيا تميل إلى الاشتراك في بعض الخصائص المتقاربة ولو بدرجات مختلفة.
شهد المسرح في آسيا تطوراً بصورة مستقلة تماماً عن المسرح الغربي. وتستمد المسرحيات من التراث الشعبي والقصصي والأساطير والتاريخ وقصص الحب والمغامرات. والفهم الصحيح المتكامل لطبيعة المسرح بجنوب شرق آسيا -سواء أكان المسرح شكلاً فنياً أم مؤسسة اجتماعية أو أداة تواصل- يتوقف أولاً على الاعتراف بالخصائص الأساسية المشتركة لشعوبها، والتي تربط الأشكال والتجارب المسرحية المختلفة بعضها البعض من ناحية، وبمجمل الفوارق التي تميز بعضها عن الآخر من ناحية أخرى.