الاستشراق هو دراسة وتوثيق كل شيء يتعلق بالشرق من علوم وآداب وثقافة وتاريخ وآثار وفن... على يد رحالة وعلماء غربيين قدموا ودرسوا الشرق حسب مفاهيم غربية وعقيدة مغايرة، وتعددت الأسباب التي دفعت هؤلاء الرحالة الغربيين إلى زيارة الجزيرة العربية فقد تكون سياسية أو علمية أو مغامرة واستكشافاً، وبغض النظر عن الأسباب إلا أن الفرنسي (شارل هوبر) الذي دفع حياته ثمناً لمغامراته في الجزيرة العربية يعتبر من أهم وأفضل الرحالة الغربيين لدقة ملحوظاته وخلفيته العلمية، فلقد ترك لنا كماً هائلاً من المعلومات التاريخية والجغرافية والاجتماعية عن المناطق التي زارها، وسجل ووثق أجمل الاستكشافات والرسومات والخرائط في مذكراته.
ولد شارل هوبر في مدينة ستراسبورغ (Strasbourg) منطقة الألزاس (Alsace region) شمال شرق فرنسا سنة 1847م، تلقى تعليمه في مدينته التي تعرضت إلى دمار واسع خلال الحرب الألمانية الفرنسية 1870 - 1871، والتي نتج عنها ضم مدينته ومنطقة الألزاس نفسها إلى ألمانيا. وكان عليه الاختيار بين الجنسيتين الألمانية والفرنسية، فاختار الأخيرة. ويتضح أن اهتمام هوبر بالشرق كان مبكراً، إذ إنه كان قد بدأ دراسة اللغة العربية في باريس وبعد الانتهاء من هذه الدراسة قام بزيارتين إلى الجزائر في 1874م.
زار هوبر الجزيرة العربية في رحلتين، الأولى من 1878 إلى 1882 بتكليف من وزارة التعليم العام الفرنسية بمهمة مدتها أربعة أعوام للقيام بمسح جغرافي لشمال الجزيرة العربية، ونشر بعد عودته إلى فرنسا أكثر من ستة عشر نقشاً لحيانياً من العلا في مجلة الجمعية الجغرافية الفرنسية بباريس 1884م، وصدر عن هذه الرحلة كتاب تم ترجمته إلى العربية (رحلة في الجزيرة العربية الوسطى: الحماد. شمر. القصيم. الحجاز) ترجمة إليسار سعادة دار كتب (بيروت) ولكن للأسف الترجمة فيها بعض الأخطاء في أسماء بعض المواضع والأماكن من القرى والهجر والأودية والشعاب وكذلك أسماء الأشخاص والقبائل والعوائل.
والرحلة الثانية من عام 1883 إلى 1884م حيث أوفدته وزارة التعليم العام الفرنسية وقدمت له منحة جديدة لاستكمال أبحاثه وتوسيع دائرة مسحه الجغرافي للجزيرة العربية وقد اتفق مع الرحالة الألماني يوليوس أويتنج المختص بالنقوش الأثرية أن يشاركه في هذه الرحلة.
فزارا مدن شمال المملكة وشمال غرب المملكة مثل: دومة الجندل، وحائل، وتيماء، والعلا، ومدائن صالح (الحجر)، وانتهت الرحلة بمقتل هوبر سنة 1884م، وعودة أويتنج إلى بلاده، وكان اكتشاف مسلة تيماء من أهم نتائج تلك الرحلة وهي محل نزاع بين فرنسا وألمانيا وبالنهاية نقل هذا الحجر إلى فرنسا ولا يزال محفوظاً في متحف اللوفر، وتأتي أهميته من نقشه المكتوب باللغة الآرامية والذي يعود تاريخه للقرن الخامس قبل الميلاد.
ولم ينشر هوبر تفاصيل رحلته الأخيرة التي كان يسجلها إلا أنها وجدت وتم نشرها بعد رحيله بعدة سنوات بعنوان:
(JOURNAL D UN VOAGE EN ARABIE 1883-1884)
وفي عام 1435هـ أصدرت جامعة تبوك عملاً قيماً ورائعاً لرحلة هوبر الأخيرة بعنوان (يوميات في الجزيرة العربية 1883 - 1884) مجلدين، من ترجمة وتعليق الدكتور عبدالقادر محمود عبدالله وتحقيق ومراجعة عبدالرحمن الأنصاري ومجموعة، وهذا العمل يعتبر من أفضل الطبعات المترجمة لرحلة هوبر من حيث التحقيق والترجمة والمراجعة والطباعة.
ويقول عن بريدة: «إنها مركز تجاري كبير ويعيش أوج ازدهاره خلال الأشهر الأربعة من السنة التي فيها قطاف التمر، ومستوى المياه الجوفية يقع على عمق يتراوح ما بين 5 إلى 10 أمتار وللوصول إليها يجب اختراق ثلاث طبقات من الصلصال الرملي تبلغ سماكة كل واحد منها من متر إلى مترين».
ويقول بعد زيارته لعين بن فهيد: «إنها بلدة قديمة جداً يغذي نخيلها خمسة ينابيع. وفي ازدهار مضطرد وقد رأيت فيها عدة مزارع نخيل، وعلى مسافة 3 كيلومترات شمالاً أطلال قديمة تدعى قصر مارد وهو عبارة عن مبنى كبير مربع. وعلى بعد خطوات من القصر يوجد صخرة تحمل نقوشاً حميرية عديدة ولكنها ممحوّة ولم أتمكن من نسخ إلا بعضها».
ويقول هوبر: «جعلت حائل مركز عملياتي لأتمكن من تنفيذ سفرات طويلة بسهولة أكبر» ووصفها وصفاً كثيراً ومفصلاً، وذكر في شهر يناير من عام 1884م أن حائل شهدت أمطاراً غزيرة ومستمرة أصبحت تهدد كل مباني حائل، ومن الغرائب أن السمبوسة والمعجنات مع اللوز والحلوى وشرائح الليمون المغطاة بالسكر كانت في حائل قبل 142 عاماً عندما قدمها هوبر لضيوفه حسن بن مهنا وراكان بن حثلين. ويحدد أسعار الأجرة في ذلك الوقت من حائل إلى العراق للفارس مع خرجه 7 ريالات. للجمل المحمّل 10 ريالات. للجمل مع هودجين لشخصين 13 ريالاً.
الرحلتان كلتاهما تحتويان على كم هائل من المعلومات القيمة والممتعة بتفاصيلها أتمنى أن تجد الرحلة الأولى ترجمة تليق بالقيمة العلمية لها بدون أخطاء وبشكل أفضل.