لم يعد معرض الرياض الدولي للكتاب متجراً لبيع الكتاب وتسويقه واقتنائه؛ وإنما تجاوز ذلك ليكون حدثاً ثقافياً فريداً وعلامة حضارية لتطوير الكتاب وصناعته, بل صموده أمام وسائط الاتصالات الجديدة بكل تقانتها المعاصرة ليظل الكتاب المطبوع والكتاب الإلكتروني يعيشان جنباً إلى جنب دون أي صدام متوقع بينهما.
فالأرقام التي قدمها معرض الرياض الدولي للكتاب تجيب عن تساؤلات مهمة أبرزها قدرة الجمهور على التفاعل الإيجابي مع الكتاب ومعارضه؟ وهل مازال الكتاب الورقي حاضراً في ظل منافسة قوية من الكتاب الإلكتروني؟.
زيارة أكثر من ثلاثة ملايين لمعرض الرياض الدولي للكتاب للعام 2011م؛ أكدت قوة العلاقة بين الجمهور والكتاب بغض النظر عن نوعية الكتاب وجدية القراءة. وتؤكد المبيعات التي تجاوزت خمسة وثلاثين مليون ريال حضور الكتاب الورقي وقدرته على المنافسة, عزز ذلك مشاركة نحو 700 دار نشر من 30 دولة عرضوا أكثر من 300 ألف عنوان في المعرض.
فبرعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين، افتتح وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبد العزيز خوجة فعاليات المعرض وسط حضور كبير من المثقفين والإعلاميين والأدباء إضافة إلى وفد ضيف الشرف (الهند).
وعبر وزير الثقافة والإعلام عن تفاؤله بمستقبل الثقافة في الوطن وذلك في الكلمة التي ألقاها في افتتاح معرض الرياض الدولي للكتاب بالإنابة عن خادم الحرمين الشريفين، وقال: إنني في غاية الأمل والتفاؤل لمستقبل الثقافة في بلادنا، وأنا جد مستبشر بحالة القراءة بين أبنائنا وبناتنا من الشباب والشابات، ونمو الوعي بينهم, فهم يقرؤون كما لم نقرأ، ويفكرون كما لم نفكر. نعم قد لا يقرؤون ما نقرأ، ولا يفكرون كما نفكر ولكنهم يقرؤون ويفكرون، ويتخذون من الوسائط الحديثة، ما يؤسس في أذهانهم وعياً جديداً، في صفحات افتراضية يقدمها لهم عالم الحداثة الجديدة في الاتصال والمعلومات، إنهم أكثر اتصالاً منا بالحياة بإيقاعها وتحولاتها.
أود أن أعبر في مفتتح كلمتي هذه عن أجل الشكر وأعظمه لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز –يحفظه الله- على هذه الرعاية الملكية السامية لمعرض الرياض الدولي للكتاب، امتداداً لرعايته الكريمة للعلوم والثقافة والآداب، ومنها أمره الكريم بدعم الأندية الأدبية بمبلغ عشرة ملايين ريال.
وكان وكيل وزارة الثقافة والإعلام للشؤون الثقافية د.عبدالله الجاسر ألقى كلمة الافتتاح، كما ألقى د.مبارك الخالدي كلمة المثقفين نيابة عنهم, وقد جاءت حافلة بالمطالب وتطلعات المثقفين, ومذكرة بتوصيات المؤتمر الثالث للأدباء السعوديين, متمنيةً تحقيقها.
وامتداداً لمنهج تكريم المبدعين كرمت وزارة الثقافة والإعلام أربعة من كبار المثقفين الذين انتقلوا إلى رحمة الله, وهم:
الدكتور غازي القصيبي والدكتور محمد عبده يماني والأديب عبد الله الجفري والأديب أحمد المبارك.
كما تم تكريم دور النشر الرائدة, وهي: الدار السعودية للنشر, ومكتبة المعارف, ومكتبة الثقافة, ودار اليمامة, ودار المريخ, ودار العلوم.
وتميز المعرض هذا العام بتنوع فعالياته الثقافية ولياليه الشعرية, بالإضافة إلى التوقيعات اليومية للكتب والدواوين والسير لعددٍ من المؤلفين والمؤلفات ضمن الأنشطة المصاحبة للمعرض. وبلغ عدد المؤلفين والمؤلفات الذين وقعوا إصداراتهم الجديدة مئة وخمسة وستين مؤلفاً ومؤلفة وذلك من خلال أربع منصات اثنتان للرجال واثنتان للسيدات تم تخصيصها في المعرض.
وجاء معرض الكتاب لهذا العام بحلة جديدة وبإضافات متميزة حيث هيأ المعرض ركناً خاصاً للطفل ضمن أجنحة تخصصت في تعليم الأطفال بطرق حديثة وبالتعليم بالترفيه وللأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
وشاركت نحو 54 دار نشر في الجناح الخاص بالطفل في المعرض, وازداد معرض الكتاب ألقاً بتزامنه مع انطلاقة البرنامج الثقافي المكون من 18 فعالية خلال أيامه العشر بواقع فعاليتين في كل يوم.
وتناول البرنامج الثقافي العديد من الموضوعات الثقافية والفكرية التي تهم الشأن المحلي والعربي والدولي مع التركيز على القضايا التي تشغل المهتمين في الجانب الثقافي والأدبي, بالإضافة إلى التطرق إلى الثقافة الهندية وصلاتها بالثقافة العربية باعتبار أن الهند ضيف الشرف. كما تطرقت الندوات للثقافة والفضائيات, إلى جانب مناقشة بعض قضايا الفكر الإسلامي الحاضرة في المشهد الثقافي والفنون الثقافية التقليدية في المملكة العربية السعودية. إلى جانب الأمسيات القصصية والشعرية لعددٍ من الأدباء, كما تعرضت الفعاليات الثقافية لأول مرة إلى الشأن المسرحي في المملكة.
على مستوى آخر شهد المعرض منذ انطلاقته حضوراً مكثفاً من فئة الشباب الذين حرصوا على اقتناء الكتب الفكرية والروايات والقصص بحسب إحصاءات المعرض. ولم تكن المرأة السعودية بعيدة عن التظاهرة الثقافية بل تعد من أبرز زوار معرض الرياض الدولي للكتاب, حيث سجلت حضوراً لافتاً طيلة أيام المعرض.
ومن أبرز مشاركات الجهات المعنية بتقديم مادة ثقافية وأدبية مشاركة أكثر من ثلاثة عشر نادياً أدبياً في المملكة لتقديم إصداراتها للزوار.
وتواصلاً للفعاليات الثقافية في معرض الكتاب استمتع الزوار خلال عشرة أيام بعرض فيلم سينمائي بعنوان (الطريق إلى مكة) يحاكي رحلة ابن بطوطة التي قام بها قبل أكثر من 650 عاماً في القرن الرابع عشر.