كثيرٌ من اللغط ومن المزايدات و كثيرٌ من المعارك ثار غبارها حول القصيدة النبطية, وأطلقت العديد من المقولات الكبرى التي لا تحتملها بساطة النص العامي, هذا النص الذي لا يزال يبحث عن مشروعيته في الساحة الثقافية كجنس إبداعي، برهن على حضوره المتوهج في الوجدان الشعبي, بكل تجلياته الإنسانية , وذلك الوجدان هو الأعدل حكماً والأصدق قيلاً, ومع تعدد وسائط الإعلام صار للقصيدة النبطية كثافة جماهيرية باتت تستفز شاعر الفصحى تارة وتغريه تارة أخرى.
وبين هذا الاستفزاز العامي وذلك الإغراء الجماهيري تورط بعضٌ من شعراء الفصحى في كتابة نصوص عامية ما هي إلا مسوخ شوهاء من نصوصهم الفصيحة ,وهذا الإخفاق أمر بديهي ومتوقع و في نظري أنه يعود لعدة أسباب أهمها :
أن شعرية النص العامي والقصيدة النبطية تحديداً تعتمد على معجمها اللغوي الخاص وهو معجم تشكله مفردات الصحراء و تؤلفه ألفاظ البادية, وهذا المعجم الذي يمثله ديوان الشعر النبطي لم يكن يوماً من الأيام داخل دائرة اهتمام شاعر الفصحى المعرفية, مما جعله يفقد توازنه الإبداعي حينما حاول كتابة النص العامي, فصار نصه أمشاجاً بين العامية والفصيح, ولعل ما يثبت حقيقة المعجم اللغوي للقصيدة النبطية هو ما تجسده تجارب شعراء العامية الكبار من الرعيل الأول من أمثال بركات الشريف , و عبدالله بن سبيل ,و محمد العبد الله القاضي, و عبدالله بن ربيعة , وابن لعبون , وسليم بن عبد الحي , والهزاني ولو يتسع المقام لذكرت شواهد من شعر هؤلاء تؤكد حقيقة ماذهبت إليه، وأنا أصدر في هذا الرأي عن تجربة لامزايدة عليها، وعن قراءة عميقة لهذا النوع من الشعر مكنتني من معرفة كثير من القواسم الفنية المشتركة بينه وبين الشعر الفصيح من ناحية البحور والمعاني والأساليب البلاغية، الأمر الذي يغري بدراسة موضوعية مستقلة توضح مالهذا الشعر وماعليه بعيداً عن تجاذبات حماة الفصحى ودعاة العامية.
إن معجم القصيدة النبطية يحفل بكثير من الألفاظ الدالة على الأنساق الاجتماعية البغيضة وفي طليعتها القبلية، والإقليمية، ومالم يكن الشاعر حذراً في استخدام ذلك المعجم ويمتلك حصانة من الوعي في مواجهة الإغراء النسقي والجماهيري فلا شك أنه سيجد نفسه متورطاً بين الأسلاك النسقية الشائكة وفي تجربة الشيخ الشاعر عايض القرني النبطية ما يشي بهذه الورطة.
إن أولئك الشعراء الذين حاولوا كتابة القصيدة النبطية لم يصدروا عن تجارب إبداعية حقيقية كما هو الحال بالنسبة لنصوصهم الفصيحة وإنما كتبوا من باب التجريب والتمرين اللياقي لا أكثر.
ولقد كتب بعضٌ من أدبائنا قصائد نبطية، أذكر منهم على سبيل المثال الشيخ عبدالله بن خميس والشاعر حسين سرحان والشيخ أبو عبدالرحمن بن عقيل، لكن قصائدهم تلك لم تكن بمستوى مايكتبون من أدب فصيح وتبقى تجربة الأمير الشاعر عبدالله الفيصل المثل الناصع في كتابة القصيدة النبطية بشرطها الإبداعي وتمكنه من متطلباتها الفنية ومعجمها مثلما هو تمكنه من القصيدة الفصيحة.