إنه لمن المثير جدّاً أن يتصدّر الحارث بن حلزة المشهد في الوقوف أمام خصمه اللدود، عمرو بن كلثوم التغلبي، فالحرب، حرب البسوس، وقعت خاصة بين تغلب ونصيرتها النِّمر بن قاسط، وشيبان ونصيرتها عِجل، ولا دخل لفروع بكر الكبرى الأخرى، مثل: حنيفة أو يشكر بها. وكان مسرح الحرب بعيداً عن ديارهما، ولاسيما يشكر. وكانت رحى الحرب تدور في وسط نجد، وبدقة تامة في الجزء الجنوبي من هضبة نجد، حيث (الذنائب)، و((ذو) حُسُم). أما ديار يشكر، فتقع في الشمال الشرقي من نجد، بعيداً عن وسطها. يقول ابن حلزة:
بعد عهد لنا ببرقة شمّا
ء فأدنى ديارها الخَلْصاء
فمُحَياة فالصِّفاح فأعلى
ذي فِتاق فعاذب فالوفاء
فرياض القطا فأودية الشر
بُب فالشّعبتان فالأبلاء
ويصف الهمداني بلاد بني يشكر، قوم الحارث بن حلزة، فيقول: (القري قري بني يشكر ثم القلتين، لبني يشكر، وعن يسار ذلك الشعبتان، وهما لبني ضَوْر من قيس بن ثعلبة، عن يسارهما وادي لحا، أسفله لبني يشكر، وأعلاه لضَوْر، من قيس بن ثعلبة، فمصعداً، ثم ترجع إلى بطن العِرض، فالفارعة، فالموصل لبني يشكر، ثم المصانع لضَور).
فإذا كانت (الشعبتان) في هذه الجهة، أي: جهة (بِرك) حتى (نساح): جنوب الحوطة، حتى وادي (لحاء): جنوب الخرج، فأطراف وادي حنيفة؛ فإن بقية المواضع لن تخرج عنها، أي: أن الحارث وقومه، حتى جيرانهم، أبناء جلدتهم، قيس بن ثعلبة، كانوا في هذه الأنحاء من نجد، فيما حاذى الحُلْوة والحوطة والخرج جنوباً، وأن هذه المواضع المذكورة كلها، دون استثناء: أودية من أودية (العَلاة)، باليمامة.
وليس الأمر متوقِّفاً على الموطن، بل إن الحارث بن حلزة يقول:
وبعينيك أوقدت هند النا
ر أخيراً تلوي بها العلياء
أوقدتها بين العقيق فشخصي
ن بعود كما يلوح الضياء
فتنوَّرت نارها من بعيد
بخزاز هيهات منك الصِّلاء
فالظعائن خرجت من ديارها، في جنوب شرق الرياض، واتجهت نحو الغرب، حيث (خزازى): جبل بالقصيم، ولا يمكن أن تكون قد خرجت من سواها، وفقاً لمنطق تحرك الظعائن دوماً من مواطنها.
إذن، لم يكن الحارث بن حلزة إلا ابن نجد، وتحديداً جنوب شرق اليمامة، ولم تكن دياره، كما ذكر ابن بليهد: (ولد في بلاد قومه بني يشكر، في بلاد ربيعة). ولقد ذكر ابن بليهد، وشاركه الجاسر الرأي نفسه: (وُلد في شمال الجزيرة، في بلاد ربيعة، وهي من العراق إلى خيبر، وأكثر إقامته فيها، وقد كثر التجوال في بقاع نجد).أي: شمال شرق الجزيرة العربية، في بادية العراق، فحتى يشكر نفسها لم تكن في تلك الجهات، فديارها اليمامة. ومفهوم (بلاد ربيعة) قديماً هو الجزيرة الفراتية، وليس شمال الجزيرة العربية، أما قول ابن حلزة:
إذ رفعنا الجمال من سعف البح
رين حتى نهاها الحِساء
وهو ما قد يُفهم منه أن الحارث يتحدّث عن تحرّكٍ من البحرين القديمة: شرق الجزيرة العربية، فالظعائن خرجت من ديارها في جنوب شرق الرياض، واتجهت نحو الغرب، حيث (خزازى): جبل بالقصيم، ولا يمكن أن تكون قد خرجت من شرق الجزيرة العربية، وفقاً لمنطق تحرك الظعائن دوماً من مواطنها، ولو أنها خرجت من البحرين، لذكر موضعاً من مواضعها، أو موضعاً من المواضع التي يمرّ بها. ويشكر نفسها لم تكن في تلك الجهات، فديارها اليمامة، وما رأت عينا الحارث بن حلزة البحرين قط، ولم تكن حتى بكر بقضّها وقضيضها تسكن (هجر)، أو (البحرين) بعامة، وإنما كانت بعيدة عنها، في غربيّها، ولهذا نجِد طرفة بن العبد يقول:
خذوا حِذركم أهل المشقَّر والصفا
بني عمّنا والقرض نجزيه بالقَرض
وهو من قصيدة (منحولة)، ومع ذلك، فـ(أهل المشقر والصفا): هم: عبدالقيس، وليسوا قيس ابن ثعلبة من بكر، قوم طرفة. ألم يقل الأعشى، في شِجار بين قيس بن ثعلبة وشيبان البكريتين:
فإن تمنعوا منا المشقر والصفا
فإنا وجدنا الخط جَمّاً نخيلها؟
الأمر الذي يعني أنهم ما كانت لهم إقامة بهجر، وإنما جاؤوها للامتيار فقط، بل حتى عندما انتقلت القبيلتان إلى (ديار ربيعة): شمال العراق، في الجزيرة الفراتية، ظلت العداوة مستعرة بين تلك القبائل الأولى المذكورة، ولاسيما شيبان وتغلب. وليس صحيحاً من بعدُ قول الجاسر: (بكر، وهؤلاء كانوا من أهل البحرين).
هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فإن أسباب قول القصيدتين متعددة، والذي يبدو أن الملك، عمرو بن هند أراد أن يوقع بين القبيلتين، بالتحريض بينهما، لإفساد علاقتهما، والتخلص من إحداهما، والتي كانت فيما يبدو تغلب. والقبيلة التي كانت تتخذ لها منازل في شمال الجزيرة العربية هي شيبان، الشديدة العداوة لتغلب، والتي حلت محلها قُبيل الإسلام تميم، وفي أواخر القرن السادس الميلادي كان شاعر بكر الشهير هو الحارث الذي استدعت العصبية القبلية حضوره فيه، ليواجه ابن كلثوم، فليس في الساحة من بكر آنذاك من بمستواه سواه.
وعلى العموم، تلك قصيدة الحارث بن حلزة (ت580م)، في مواجهة عمرو ابن كلثوم (ت584م)، وفيها يَبرز الحارث محامياً، مدافعاً عن قضية الحرب والسلام.
وأمر آخر له علاقة ببناء القصيدتين، فقصيدة عمرو بن كلثوم تبدأ بجزء خمري طويل، وهذا على غير عادة الشعراء الجاهليين، وإن أمكن إيجاد مسوِّغات لذلك، إلا أنه لا يمكن افتراض أن الشاعر قال الجزء الأول، ثم أضاف إليه الجزء الثاني في مرحلتين مختلفتين، فهذا ليس من طبائع الشعر الشفوي، أو شعر الطبع بشكل عام. وتواجه قصيدة الحارث بن حلزة الموقف نفسه، لأن أبا عمرو الشيباني قال: (لو قالها في حَولٍ لم يُلِمّ)، وهذا يعني الشعور بأن القصيدة بُنيت على مهَل وتأنٍّ، وعلى فترات، وأنه كان مستعدّاً للحدث منذ زمن بعيد، وهو أمر لا يعرفه الشاعر الشفوي التلقائي، الذي يفيض عنه الشعر، فيعبّر عمّا في نفسه بديهة، أو روية، وحضوراً، وتمكّناً، دون أن نلتفت إلى ما روَّجوه عن (الحوليات)، وخصّوا به زهير بن أبي سُلمى -أنموذجاً؛ تلك الفكرة التي هي خارج مفهوم الشعر، وأكبر دليل على بطلان هذه المزاعم أن مطولة لبيد، ليست كذلك في عرفهم، ولكنها في طبيعتها أشدّ تكويناً منها جمعيها، وقُلْ مثل ذلك عن بعض شعر هذيل وشعر سواهم! حتى إن الأصمعي يقول عن كافية زهير:
لَيأتيَنّك مني منطِق قَذَعٌ
باقٍ كما دنَّس القُبطيّةَ الوَدَكُ
(ليس للعرب قصيدة كافية أجود من هذه). وسويد بن كُراع (ت105هـ) ليس من (عبيد الشعر)، مع أنه يقدِّم في عينيته صورة صادقة للمعاناة في التلقي:
أبيت بأبواب القوافي كأنما
أُصادي بها سِرباً من الوَحش نُزَّعا
وفي ألقاب الشعراء (المتنخِّل)، وفي ألقاب القصائد (المحبَّرة)، و(المذْهبة) و(السِّمط)...
إذن، لدينا شاعران، كلاهما خاض موضوعَ الحرب والسلام، فمَن منهما يستحق حقّاً أن يكون داعية سلام في ظروف الحروب المشتعلة بين الفُرَقاء، وفي محاولة لإيجاد حلّ سلمي للقضية التي ينافح عنها؟ وأول فارق مباشر بين الشاعرين هو أن زهيراً (ت630م) ظل طيلة تلك الحرب الطَّحون -حرب داحس والغبراء- التي دامت أربعين سنة؛ صامتاً يكيل المدائح لسيّده، هرم بن سِنان المرّي، أحد أعمدة السلام المتأخرين، وما إن بدأت تباشير السلام تلوح، حتى راح يلهج بهذه المأثرة لسيّده، إنه استمرار للمديح، وانتهاز للموضوع فقط، لا سبقاً، ولا مطالبة ملحة بالتدخل السريع لإيقاف نزيف الحروب المستعرة منذ أمد طويل، يقول:
تداركتما عبساً وذُبيانَ بعدما
ت َفانَوْا ودَقُّوا بينهم عِطرَ مَنشِم
وأخذ يحذِّر من مآسي الحرب ويخوِّف منها، ويقصّ أخبارها، بعد أن أُنجِز الصُلح، ووضَعت الحرب أوزارها. ثم يختتم قصيدته بحِكم ذاتية، بعيدة عن أجواء السلام، لأنه -في واقع أمره- عاش غير مكترث بما يجري حوله، فلم يكن السلام قضيته أصلاً. كان على زهير أن يعلن موقفه من الحروب قبل نهايتها، لا بعدها، فكل شيء كان في الماضي:
وما الحرب إلا ما علمتمْ وذقتُمُ
وما هو عنها بالحديث المرجَّم
وفي المقابل نجد الحارث بن حلزة، وهو شيخ كبير، في سنّ زهير؛ شاعراً لم يكن ملتزماً بالوقوف مع صاحب فضل ومِنّة عليه، وإنما يقف حائلاً، معبِّراً عن موقف مبدئيّ، للحيلولة دون أن تندلع حروب جديدة كالتي أودت بالطرفين قديماً، وهو يقف أمام عجرفة قائد متهوّرِ وغطرسته، وواضح أن اللقاء بين الشاعرين كان بعد حرب البسوس بمدّة، وقد تمّ جمع القبيلتين على الصلح:
واذكروا حِلفَ ذي المَجاز وما قُدِّ
مَ فيه العُهودُ والكُفلاء
أي: بعد انتقال تغلب إلى الجزيرة الفراتية، فعمرو شيخ كبير أيضاً، ولكنه مغترّ بقومه، معتدّ بنفسه، متعجرف، لم تفِده التجارب، وتصقله السنون، معتزّ بقومه أيّما اعتزاز حتى قالوا، مع ما في هذه العبارة من مبالغة، وإن كان فيها بعض الصدق، لأنها قبيلة صغيرة الحجم كانت تواجه قبائل أكثر انتشاراً وأكثر عدداً: (لو أبطأ الإسلام، لأكلت تغلب الناس).
قدّم الحارث تحذيراته لعمرو ابن كلثوم بتعداد انتصارات قومه، والملحوظ هنا -تأكيداً على قوة تغلب- أن الحارث يُقحم بكر جمعاء، على ضخامتها، في المواجهة، مع يقينه بأن بكر كانت متفرقة آنذاك.
إننا نسمع في وسط ضجيج الحرب وقرقعة السلاح، والكل متأهب متوثب، صوتاً غير معهود إطلاقاً في المجتمع البدوي الذي يأبى التنازلات إلا بعد إراقة دماء غزيرة، صوتاً يقول:
إن إخواننا الأراقم يَغلو
نَ علينا في قَيلهم إخفاءُ
يَخلِطون البريء منا بذي الذَّن
ب ولا يَنفع الخَليُّ الخَلاء
إن مفهوم الأخوة بين الأعداء ذوي التاريخ الطويل من سفك دماء بعضهم -فتغلب وبكر ظلتا حتى في الإسلام تحملان ذلك التاريخ الدموي- لم يكن وارداً إطلاقاً بهذه النزعة، يقول القطامي، في العصر الأموي:
وأحياناً على بكرٍ أخينا
إذا ما لم نجِد إلا أخانا
وفي الجاهلية قال الفند الزماني:
صفَحنا عن بني ذُهلٍ
وقلنا القومُ إخوانُ
فلمّا صرَّحَ الشرّ...
إنها الجاهزية للحرب، ولْيُضرب بمفهوم الأخوة عرض الحائط، إذا ثارت بواعث الحروب. أما الحارث، فغير ذلك كلية، إنه يتودّد، ويترفّق بخصومه، في حُبّ شديد يحمله هذا التأكيد (إخواننا الأراقم).
وعلى الرغم من أن هؤلاء الأخوة تجاوزوا حدودهم في الاتهام. وحتى لا يوحي هذا العرض بالضعف أو الخوف يقدّم الحارث البراهين على قوتهم وقدرتهم على الصمود والمواجهة:
هل علِمتم أيّام يُنتَهب النا
سُ غِواراً لكلّ حَيٍّ عُواء
كما يحاول إقناع خصومه، الأراقم- سادة تغلب- بأن بكر لا تتحمّل وزر التعديات التي طالتها من غيرهم:
أعلينا جُناح كندة أن يَغنَم غا
زيهم ومنا الجَزاء
أم علينا...
إن صوت العقل الذي يتدخل في ذروة الأزمة لفض الاشتباك والنزاع هو الصوت الذي يتردّد في القصيدة كلها، وهو صوت يقدِّم الحُجج والبراهين درءاً لكارثة وشيكة، في صياغات شديدة العقلانية والتركيز، وفي خطاب هادئ رصين، يبعث على الأمل، ولا يستثير أو يُغضب، أو يَصخب، وإنما يتوجه لمخاطبة الضمير، الضمير الإنساني الذي هرع، لا لإشعال الحروب، بل لإطفائها، إنه صوت محبة وسلام، نسمع منه:
حَذَرَ الجَوْر والتَّعَدي وهل يَنْ
قُضُ ما في المَهارق الأهواء
وكانت النتيجة أن خمدت نيران الحرب في مهادها، وعمّ السلام، فهل وقف زهير هذا الموقف قبل أن تندلع الحرب المدمرة، أو حتى في أثنائها، أو أنه ظل صامتاً، غير مكترث بأهوال الحرب ومصائبها، بعيداً عنها، وغير منشغل بها، حتى جاءت لحظة استدعائها لتمجيد سيّده؟
أما من الناحية الفنية الإبداعية، فالقصيدتان -باستثناء المقدمة الطللية والرحلة فيهما- خضعتا لتوجيه عقلي شديد، جعل قصيدة زهير هدفها المدح فقط، وأضعفت خاتمتُها من وجدانيتها، فكأنها حِكم لا دخل لها بالموضوع. كما جعلت الصياغة التاريخية للأحداث في قصيدة الحارث تاريخاً، أكثر منه أدباً.