مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الحوار القديم المتجدد : هل يلتقي العلم والأدب تحت مظلة واحدة؟

ناقش الباحث الانجليزي (Robert Whelan) في مقال علمي نشره في العدد الأسبوعي من صحيفة الديلي تليغراف والمخصص لمناقشة العديد من القضايا الفكرية والثقافية والأدبية: (The weekly Telegraph Thu May 14, Wed may 20, 2009, P25) ناقش هذا الباحث قضية بالغة الأهمية وهي العلاقة بين العلم والأدب، مرتكزاً على محاضرة ألقاها الروائي المشهور  (P. C. Snow) من منصة مجلس الشيوخ بجامعة كيمبريدج البريطانية وذلك في 7 مايو 1959م، أي قبل حوالي نصف قرن من الزمن، وكان عنوان المحاضرة هو: (الثقافتان والثورة العلمية) وقد حذر (اسنو) (Snow) في تلك المحاضرة بأن العلم والأدب سوف يفترقان وأن الفجوة سوف تضحي عميقة بين العلماء والأدباء، ضارباً مثلاً بالعلماء الذين سوف يبذلون جهداً عظيماً في قراءة رواية للكاتب تشارلز ديكنز (1812-1870م).

وفي المقابل سوف يواجه المختصون في العلوم الإنسانية صعوبة أكبر في الإحاطة بشيء عن القانون الثاني للعلوم الحرارية أو ما يعرف في مصطلحه الإنجليزي بـ(Thermo Dynamics) ( الديناميكا الحرارية)، وقارن (Snow) وفي صورة غير متكافئة بين جيل الشباب المتعلم من البريطانيين ونظرائهم في أمريكا وروسيا من ناحية عدد صغار السن الذين يواصلون تعليمهم إلى السن المحدد بـ18عاماً، موضحاً أن نظام التعليم البريطاني يجبر الطلاب في سن مبكرة على التخصص وأنه يدفعهم بأسلوب فيه شيء من التعسف إلى مجالات الثقافة التقليدية والمهنية بدلاً من المجالات المتصلة بالعلوم والتقنية مقارناً في هذا السياق بلداً مثل بريطانيا مع (فينيسيا) (البندقية)(Venice)، وذلك من حيث سمات التدهور العلمي، ولكنه يستدرك بأن (الفينيسيين) -نسبة الى مدينة البندقية الإيطالية- كانوا محظوظين بحيث أصبحوا أغنياء -بالصدفة- كما حدث بالنسبة لنا وكأن المحاضر يرمز هنا إلى الحقبة الاستعمارية للمملكة المتحدة البريطانية حيث أضحى الشعب الإنجليزي ثريا على حساب الشعوب المستعمرة وتنبهوا كما تنبهنا -يعني -البريطانيين- بأن مجريات التاريخ الحديث تعمل في كافة أشكالها بصورة تصادمية معهم، وأن فئات منهم -أي الفينيسيين- عملوا بمقدار ما تهيئه الظروف لهم على الاستمرارية في الحياة- وذلك من خلال العمل خارج الدائرة الصغيرة وهي المنزل، وأنهم من خلال هذه الدائرة وجدوا النموذج أو الشكل الملائم لأحوالهم -كما وجدنا نحن- أي البريطانيين- الشكل المناسب أو الملائم لنا، ولكنهم للأسف -أي الفينيسيين- لم يستطيعوا كسر ذلك الحاجز لعدم توافر الإرادة الصلبة لمثل هذه الخطوة الجريئة.

يضيف الباحث «Whelan»،بأن ماذكره (اسنو) (Snow) شكل موضوعاً هاماً في الدوائر العلمية ولم يكن لأحد - عندئذ- أن يتصور الأبعاد التي سوف ينتهي إليها هذا الحوار من خلال المقالات والمناظرات التي سوف تأخذ في انتشارها بعداً عالمياً، ويستشهد الكاتب بتوجه الناقد الأدبي «لفيز» F. R. Leavis ، في عام 1962م إزاء الموضوع الذي أثاره «اسنو»  (Snow) في عام 1959م، حيث اختار أن ينتقد النبرة الواثقة جداً التي بدت واضحة في محاضرة «إسنو» Snow، وأنه أخفق -أي اسنو- في تقديم فروق موضوعية بين الثقافتين العلمية والأدبية، مذكرا أن «اسنو» تدرب كعالم قبل أن يصبح كاتباً وأن رواياته من الناحية الفنية يمكن تقييمها بأنها متوسطة، وكأن «ليفيز» يشير إلى استمرارية العلاقة بين الثقافتين العلمية والأدبية، وأن الثقافة العلمية كان لها دور في إبراز موهبة الروائي «اسنو»، ولقد أعيدت طباعة محاضرة «ليفيز» في مجلة (The Spectator) (الاسبكتاتر) (وهي مجلة تعنى -غالباً- بالفكر المحافظ وما يتصل به)، وذلك في عدد 9 مارس 1962م، وظهرت بعد ذلك في صورة كتاب عن دار النشر المعروفة باسم (Chatto and windus).

حاول الناشران لمحاضرة «ليفيز»، والتي تعتبر هامشاً على متن محاضرة «إسنو» أن يتجنبا أي اعتراض من قبل «إسنو» صاحب الأفكار الرئيسية التي دارت حولها انتقادات «ليفيز»، ولهذه الغاية السامية التي تحفظ حقوق المؤلفين الأساسيين، وهي سمة بارزة في الثقافة الغربية - قاما بالاتصال بالروائي «اسنو» وسألاه إذا ما توجد لديه الرغبة في إضافة جديد إلى أفكاره الرئيسية التي طرحها في محاضرته التي ألقاها في نفس الجامعة كيمبريدج 1959م، فرد «اسنو» على الناشرين بأنه مهما كان حجم الألم الذي يحس إزاء الانتقادات اللاذعة التي وجهها لأفكاره «ليفيز»، إلا أن ملاحظات الأخير سوف تجعل الحوار قائما حول هذه القضية الجديرة بتعدد الرؤى والأفكار.

يشير كاتب المقال الباحث «Whelan» بأن الفصل بين الثقافتين العلمية والأدبية يعود تحديدا إلى القرن التاسع عشر الميلادي وأن مصطلح «Scientist» -أي العَالِم- قد تبلور وظهر عام 1833م، ولكن استخدامه وجد عند محاضر جامعي آخر وهو «ماثيو أرنولد» «Matthew Arnold» عندما ناقش العلاقة بين الأدب والعلم في محاضرة له سنة 1882م -أي بعد نصف قرن من تشكيل مصطلح «Sciene»، وأن العلاقة بين الثقافة التقليدية والثقافة العلمية، ظلت مستمـرة حتى في الحقبة التي شهدت الثورة العلمية والتقنية الحديثة.

ولعل آرنولد استجاب بشكل مطلق وغير مقيد أكثر من ليفيز في دفاعه عن أفكار «دارون» التي لايزال الجدل محتدماً حول تطابقها مع الواقع الحقيقي للبشرية حتى الوقت الحالي، لقد أبدى «آرنولد» في أفكاره المطروحة آنذاك رؤية جديرة بالملاحظة وهي أن العلوم التقليدية مستمرة في أداء دورها في المجتمع الغربي كاستمرارية العلوم التطبيقية الحديثة، ويستشهد كاتب هذه المقالة المهمة أي «Whelan» برأي أحد الفائزين بجائزة نوبل في العلوم في الستينيات الميلادية وهو سير أندرو هوكسلي «Sir Andrew Huxly»، والذي اعترف بأنه عندما غير تخصصه من الأدب الكلاسيكي إلى تخصص علمي حديث -وهو الفيزياء- اتهمه ناظر مدرسة ويستمنستر «Westminster School»، بأنه بهذه الخطوة سوف يفقد مزية هامة وهي الاستمتاع بروائع الأدب الكلاسيكي.

يذكر كاتب المقالة بأن «اسنو» أثار نقطة مهمة في محاضرته التي ذكرنا أنه ألقاها على الطلاب في جامعة عريقة هي «كيمبريدج» سنة 1959م، وهو عملية إعادة التفكير في مفهوم التعليم، أي بعد حوالي نصف قرن من الزمن، وهذه المحاولة تمت أخيراً في سبتمبر 2006م، وذلك كمحصلة للتدهور الخطير في عملية التعليم فقليل هم الطلاب الذين يأخذون مادة العلوم «Science» في المستوى الأول والذي يعتبر تأسيساً لثقافة الطالب المبتدئ وأن معظم المعلمين في المدارس لم يتهيؤوا لهذه العملية التعليمية الهامة فهم لا يحملون شهادات ذات صلة وثيقة بالعلوم، ونتج عن هذا الوضع السلبي أن الأقسام والكليات العلمية تقع تحت التهديد بالقفل كما أنه أضحى من المتعذر على أصحاب المصانع أن يجدوا علماء متمكنين في تخصصاتهم والمرتبطة باستمرارية هذه المصانع في المجتمع الغربي.

كما يستشهد كاتب المقالة أيضاً -بمدرس الفيزياء ديفيد بيركس «David Perks»، والذي انتقد في شهادة قدمها لأحد مراكز العلوم- الوضع المأساوي الذي انتهت إليه مقاربة المواد العلمية بصورة مستقلة حيث أضحت تعامل كفرع من علوم الإعلام أكثر من كونها مصدراً للمعرفة وكانت فرضية «بيركس» تقوم على أن الطلاب ينفرون من العلوم لعدم توافر الرغبة وأنهم أضحوا يفضلون المستويات السهلة وأن المدارس لا تشجعهم على تطوير مقدراتهم العلمية، وأنه تم استبدال التدريب في المعامل لاستخلاص نتائج علمية مفيدة تسهم في دفع مجالات التقنية الحديثة إلى مستويات أفضل، تم استبدالها بمجالات أخرى بعيدة عن مجال العلوم.

لقد كان بيركس «Perks»، مصيباً في الكثير مما قاله حيث أكد أن الطلاب ينفرون -الآن- من المجالات العلمية وذلك لانعدام الرغبة لديهم إزاءها وأنهم يفضلون دراستها في المستوى الدراسي المعروف بـ«A-Level»، وأنهم يهبطون من مجال العلوم الحديثة إلى دوائر أخرى أكثر عمومية والتي تحتفظ في مستوياتها التعليمية بما يمكن وصفه بدوائر العلم المنفصلة عن بعضها البعض، وقد أطلق «بيركس» مصطلحاً مجازياً على هذا الضرب من التفريق بين المستويات السهلة وهو التفرقة العنصرية أو التمييز التعليمي، وإن استخدام بيركس لمصطلح «apartheid» الذي وضع أصلاً للتعبير عن سياسة التمييز العنصري المرفوضة في ميثاق حقوق الإنسان في كل الثقافات يدل هذا الاستخدام هنا على استشراف بيركس للنتائج المدمرة والمترتبة على هذا الانحياز لصالح الأدبي ضد العلمي.

تعود جذور المناظرة بين العلم والأدب إلى قرون موغلة في القدم ولكنها تجددت في العصر الحديث حيث لم تعد القضية تختصر فيما إذا كان الطلاب يتطلعون لترجمة كتاب الشاعر اليوناني «هوراس» «Horace»، أو حل معادلات في علم الجبر، والظاهر أن القضية أكبر من ذلك بكثير، ويطرح كاتب هذه المقالة هذا السؤال: هل هناك فائدة في طرح هذا الموضوع القديم والجديد في آن، ويجيب «Whelan» بـ«نعم» هناك فائدة، فلقد أثارت مناظرة «اسنو-ليفيز» القضية أكثر تعقيداً حول طبيعة التعليم وما نتوقع أن تنجزه العملية التعليمية، ويرى محرر المقالة أن كلا من الكاتبين -أي اسنو- وليفيز، كان محقا فيما ذهب إليه، فالأول اعتقد أن الفهم العلمي يمكن أن يكون ذا سمة تجمع بين الرقة والحيوية بالنسبة للثقافة، والآخر كان محقاً في لفت الانتباه لضرورة الحاجة للعلوم لتعمل بشكل فاعل ومؤثر وأن يتم ذلك في نطاق الإطار العام للقيم الأخلاقية التي يوفرها التعليم.

ويتابع «Whelan» قائلاً: بأنه يوجد في قلب التعليم الحر فكرة تقول بأن لدى الإنسان القدرة على التحرك والانتقال من الهمجية إلى المدنية باستخدام القدرات العقلية والأخلاقية وهي الفكرة القادرة -وحدها- على أن توحد بين دائرتي العلم والأدب في بوتقة واحدة وبالتالي يمكن -أيضاً- للعلماء والأدباء أن يجتمعوا تحت مظلة واحدة وهو هدف سام وعظيم تتطلع إليه جميع الأمم ومختلف الثقافات.

ذو صلة