مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

رجاء عالم وجائزة البوكر: الفوز المستحق بجدارة

يؤكد حصول رجاء عالم على الجائزة العالمية للرواية (بوكر العربية)، عن روايتها (طوق الحمام)؛ نهضة الرواية في المملكة العربية السعودية. فهي صاحبة تاريخ طويل في الأدب، لها باع طويل في كتابة القصص القصيرة والمسرحيات وعشر روايات أثبتت من خلالها أنها كاتبة جادة وعلى مستوى راقٍ من الطرح الفكري والفني، وتعتبر رواياتها علامات بارزة في مسيرة الرواية المحلية والعربية.

وفوز رجاء لم يكن فقط متوقعاً، بل كان مستحقاً بجدارة, ولو لم تفز لأثار ذلك كثيراً من الأسئلة. وإن كانت المناصفة في الجائزة أيضاً تثير التعجب، فرجاء عالم قادرة على الانفراد بها, فمنجزها الروائي والأدبي يجعلها أكثر استحقاقاً بالفوز وحدها.
وتُعَد رجاء عالم روائية متميزة لها تجربة واسعة، وقد حظيت إصداراتها الروائية المتتالية بمراجعات نقدية جادّة وبتلقٍ ملحوظ في العالم العربي مما حقق لها تكريماً وفوزاً بجوائز أخرى خارج الوطن.
بوكر لم تكتشف رجاء عالم، فمن الجوائز التي فازت بها سابقاً ميدالية الشرف في مسابقة ابن طفيل التي نظّمها المعهد العربي الإسباني في مدريد عام 1986، وجائزة الإبداع العربي لعام 2007، وجائزة (المنتدى الثقافي اللبناني) في فرنسا, والتي حملت اسم الناقدة خالدة سعيد.
لكن حين أعلنت لجنة التحكيم النتيجة التي ضمت كلاً من: الناقدة البحرينية منيرة الفاضل, والناقد المغربي سعيد يقطين, والمترجمة الإيطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو أستاذة كرسي الأدب العربي المعاصر في كلية الدراسات الشرقية بجامعة روما, والشاعر الأردني أمجد ناصر؛ صرحت بأن الروايتين الفائزتين متساويتان في الأهمية لأن مواضيعهما حيوية وجادة، وهنا تكمن المشكلة، فروايات رجاء يجب ألا ينظر إلى موضوعها كعنصر تميز، وإنما إلى كيفية الكتابة والمعالجة الفنية العالية، فهي بارعة في فتح نصوصها على عوالم عجيبة تقبع خلف ما يعرضه الفضاء السردي على سطح النص، فوجود الزمن الماضي القديم يرتبط بالمستقبل من خلال فكرة التداخلات الزمنية. والمواضيع التراثية الثرية التي تغوص فيها تعرضها بآليات حداثية وما بعد حداثية. ومن خلال تطبيقها لنظريات التناص النقدية نجدها أجزاء طويلة تقليدية ومعروفة ومستخلصة من أمهات الكتب العربية. لكن طرق الغوص فيها تجريبية غير مسبوقة، أما مناخاتها الأسطورية الغريبة فتأتي ضمن أنساق معرفية مألوفة، وهنا تتجلى عبقرية رجاء السردية، أي في جمعها بين كل تلك المتناقضات في آن واحد.
وقد يرى بعض النقاد أن توثيق رجاء للبيئة المكية بقدرة فائقة, وتصوير المجتمع المتلاشي بشكل إيحائي بديع؛ هو العلامة الفارقة لأعمالها. ولربما كانت النتيجة هي أن هذه العلامة ستشكل تدريجياً عائقاً بين رواياتها وبين القارئ الخارج عن حدود تلك البيئة، خاصة وأنها تستدعي حقباً سابقة حتى على ذاكرة أجيال جديدة لاحقة في الساحة المحلية، وبالتالي فإن مفرداتها ومسمياتها والمكونات البيئية كلها لا يمكن استيعابها أو التفاعل معها مما يعطل عملية التجاوب والتأويل. لكن الحقيقة التي تغيب عن هذا الرأي هو أن مكة المكرمة ومنطقة الحجاز عامة لها خاصية شمولية منذ القدم، فهي أرض قد وفد إليها الناس وهوت إليها أفئدتهم منذ وضع إبراهيم قواعد البيت. الشرائح السكانية في الحجاز كانت دائماً متنوعة وقادمة من بلدان العالم كلها، لذا فهي ذات هوية عالمية متفردة ويستطيع أي قارئ أن يجد في أجوائها ما يربط تاريخه بتاريخها, ويرى في ملامح شخوصها وجوه الأجداد والأهل.
محلية رجاء عالم إذاً هي في حقيقتها عالمية، وفي كل رواياتها نجدها تحتفي بهذا الخليط العجيب الذي سكن الحجاز وتزاوج واندمج دون تعصب ولا نبذ، وهو بذلك عالم مثالي طوبائي يستوجب تلاشيه الرثاء والحزن. طوق الحمام رواية من هذا الطراز الذي يستدعي الماضي بروح احتفائية رثائية في الوقت نفسه، فكل مكونات المجتمع المكي القديم تتلاشى وتختفي شيئاً فشيئاً، تضعف وتستسلم لأجلها الذي يزيلها من الوجود.  لكن رجاء لا تركز جهودها الكتابية على وضع الموضوع في بؤرة العمل الأدبي، بل هي تستثمره للغوص في أعماق التاريخ والفلسفة وتوظفه في صب قوالب التشكيل الفني السردي الحديث، وتفتح آفاق النص بتلك التوجهات على عوالم واسعة تشتبك فيها معتقدات العالم القديم والحديث، الظاهر منها والمخفي، حتى تصبح الرواية جزءاً من التراث الإنساني الأشمل وتتخذ من محليتها منطلقاً للتواصل مع الفكر العالمي والتموضع بين لبناته التأسيسية.
دخلت طريق الحرير، وسيدي وحدانة، وخاتم، وستر، وحبى، وموقد الطير، ومسرى يا رقيب، ثم طوق الحمام؛ حيز الرواية الكلاسيكية, وعززت مكانة هذه الروائية المختلفة في تاريخ الرواية العربية الحديثة، فهذه الروايات تمثل كنزاً أدبياً ثميناً صالحاً للبحث النقدي المعمق. أما لغتها رفيعة المستوى فحققت لها تفرداً أسلوبياً وإنتاجاً كتابياً من طراز استثنائي. كل هذه السمات الأدبية جعلت نصوص رجاء عالم تبدو نخبوية، فهي عصية على القارئ العادي الذي يريد أن يعرف فقط أحداث الرواية ويصل إلى زبدة القصة، ولكن رجاء عالم كاتبة تهتم كثيراً بقضايا فكرية كبرى فتأتي رواياتها على شكل مغامرات فلسفية عن طبيعة الحقيقة التاريخية والوجود الإنساني وأبعاده الميتافيزيقية لتبرز كمفكرة جدلية وتأملية فتحفز قارئها على تتبع الدلالات الغامضة والرموز الخفية للوصول إلى قيم النص الجمالية وتقييمها. رجاء عالم ليست كاتبة جماهيرية، بل إن نصوصها مادة ثرية للباحثين والدارسين، وهي مرشحة قوية لجوائز قادمة على مستوى جائزة الملك فيصل، وجائزة نوبل بإذن الله.

ذو صلة