مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

أدب المجتمعات الاستهلاكية

تزيد الأزمات الكورونية والأزمات الأخرى التي تحدث في العالم العربي تحديداً من الابتعاد عن الرومانسية التي توجت الكثير من الأعمال في القرون الماضية، واستقلت أدبياً بشكل تحرري عن كل ما هو غير منطقي من المثل العليا والأفلاطونية.. وغيرهما، فالتحلل البطىء لقيم الحداثة تسبب بكسر القيود التقنية بشكل عميق لما هو متمسك خطابياً بهياكل العمل وأشكاله الحداثية. إذ يمكن القول إن الحداثة وسُنة التطور تنسجم بشكل كبير مع التكثيف الأدبي غير الثابت على قواعد كلاسيكية والذي لا يندمج مع الممارسات الأدبية المعرفية التي يتم تقريبها أو إبعادها عن الأعمال التاريخية والنقد الأدبي ونظرية المعرفة. لأن ما بعد الحداثة هو قبل كل شىء يعتمد على بناء الأشكال الهجينة المرتبطة بالواقع الطبيعي للحقائق الحياتية، بينما الحداثة تشكلت من الوعي المعاصر للأدب وفلسفته التي تكشف عن قيمة الخطأ والصواب لما هو عقلاني وخيالي.
فهل يمكن اختزال التاريخ الأدبي وتحويله أيديولوجيا إلى مفهوم ما بعد الحداثة؟ أم أن أزمة الأدب هي إشكالية معرفية تهدف إلى اللجوء المباشر لواقعية تُسمى ما بعد الحداثة بعيداً عن التاريخ الماضي؟ وهل يمكن اعتبار تراجع القصيدة الطويلة لصالح القصيدة القصيرة والأخرى النثيرة هو لصالح الرؤية الجديدة للأدب؟ أم أننا ابتعدنا عن فهم مراحل العمل الأدبي من أجل خلق انطباعات وهمية معقدة للإبقاء على مفاهيم تقودنا إلى ما بعد الحداثة؟
لا يمكن للحاضر المعاصر أن يعيد إنتاج الأدب القديم الذي حملنا شعلته وتركناها لتضيء لنا الطريق نحو الحداثة وطبيعتها التي شكلت توازنات كبيرة في الكثير من الأعمال الفنية والأدبية، ولا يمكن للحداثة أن تنتفض على ذاتها ويصبح وهم ما بعد الحداثة هو المستقبل الأدبي الجديد، من أجل فهم المسألة غير المنطقية المتعلقة بالوجود الأدبي بشكل عام. فالأدب هو جوهر كل العلوم، وهو المعرفة في فهم المواقف الإنسانية منذ بداياتها التاريخية حتى الآن، في زمن بات يتسم بالسرعة، وبزعزعة الاستقرار الفكري وعدم اليقين بالأشياء التي تسرق من روح الزمن القديم رؤيته التي أنتجت الكثير من الأعمال الأدبية التي تشبه المنارة الأدبية القادرة على توليد الإشارات الحية للتوجه نحو الطريق الصحيح. فهل ما بعد الحداثة هو العتبة التي تحدد جميع الطفرات الأدبية؟ وهل يمكن إدارة التغييرات في الأدب وقد وضع الأدباء القدماء الأحجار الأولى؟ وهل أدب ما بعد الحداثة هو آني الزمن؟
دخلت ما بعد الحداثة في العقود الأخيرة إلى ما يمكن أن يُسمى في مرحلة التشكيك في السرديات والتقاطع التقليدي مع كل ما هو معاصر من خطابات. فهل يمكن فهم العملية العلمية لأدب ما بعد الحداثة، والبعض ينتقد ما يمكن اعتباره إنتاج المعرفة في حقبة معرفية جديدة تتميز بالتنوع في الكثير من المواقف التي كانت مرفوضة سابقاً؟ إذ يعتمد مروجوها على أنها تمثل التنوع الفكري والانتقادي لحداثة استندت على العديد من الإنتاجات الأدبية التي تعزز من قيمة الثروة الثقافية والتاريخية، والتنوع في العديد من وجهات النظر مع ما اقترحته الحداثة من نظرة موحدة لكل ما يحيط بنا من أفكار مثالية وإنسانية لمسناها في أعمال نجيب محفوظ مثل اللص والكلب وجورج أوريل.. وغيرهما. فهل ما بعد الحداثة ما زال في طور التكوين والتغير والتشظي والتباين؟ أم أنه تعددية افتراضية متنوعة الحقائق ومعقدة في معظم الانعكاسات الفكرية التي قدمتها الحداثة؟
لا يمكن تطوير منطق السرد في ما يُسمى ما بعد الحداثة، واعتباره الشكل الثقافي الجديد لزمن يمكن أن يُوصف بتطوير منطق الإنتاج الأدبي، والقدرة على منحه تقنيات معلوماتية جديدة معولمة ومرتبطة بالمجتمع الاستهلاكي السريع، وبالعلاقات الجديدة المعرفية التي تتغذى من قلب الواقع في المجتمعات ذات التغييرات التكنولوجية السريعة. إذ ليس الغرض من طرح هذه الإشكالية في هذا المقال هو تقديم الأسباب لتوليفة تحمل في طياتها العديد من التوصيفات الظاهرة والمبطنة لمفهوم يحمل في رؤيته تفسيرات تلخص نظرية ولدت من رحم الحداثة كمثال مزدوج لما هو تاريخي أو ما هو ماضي لحاضر تعددت فيه الطرائق الشكلية التي ترتبط بأنماط تتكاثر فيها الوظائف والدلائل التي تفرض نفسها على أدب أقل ما يُقال فيه إنه أدب المجتمعات الاستهلاكية التي غيرت من وجه العالم الجديد للأدب.
إن ما يحدث حالياً في العالم من تسارع فرض الكثير من التغيرات المجتمعية بمختلف أنواعها، وصولاً إلى الأدب الذي كان مستقراً، ومن ثم تأثر بالحداثة مع انتقال المجتمعات التقليدية إلى الحديثة بمختلف تحولاتها المعاصرة من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، واللحظة التاريخية لدخولنا فيها وفق نظريات وهياكل يتم تعريفها، والخلط بينها على أنها تحليل للواقع المتسارع الذي نعيش فيه. ليتم إدراكه بشكل نمطي ذي تأثير حديث محفوف بالكثير من التساؤلات حول ما إذا كان الأدب في دينامياته وأساسياته ما زال حديثاً، ويواكب تطورات الأجيال ونظرتها للأدب بشكل عام. فهل يمكن تحرير ما بعد الحداثة من القيود الكلاسيكية ومفاهيم الماضي الأدبي الذي ارتكزنا عليه حتى الآن؟ أم أن ما بعد الحدثة هو أدب موجه للعقل وتأملاته العلمية المرتبطة بفكرة الحرية والمساواة والعدالة والتقدم؟
إن طرحنا المعنى التعبيري لما بعد الحداثة، بكافة مصطلاحاته التي تحدد نوعاً من أشكاله، وبخاصة في الفن والثقافة والعلوم الاجتماعية؛ هو نوع من طفرة ما بعد الحداثة وتطورها في الأدب للحفاظ على شكلها التحرري وما تنطوي عليه من خصوصيات تتعلق بالفهم الاجتماعي للأدب المعترف به بكافة تطوراته المعاصرة، وقضاياه الحاسمة والمؤثر على الانفصال عن التقليد الذي رفضته ما بعد الحداثة من الناحية المفاهيمية والنظر الواقعية بجدليتها ومستواياتها كافة. فهل يخضع كل ذلك لمعايير ما زالت تتخبط بمفاهيمها وتحررها من القوالب والقواعد الثابتة وقيمها الموضوعية التي تميز أنواعاً أخرى من مفهوم ما بعد الحداثة؟ أم أن ما حدده المؤرخون منذ القرن الثامن عشر بأنه العصر الحديث سيفرض نهاية وبداية لما بعد حداثة لم يتم التخطيط لها ولكن فرضتها التغييرات العالمية المتسارعة؟
إن استطعنا فهم ما بعد الحداثة من خلال بعض الأعمال الروائية التي ولدت في حالة آنية؛ فإن ذلك سيخلق الكثير من التحولات التي يمكن اعتبارها أنظمة جديدة في التحول الزمني المجتمعي الذي أدى إلى تطور الحداثة بشكل تدريجي، وصولاً إلى ما بعد حداثة انقلابية، فهي انتقال من الحداثة إلى ما بعدها، كمشروع أدبي حديث، لأشكال جديدة من الرواية والقصة والقصيدة، وبطابع انعكاسي اصطناعي ثوري يرتكز على الكثير من الأسباب، وبسمات التحولات المتسارعة في العالم المعاصر. فهل يمكن وصف ما بعد الحداثة بالفترة التخريبية في الأدب؟ أم علينا انتظار الكثير من الإنتاج ما بعد الحداثي لنحدد نقاط التغيرات على كمّ يحدد الأسباب من وجهات نظر نقدية مختلفة؟
يبدو أن الحداثة امتلكت القدرة على تحقيق ذاتها، وانفصلت عن الماضي الكلاسيكي بأمل تجدد تلقائياً مع الفنون والتكنولوجيا الحديثة، وبتكرار لا نهائي شهدنا من خلاله على الكثير من الأعمال الروائية التي انتفضت على القديم بتحديثه أو بوضع نهاية له، بتغلبها على القوالب الثابتة والمثل الأفلاطونية بشكل جذري، وبإنتاج متوازن ومكمل لللأدب الذي يشهد فورة ما بعد حداثية. ربما تُعلن بذلك حقبة جديدة فتحت مرحلة مختلفة من الحداثة في عصر اتسم بالحداثة والأدب المعاصر وهو عصر السرعة والعولمة وشبكات التواصل الاجتماعي. فهل يمكن تحديد زمن ما بعد الحداثة بنهاية الحداثة وفق الاختلاف والتمييز في الصياغات اللامحدودة، وما هي بعد الحداثة التي برزت من الحداثة نفسها، القابعة على جنبات القرن الحديث، وباختلاف لا يمكن تجاوزه أو التعافي منه طالما بدأ الإنتاج الأدبي تحت خانة ما بعد الحداثة. فما هي نهاية الحداثة؟ وهل بدأت ما بعد الحداثة بتغيير وجه العالم الأدبي الجديد؟
ذو صلة