مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

نمر بن عدوان والتوثيق التاريخي

لنمر بن عدوان شعر كثير محفوظ في الكتب والصدور بلهجة أهل نجد العامية.. وله شعر مأثور بلهجة شامية بعضه لا يعرفه أهل نجد، وبعضه مما يعرفونه، ولكنه بغير لهجتهم المأثورة.. وله شعر مزيّف مصنوع بلا أدنى ريب، وشعره الموثق يحار فيه الدارس هل الأصل فيه لهجة عامية أردنية فرواه أهل نجد بلهجتهم، فأفسدوا على أهل الأردن روايتهم، كما أفسد رواة الأردن الشعر النجدي، وحوروا أعلامهم ليوافق مأثورهم الثقافي كما بينت ذلك بأحد أسفار كتابي ديوان الشعر العامي.. أو الأصل فيه الروايتان معاً؛ فيكون نمر يقول شعره للبادية بلهجة بادية نجد المستقلة في جنوب الشام والعراق وشمال الجزيرة، وبلهجة إقليمية حضرية أردنية عامية، ويكون ما روي عنه باللهجتين صحيحاً؟.. هذا جانب توثيقي يُحوج إلى دراسة شعر نمر دراسة جادة، وتعدّدت الدراسات عن نمر، وكثر السمر حول سيرته فـأشبعها الحكواتي حتى اختلطت الحقيقة بالأسطورة مع أن نمراً قريب العصر.. وكل دارس أراد أن يثبت لنفسه زيادة علم بنمر فإنه يكتب مقالاً يكون أسطورة تارة كخبر قتله لوضحا، وأنه تزوج بتسعين وضحا!.. ويكون تارة شبيهاً بالأسطورة عن ترجمات في مصادر يطلب مؤلفوها التوثيق التاريخي كأخبار عن وفاته وردت في كتاب روكس بن زايد العُزيزي عن نمر.. ويكون تارة مردوداً بروايات أخرى، فبعض التراجم تقول: إنه نمر بن أحمد، واطمأنت نفسي إلى أنه نمر بن قبلان بن نمر، وأن أباه الثامن جعيلان بن حمود العدوان، ووصفته بعض المؤلفات بأمير العربان في فلسطين والأردن، وهذا أمر كبير جداً.. وهكذا زعم زاعمون أن الشعراء يقصدونه فيمدحونه، ولم نجد من هذه المدائح شيئاً!.. وزعم زاعم ثالث أنه من بني صخر، والإجماع أنه عدواني إلا أن الخلاف حول عدوان من أي قبيل هو؛ فظن ذو وهلة أنها قبيلة عدوان العدنانية القديمة، والواقع أن قبيلة عدوان لاتزال باقية في جزيرتها في الحجاز، ومشجر سلسلة نسب نمر يدل على أن عدوان قبيلة حديثة العهد، ولذا قيل: إنها من حرب،  وقال آخرون: إنها من الصويط من الضفير.. وأضافت الرواية الموثقة عن حفيده أن اسمه أول ما ولد عبدالعزيز ثم سمي نمراً، ونُسب أول الأمر إلى عمه أخي أبيه وزوج أمه بركات.. ولا يعرف عنه أهل نجد إلا أنه زعيم عامي عاشق ذو شعر مجنح وفي فروسيته خلاف، فجاءت الرواية عن بلديِّه الناقل عن حفيده تقول: «إنه أزهري تعلم على يد سائحة فرنسية في القدس خمس سنوات، ثم تعلم في الأزهر ست سنوات»!! وجاء العزيزي ليزعم أنه متأثر بالمتنبي، وأنه ذو تجديد أدبي.. والأمر سهل، لأن المرجع في النهاية إلى شعر نمر، واختلف في تاريخ وفاته، فقيل سنة 1300هـ، أو 1238هـ، أو 1880م، أو 1820م أو 1823م.. ومولده سنة 1225هـ أو 1735م، أو 1745م. وجعل العزيزي المقياس أن عمره سبعة وثمانون عاماً، وتنوعت الرواية حول وضحا ولقصتها توثيق لا تتحمله هذه العجالة، وظهر في شعر نمر وسيرته أسماء أعلام كحمود وجديع ادعى الحكواتي النجدي أن المراد أن هذه الأعلام النجدية المعروفة هي ذات العلاقة بنمر بن عدوان، ودلت ترجمة نمر على أن أولئك أعلام من بلده وصقبه لا علاقة لهم بالأعلام المدّعين من أهل نجد، واختلف في اسم أمّه فقيل: نوفل، أو نوفة، أو نوف.. وعني بدراسة نمر عرب ومستشرقون، وعن عناية المستشرقين بنمر قال العزيزي: «ترجم قصيدة له بالألمانية قنصل بروسيا في دمشق سنة 1860م، ثم ترجم له مستشرق أمريكي أشعاراً بالألمانية اسمه الأب أنطون فرجاللي -ولعل اسمه محرّف عن فرج الله العربية-، وطلب من شقيقي عبدالأحد أن يكتب تلك الأشعار بخطه الجميل سنة 1914م، لكن تلك المجموعة فقدت يوم استولت الحكومة العثمانية على دير اللاتين(1)، وقال أيضاً عن اهتمام المستشرقين وبعض العرب بنمر خلال رده على البرغوثي: «ويقول إن نمر بن عدوان دفن في مكان قريب من  البحر الميت يعرف باسم عين العجوز.. والصواب أنه دفن في ياجوز القريبة من عمان. وقد يكون اسم ياجوز تحرّف عن عين العجوز.. وكان قد كتب عنه البحاثة المطران بولس سلمان في كتابه النفيس الذي نقدناه في حينه (خمسة أعوام في شرقي الأردن) لكنه لم يوفق، وعنه نقل صديقنا المرحوم يعقوب العودات الذي كان يوقّع ما يكتب بتوقيع البدوي الملثم، فجعل نمر العدوان جاهلاً لم يتعلم، والحقيقة أن سائحة فرنسية على ما قيل لنا علّمته في القدس، ثم نقلته إلى الأزهر أيام لم يكن هناك نظام شهادات أو أية (الصواب: أيّ) عراقيل في سبيل الانتساب إلى الأزهر.. أما المستشرقون فكان أقدم من اهتم بنمر منهم قنصل بروسيا في دمشق سنة 1860م الذي ترجم بالألمانية قصيدة من قصائد نمر وشرحها شرحاً مفصلاً.. ثم مستشرق أمريكي ألماني الأصل اسمه سبور ترجم مختارات من أشعار نمر نشرتها له مجلة الشركة الألمانية الشرقية، ثم انتخب البروسي أربع قصائد مهمة من شعر نمر وترجمها إلى الألمانية وشرحها شرحاً وافياً، وقد ساعده على تفهّم معانيها البدوية خادمه بطرس من قرية جزين من لبنان، ولسنا ندري مقدار تفهّم رجل من لبنان للهجة الأردنية؟.. ورأيت أحد المستشرقين وهو (جود ريش فرير) يجعل وضحا زوجة نمر العشرين، وجعل اسم نمر الحقيقي عبدالعزيز، وقد نبّه على مبالغته في عدد الزوجات صديقنا الأستاذ سليمان موسى في كتابه (في ربوع الأردن) ص257.. لكن أستاذنا الأعز لم يذكر أن نمراً قد تزوج بعد (صيتة) التي كان يدللها ويناديها (رهيفة)، فكان عدد زوجات المرحوم (الصواب شرعاً: رحمه الله) نمر  العدوان أربعاً: وضحا، ووطفا أخت وضحا، وصيتة، والجازية.. ونمر -رحمه الله- لم يجمع بين زوجتين في آن معاً، وقد عاشت زوجات نمر معه على هذا الترتيب :

1 - وضحا عاشت معه عشرين عاماً، وأنجبت منه طفلتين قبل عقاب ماتتا، وخلّفت من الذكور غير  عقاب وسلطان ستة ماتوا مع أخويه بدليل قوله :

من مهجتي غدا ست واخــــوين                       بهم يزول الفقر وارجي الغناة

ما صمت عن زادي ولا سهرت العين                        ولا صار شربي مر ولا هو حماتي(2)

وأبقت وضحا بعد موتها مع عقاب وسلطان طفلة سماها الشاعر سارة بدليل قوله:

ناديت أنا سارة بسرعٍ تعالي                           قِدّي ثيابك وادهني الخد بالقار(3)

2 - وطفا شقيقة وضحا عاشت معه على ما يقال ثلاث سنوات وسرّحها بإحسان، وخلّفت منه طفلاً مات عند أهلها.

3 - صيتة التي يناديها رهيفة من عرب سليم اللحاوي عاشت معه سبع عشرة سنة، وقد مات كل الذين أنجبتهم من ذكور وإناث، وكان يحبها إلى أن حاولت مرة أن تساوي نفسها بوضحا، فهجرها، وظل يرعاها بكرم هي وابنها، وخصّها ببيت خاص هي وابنها الذي عاش في كنفه إلى أن بلغ مبلغ الرجال فهجر الديرة.

4 - الجازية من بني صخر عاشت معه ثماني عشرة سنة، وبقي من نسلها واحد اسمه فلاح، لم نره لما زرنا الشونة.. والتقينا بالشيخ الكريم خلف الفهد النمر العدوان سنة 1977م وقد قال لنا: إن المرحوم نمر عاش ثماني وسبعين سنة.. والذي نعتقده أن عمره يوم لقي ربه كان ثماني وسبعين سنة.. يدل على ذلك أن زواجه كان وعمره عشرون سنة، فإذا ضم إلى عمره السنين التي عاشها مع أزواجه كان الجواب ثماني وسبعين سنة لا ثماني وثمانين كما قال بعضهم، وعلى هذا يكون قد ولد سنة 1745م، فيكون عاش في أواسط القرن الثامن عشر.. ولقد كان أكثر المستشرقين اهتماماً به المستشرق الأمريكي (سبور) الذي صحبه الأستاذ نصر الله الحداد سنة 1904م في جولة في البلقاء جمع فيها نحو أربعين قصيدة، وقام ألبرت سوسن بجمع قصائد لنمر في كتابه ديوان من أواسط بلاد العرب، وجمع المستشرق الألماني (فون فلن) قصائد لنمر، وعلّق على بعضها باللغة الألمانية ونشرها مع تعليقاته تلك.. أعود إلى (سبور) الذي حاول أن يُبعد نمراً عن أن يتحوّل أسطورة أو خرافة كما حدث في مصوّرة دمشق، ومصوّرة بيروت.. وقد ذكر سبور أنه كان لنمر أخوان أكبرهما اسمه صالح والأصغر اسمه كايد، وقد فُقد الأخوان مع ستة من أبنائه.. لكن الشجرة التي تفضّل بها الصديق الأديب الأستاذ طاهر العدوان بخط الشيخ خلف الفهد النمر تشير إلى أن ذرية نمر العدوان من الذكور عشرة(4).

قال أبو عبدالرحمن: واهتم العزيزي بنمر قبل أن يصدر كتابه عنه.. قال عن ذلك الاهتمام: «وقد ظل ذكر نمر يعيش في نفسي، فذكرته في كتاباتي مراراً، فوضعت دراسة تناولت فيها جانباً من حياته نشرتها في العدد الثاني من مجلة أفكار، ثم وضعت دراسة مطولة في مخطوطة لم تنشر سنة 1972م، ثم وضعت مسلسلاً إذاعياً مؤلفاً من ثلاثين حلقة أذاعته الإذاعة الأردنية 1975م، ثم وضعت مسلسلاً تلفزيونياً مؤلفاً من ثلاث عشر حلقة عرضه تلفزيون دبي الملون، وأخرجه الأستاذ صلاح أبو هنود، ثم عرض في السعودية وفي العراق وفي دول الخليج وفي الأردن»(5).

وبيّن العزيزي سر اهتمامه بنمر بقوله: «أما كيف أحببت نمر العدوان ومن الذي زرعه في قلبي: فهو والدي الذي كان يعجب بهذا الفارس المُحبّب العجيب، وقد كان يعجب بأولى قصائده في الرثاء عند قبر وضحا:

سر يا قلم بكاغد لي وأسرع                    واكتب على ما  اريد  ان افهم وأسمع»(6)

قال أبو عبدالرحمن: كان السمر بمراثي نمر لوضحا من عادات الطفولة، وكان مصدري الدرر اليتيمة أول ما صدر أتلوه على رواد قهوة الوالد من العوام -رحمهم الله تعالى، ثم استجد في روايتي أشعار أخرى لنمر منها ما هو بلهجات من العاميات الشامية، ومنها ما هو بلهجة الشعر العامي حضريه وبدويّه في شبه الجزيرة العربية، وتوقعت أن لنمر لغة حضرية عامية لبني قومه، ولغة عامية بدوية تناسب لغة الشعر العامي النجدي كما أسلفت، ولايزال الأمر الآن مجرد توقّع، ولما صدر كتيب أحمد شوحان عن نمر رأيت أساطير وشعراً مكسّراً ليس له أدنى لهجة تقبلها بيئة نمر، فجمعت ما لديّ من مصادر فحررت شعره وأخباره وصححت وخطأت حتى كنت على ثقة من نتائجي، وفي يوم السبت 1412/12/19هـ أتحفني أبو المواهب والتحف معالي الأستاذ أبو راكان إبراهيم الطاسان بصورة من كتاب نمر العدوان لروكس بن زايد العزيزي الصادر عن وزارة الثقافة في الأردن عام 1991م، وما كنت على علم بالكتاب قط، فالتهمته في جلسات، وسررت أن وجدته يـؤكد نتائجي ولا ينفيها، ووجدت له إشارة تذكر كتباً خرافية عن نمر لا أدري هل يدخل ضمنها كتاب أحمد شوحان أو لا؟ قال: «فتلقيت من الدكتور رؤوف أبو جابر مصورتين لما طبع في دمشق، ولما طبع في بيروت، فلما قرأتهما ذهلت لما فيهما من خلط وتشويه للحقائق، لأن اللذين هجما على الموضوع كانا يجهلان كل شيء عن نمر ووضحا، فاسم والد نمر ووالدته مختلفان، واسم والد وضحا لا علاقة له بوضحا، والأشعار مصنوعة كلها ليس فيها من شعر نمر شيء.. والمصورة الدمشقية مؤلفة من جزأين في 47 صفحة من القطع الوسط، واسم والد نمر فيها أحمد العدوان، وهو أمير العربان في فلسطين وفي الأردن»(7)؟

قال أبو عبدالرحمن: في مشجر آل عدوان وجدت مشجر آل نمر هكذا: «نمر المتوفى حوالي سنة 1820م، وهو نمر بن قبلان بن نمر بن حمدان بن عدوان بن فايز بن عجمي بن شهيل بن جعيلان بن حمود العدوان»(8).. فقلت يومها: فلعل نمر بن أحمد حفيد نمر بن قبلان ويكون بين وفاته ووفاة جده ستون عاماً، وبعد اطلاعي على كتاب العزيزي عن نمر وجدته يوافق ما انتهيت إليه إلا أن مشجّره يقف عند عدوان بن فايز والد حمدان(9).. وقال أْحمد شوحان في ترجمته: «نمر بن عدوان أمير منطقة البلقاء شرقي نهر الأردن من بلاد الشام، وله نفوذ وصيت واسع في طول البلاد وعرضها وفي الحجاز والعراق، وتنتشر قبيلة العدوان في تلك المنطقة بالإضافة إلى مناطق من فلسطين وسيناء.. ولد السيد الأمير نمر بن أحمد العدوان حوالي عام 1225هجرية، ووالده السيد أحمد هو الأمير للعدوان بكاملها، فلا يُبرم أمر في القبيلة إلا بمشورته مهما صغر أو كبر.. لقد تزوج الأمير أحمد العدوان امرأة جميلة حسيبة نسيبة اسمها نوفل، وبعد عشرين سنة من هذا الزواج لم يرزق إلا بالبنات، فكان يتمنى أن يرزقه الله ولداً يُحيي ذكره، ويخلفه في إمارة قومه.. بعد ذلك حملت زوجه فولدت غلاماً فأسماه نمراً، فلما كبر أرسله إلى الكتاب ليتعلم القراءة والكتابة والعلوم حتى أنه تعلم الطب لدى العارفين به يومذاك، كما تعلم الرماية والفروسية لدى شيخ يسمى الشيخ صفا، فلما شبّ وكبر كان رامياً فارساً يعتزّ به أهله وذووه، ويُشار له بالبنان، وكان الشعراء يفدون إلى ديوانه الكبير فيمدحونه بما يستحق فيجزل لهم العطايا»(10)، وذكر الأستاذ عاتق البلادي رأياً يقول عن نمر: إنه من بني صخر، أما هو فقد ذكره في عدوان، ثم قال عن نمر ووضحا: «وعليهما المثل القائل: (هذا بلا أبوك يا عقاب!!)، ذلك أن نمراً كان له امرأة اسمها وضحا جميلة هيفاء ولدت له عقاباً فماتت، فصار نمر يبحث عن كل امرأة اسمها وضحا فيتزوجها، فإذا لم يجدها كوضحائه طلقها، ثم عثر على وضحاء شبيهة وضحائه فأمسكها فجاءه عقاب ذات يوم يقول: يابوي خالتي وضحا ما هي مثل أمي.. فسأله الوالد عن الخلاف بينهما؟ فقال الولد: أمي إذا دحرجت الحدجة من تحت جنبها وهي نائمة تتعدى دون أن تشعر بها، أما خالتي فإن الحدجة تقف مصطدمة بها فتستيقظ من النوم.. فقال الأب: هذا بلا أبوك يا عقاب!.. فصار مثلاً: أي أن ضمور خصر أم عقاب من الشروط التي أتعبت نمراً وهو يبحث عنها»(11)، وقال العزيزي: «وشيخ العدوان هو عليم البلقاء.. أي الذي يحق له وحده إعلان الحرب، وتقرير الخصومة، وذلك يعرف برد النقا»(12).

قال أبو عبدالرحمن: ولقد ضُرب المثل بأوصاف نمر الغزلية .. قال سليطين العنزي :

والراس ذيل كحيلة بالحرابة                ثار  العجاج وركبت الخيل بالخيلْ

يضفي على كاغد خطيب قرا به            والاشعاع المعلقات القناديل

ما قال ابن عدوان نمر لقى به              ومخلف القاضي بوصف المعاميل(13)

وذكر عبدالله الخالد الحاتم أن وفاة نمر سنة 1300هـ،  وذكر شاهر الأصقه أن  وفاته سنة 1880م، وذكر أْحمد شوحان أن مولده سنة 1225هـ(14)،  وهذا يعني أن عمره خمسة وسبعون عاماً.

قال أبو عبدالرحمن: ما يتعلق بوضحا فأرجو أن أعان على تحقيقه، ويهم ههنا التعريف بنمر من ناحية أسرته ونشأته وتاريخ وفاته.. قال العزيزي: عرفنا تاريخ موت نمر العدوان أنه سنة 1238هـ للهجرة الموافق 1823 للميلاد، وذلك لأن مستشرقاً رآه منقوشاً على قبره فدوّنه.. أما ميلاده فيجب أن نقدّره تقديراً بعد أن روى لنا الرواة المدة التي عاشها، وخير الروايات رواية سليل هذا الشاعر الشيخ خلف الفهد النمر العدوان الذي حفظ وثائق يمكن الاعتماد عليها والوثوقق بها، فقد قال لي -إن لم تخني الذاكرة، وعهدي أنها في أيام الشباب لا تخون-: أنه عاش ثماني وسبعين سنة، فلما قسمنا ذلك الزمن الذي عاشه مع زوجاته الأربع وجدناه صحيحاً تماماً، وذكر لنا الشيخ خلف أن شاعرنا ابن لقبلان العدوان، وأنه نسب إلى عمه بركات الذي تزوج أم نمر بعد وفاة أبيه؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العدة التي بيّنها القرآن الحكيم بقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) (البقرة: 234)، فإنهم كانوا يسارعون إلى الزواج بالأرملة في الأسرة لأسباب منها: خوفهم على نسل قريبهم من الضياع، وخوفهم على الأرملة نفسها من التسيّب، ولأن مهر الأرملة أقل من سياق العذراء..  وكثيراً ما يكون الذي يتزوج بالأرملة هو شقيق زوجها أو أخوه أو ابن عمه، فلما ولد الطفل فرحوا به كثيراً، وقالوا: الله عوضنا عن قبلان بعبد العزيز الذي سُمّي فيما بعد النمر»(15)، وقال العزيزي عن أسرة نمر: «يقول كوندر: إن مؤسسي قبيلة العدوان هما: فايز، وفوزان ولدا الصويط من قبيلة (الظفير) النجدية.. ويقول بعض شيوخ القبيلة: إنهم من حرب.. وليس لديهم أْي دليل يثبت ما يقولون، وقد حلّا بين عشائر كندة التي كان مروان بن الحكم قد أقطعها البلقاء نظير مبايعته، وتوفي فوزان وتزوج فايز بابنة شيخ كندة، الأمر الذي يدل على مركز فايز الاجتماعي، لأن كندة لم تكن تزوج بناتها بأقل من مئة من الإبل، وربما أمهرت الواحدة منهن ألفاً، فصارت مهور كندة مثلاً في الغلاء، وقلّدهم المقلدون إلى أن وصلنا إلى تحويل المهور غرامات لا تكريمات.. أنجبت بنت شيخ كندة من فايز عدوان وشداداً،  لما كبر عدوان تزوج بابنة أْحد شيوخ المهداوية الذين هم بطن من طريف: من جذام: من القحطانية..  وكان المهداوية قد سيطروا على البلاد، ويبدو أنهم تغلبوا على كندة، فأنجبت من عدوان حمدان وصبحا.. وقد نشأ حمدان في كنف جودة أمير المهداوية، وكان يرافقه في غزواته الكثيرة، ومن أشهر تلك الغزوات الغزوة التي هاجموا فيها قافلة قرب نهر الزرقاء كانت سائرة بين مكة المكرمة والعراق، فكان بين ما غنم من تلك القافلة ناقة تدعى الضبطا كانت من نصيب حمدان، وقيل: (إنها كانت محملة ثروة طائلة)، فاتخذ العدوان: كلمة الضبطا شعاراً لهم (نخوة) في اللهجة الأردنية، فعظمت ثروة حمدان إلى شجاعة نادرة جعلته من مشاهير الأبطال والفرسان النابهين، فالتّفت حوله جماعات من فرسان القبائل إعجاباًبه، ونقمة على طغيان جودة المهداوي، فلما رأى حمدان كثرة أنصاره أخذ يُفكّر في انتزاع السلطة من جودة المهداوي، ولاسيما بعد أن ثبت عنده أنه لا سبيل إلى إصلاح ذلك الرجل الطاغية، فجاءت حادثة جعلت حمدان وأعوانه يرون أن الثورة على جودة أمست من أوجب واجبات الرجولة»(16)، ثم قال عن حالهم بعد تغلبهم على المهداوي: «لكن العدوان احتلوا أملاك المهداوي وقبيلته في البلقاء وقسموها فخصّصت أرض غور الرامة لكايد وإخوته ذياب ولامي وصقر،  وخصصت أرض شونة لنمر بن صالح، وأخذ أبناء نمر (وهو غير نمر شاعرنا، وهم قبلان وإخوته) الكَفْرين، فأحسّ كايد بأنه غُبن بهذه القسمة، لكن أباه عدوان نصح له أن لا يصطدم بشقيقيه وأبنائهما، وحسّن له أن يهاجم ضمان بن جودة المهداوي وحُماته البلاونة ويطردوهم من الديار نهائياً، فعمل بنصيحة أبيه وغزا البلاونة وضماناً، فالتقى بهما على نهر الزرقاء، ودارت بينهم معركة جرح فيها كايد جرحاً بليغاً كان فيه أجله، وقتل في هذه المعركة من العدوان فارسان مشهوران هما كنعان السكر، وكنعان الفاعور، فدعي المكان الذي وقعت فيه المعركة مخاضة كنعان، فلم يسكت العدوان بعد موت كايد بسبب جرحه، بل هاجموا البلاونة وقتلوا شيخهم ابن عسرة، فهرب البلاونة وتشتت المهداويون في بيسان وضواحيها وفي غرب الحولة، ووصل فرعان منهم إلى لبنان، هم آل أبو شقرا وآل مريود..  وهكذا ثبّت العدوان سيطرتهم على البلقاء،  وفي هذه الأثناء ظهرت قبيلة بني صخر واستقرت في البلاد، وأخذت في أول الأمر تدفع ما يسمونه الرعاية، وبعد مدة من الزمن اصطدم بنو صخر بالسردية فتغلبوا عليهم،  وفي سنة 1730م امتنع بنو صخر من دفع الرعاية للعدوان»(17).. وقال العزيزي: «ظلت زعامة العدوان تتنامى، ولاسيما يوم آلت الزعامة إلى الشيخ ذياب العدوان ابن عدوان سنة 1760م، فأراد ظاهر العمر صاحب عكا أن يكسر شوكة العدوان، فسلط عليهم قبيلة الزيادنة بقيادة قاسم السعيد لغزو العدوان، فانحاز العدوان إلى اللجون في منطقة الكرك، واحتل قاسم السعيد قلعة السلط.. لكن صالح العدوان شقيق ذياب الذي كان نازلاً في الشونة لم يكن في عداد الذين لجأوا إلى اللجون، فهاجم قافلة كانت تحمل إمدادات لقاسم السعيد تسير بين نابلس والسلط، ونهب القافلة، فشعر قاسم السعيد بهول الصدمة، وجمع جموعاً غفيرة لتأديب صالح العدوان غير أن الحظ ابتسم لصالح فهزم قاسم السعيد، وقتله في معركة الغور هذه، فأضحى صالح العدوان زعيم البلقاء المطلق.. لما سمع ذياب العدوان بانتصار شقيقه صالح أكلت الغيرة والحسد قلبه، فسار من اللجون لقتال شقيقه، غير أنه هزم، وفرّ إلى دمشق مستنجداً بالحكومة، فسيّرت معه حكومة دمشق جيشاً لمؤازرة ذياب، فلما سمع صالح أخبار الجيش الزاحف لتأديبه ذُعر، فلجأ إلى قلعة السلط غير حاسب حساباً لتصرفاته التي ملأت قلوب القوم حقداً عليه، فلم تمض أيام حتى هاجمه أهل السلط فقتلوه واحتزوا رأسه وبعثوا به إلى قائد الحملة الحكومية، فأصبحت الزعامة بعد قتل صالح لشقيقه ذياب، لكن مدة ذياب لم تطل، إذ ثار عليه القوم فقتلوه، ففر أعوانه إلى جبل الدروز (جبل العرب اليوم).

وبعد غياب ستة أشهر عاد العدوان بزعامة نمر الثاني الشاعر، وتغلبوا على سكان البلقاء في واقعة مرح أبو عيشة بالقرب من حسبان، وظل نمر هذا زعيماً للبلقاء نحو عشرين سنة بلا منازع إلى أن تنازل عن الزعامة طائعاً مختاراً لحمود ابن صالح العدوان الذي كان قلبه مملوءاً غيرة من شاعرنا نمر بن قبلان(18)، وقال العزيزي عن تعلّم نمر: «كانت أم عبدالعزيز (نمر) تعيش من أجل طفلها هذا، وكان عمه بركات (تكريماً لذكر شقيقه قبلان) يهتم به أكثر من اهتمامه بأخيه الأكبر من أم ثانية إلى أن نزلت في الحي مجموعة من السياح الأجانب، ومع هذه المجموعة مترجم عربي من القدس، وفي عداد المجموعة سيدة فرنسية لعّبت الطفل، وأعجبت به لمّا رأته، وسألت عن أمه وعن أبيه فدلوها عليهما، فسألت بركات إن كان في استطاعته أن يدل المجموعة على الآثار القريبة منهم -وفي عدادها عرب الأمير- فرحب بركات بالفكرة، ورافق السيّاح والمترجم، فلما أنهى السياح جولتهم عادوا إلى عرب العدوان، فكُرّموا تكريماً زرع بركات في قلوبهم، فلم تنس السيدة الطفل، وسألت: أين يتعلم نمر؟ فأجيبت: إن البدو لا يتعلمون! فطلبت من بركات أن يسمح لها بأن تعلّم نمراً كما يتعلم أبناء الحضر في القدس، وستعيده إليهم قارئاً كاتباً، فرفض بركات الفكرة، ومانعت الأم، لكن السيدة لم تيأس، وظلت تداور بركات ونوفة إلى أن سمحا لها بأن تعلّمه في القدس.. وفعلاً قضى في القدس خمس سنوات عاد بعدها إلى أهله، وظلت السيدة السائحة ترعاه، لأنها تبنّته تقريباً، إذ لم تقطع زياراتها للقدس، ولا احتجبت عن الأردن ولا عن عرب العدوان بنوع خاص، فصحبته إلى الأزهر الذي كان في القرن الثامن عشر مدرسة غير نظامية، ولم تكن هناك سجلات بأسماء الطلاب، ولا كانت هناك شهادات تُمنح، وكان في وسع من يشاء أن يدخل صحن الأزهر، ويحضر المحاضرات ثم ينصرف دون أن يسأله أحد: من أنت، أو ما اسمك؟»(19).. قضى في الأزهر الشريف على ما قيل لي خمس أو ست سنوات عاد بعدها، لأنه لم يتحمل شظف العيش.. أجل عاد وقد تأثر بالمتنبي كما يبدو لنا في تناوله لشعره، وأغرم كما يبدو بالزخرفة اللفظية(20) التي شاعت في عصر الانحطاط، وذلك ظاهر في بعض قصائده كما نشير إلى ذلك في مكانه(21).. أجل عاد من الأزهر الشريف، لأنه لم يطق شـظف العيش كما قلنا، والبعد عن الطبيعة، ولعله كان قد شارف على الثامنة عشرة من عمره، لكن عودته قد أثارت عاصفة من الغيرة والحسد في بعض القلوب، فقد قال الأرادنة: البغض في القرايب، والحسد في الجيران»(22)، وقال العزيزي: «كان نمر قبل أن يمرض المرض الذي مات فيه يمتطي فرسه وثباً عليه من الأرض من غير أن يستعين بالركاب أو بمكان مرتفع، ويسمى الأرادنة هذا النوع من الركوب الذَّبّ، فيقولون: ذب على الفرس.. أي ركب وثباً من الأرض(23)، وكان الآباء يحرصون على أن يعلموا أبناءهم هذا النوع من الركوب».

 -------------------------

هوامش :

(1) نمر العدوان ص12.

(2) قال أبو عبدالرحمن: إذن ما مصدر أسماء هولاء الأولاد إن كان الشعر وحده هو المصدر؟!

(3) قال أبو عبدالرحمن: بسرع أي بسرعة.

(4) نمر العدوان ص18-15.

(5) نمر العدوان ص12.

(6) نمر العدوان ص8.

(7) نمر العدوان ص13، وانظر ديوان نمر لأحمد شوحان ص7 حيث ذكر أن والده اسمه أحمد.

(8) تاريخ شرقي الأردن وقبائلها ص371.

(9) انظر نمر العدوان ص 19.

(10) ديوان نمر ص7. قال أبو عبدالرحمن: إذن أين ذهبت تلك المدائح؟!.. إنها مبالغة، ولو صحت لكان حفظها أهم شيء في وجدان من كتبوا ما هب ودب عن نمر.. ونمر واسع الصيت في جزيرة العرب وغيرها كما قال شوحان، ولكنه لا نفوذ له في الجزيرة.

(11) في شمال الحجاز والأردن ص186-187.

(12) قاموس العادات واللهجات 72/1. قال أبوعبدالرحمن: إنما ردُّ النقا في المعاهدات، وليس في النهب والثارات على غِرّة.

(13) قطوف الأزهار ص 308-309.. قال أبوعبدالرحمن: يعني بالشطر الأخير الشاعر محمد  القاضي في وصفه القهوة.

(14) عيون من الشعر النبطي ص235، وخيار ما يلتقط 2/219، والبركان ص158، وديوان نمر لشوحان ص7.

(15) نمر العدوان ص27-26.

(16) نمر العدوان ص22-21.

(17) نمر العدوان ص25.

(18) نمر العدوان ص30-29.

(19) هذه المعلومات من رسالة خطية إليّ من صديقي العالم الأستاذ وديع فلسطين من أعضاء مجمع اللغة العربية في دمشق ومجمع اللغة العربية في الأردن في الرابع عشر من تموز 1990م (العزيزي).. قال أبوعبدالرحمن: هذه خرافة ياأم عمرو!!

(20) قال أبوعبدالرحمن: ليس في شعره أي التفات لأبي الطيب، وليس عنده زخرفة لفظية شُهر بها.

(21) قال أبوعبدالرحمن: سيعجز عن الإشارة إلى معدوم!!

(22) نمر العدوان ص29-28.

(23) نمر العدوان ص185.. قال أبوعبدالرحمن: أخبرني والدي عمر -رحمه الله- أنه مع جَمَّال من أهل أثيثية، فقال له عن الجمل المحمّل: «دبَّا (بالدال المهملة الممدودة والباء ذات النقطة الواحدة من تحت.. وهذه لهجتهم يقولون في فعل الأمر: دُبّ: دبّاً.. فظن الوالد أنها بالذال: ذبا عليه: أي ذب بمعنى اركب، فذب الوالد على الجمل وزاد حمله عبئاً، فلما كانوا بالمسمّى صاح به الجمال وقال: أنا قلت: (دبا عليه - يعني بالدال المهملة) ما قلت ذبا عليه (يعني بالذال المعجمة) ومعنى دبا عليه بالمهملة ارفق به، فعمل الوالد رحمهما الله العكس.

ذو صلة