بعيد الفجر
على هذه الأرض الأكثر هشاشة
سيحمل الماء العاري لطخات الشمس...
حيث شاطئ الأوهام واليقظة الحمقاء.
إيمي سيزير. كراسة العودة إلى الوطن
على الرغم من تكهنات الكثيرين من فوز الأمريكي بول أوستر أو الكيني نقوقي واثينقو أو الياباني هاروكي موركامي، فاجأت لجنة جائزة نوبل العالم كله بفوز التنزاني عبدالرزاق قرنه الذي عاش طوال حياته بعيداً عن الأضواء وعن أية نجومية محتملة ولم يعرف سوى في دوائر أكاديمية ضيقة.
ظل قرنه، المولود في عام 1948 في تنزانيا، لما يقرب من أربعة عقود بعيداً عن الأضواء ومتفرغاً لتدريس الأدب والنظريات الأدبية المعاصرة، وعرف باهتماماته العلمية حول منجز فرانز فانون وإدوارد سعيد وبتركيز خاص على نظريات الخطاب ما بعد الكولونيالي. ولما أن ظهر بوجه إبداعي وتواترت رواياته منذ حوالي منتصف تسعينات القرن الماضي، تجلت تلك الاهتمامات بوضوح في نصوصه السردية، من تجارب الاستعمار وتداعياتها فيما بعد الاستقلال من مشروعات البناء والتعمير والتنمية الأمر الذي آل بها أن تكون، تلك القضايا، إلى شفرات ناشطة في متونه السردية وإن تنوعت صيغ السرد من واحدة إلى أخرى.
الهجرة والنزوح والاغتراب ولاحقاً (الأوهام التنموية) كما أسماها قرنه في أحد حواراته، في سياقات دولة ما بعد الاستعمار وطلائع مثقفي أفريقيا في مناهضتهم لتجليات تجربة الاستعمار في مجتمعاتهم المعاصرة كما هي أطروحة المفكر الهندي هومي بابا في كتابه الأكثر شيوعاً، (موقع الثقافة) حيث نظر إلى علاقة مستعمر -كسر الميم- ومستعمر -فتح الميم- في كونها حالة بارانويا بالغة التعقيد وكيف يجب الانتباه إلى تجليات تجربة الاستعمار في مجتمعاتنا المعاصرة دون محاولة الاشتباك الأفقي مع أسئلة الحداثة الغربية الممعنة في مركزيتها وبالتالي يمكن التقاطع في مساحة محدودة مع منجزه المعرفي وبشرط دون التماهي مع مقولاته. ما أشرنا إليه هو الأطر المفاهيمية والنظرية التي سعى قرنه لترجمتها سردياً.
كتب قرنه ما يقرب من عشر روايات ولكن أكثر ما كان استجابة في التلقي من القراء عموماً والنقاد والباحثين على وجه الخصوص روايته فردوس وشاطئ وقسوة قلب. فيما يخص النص الأول ألا وهو (فردوس) فقد وجدت رواجاً كبيراً وكتب عنها الكثير وفي حسباننا أنها نص محوري تسربت إليه هموم قرنه المشار إليها آنفاً ونجده هنا مستدعياً ذاكرة المكان والإنسان فيه وبصيغة السرد الأوتوبيوغرافية، كتب قرنه وبشغف هذا النص وبلغة باهرة- يبدو أنه توغل في أسرارها وحفظ منجزها وكذلك الثيمات التي أشرنا إليها تشتغل هنا بديناميكية: هذا هو الصبي يوسف، الشخصية المحورية في الرواية والذي انتقل إلى أو قل هرب إلى أوروبا وبكل ذلك الحنين إلى بلده في أزمنة النفي والاقتلاع تلك يعود للمكان الذي جاء منه، تماماً مثلما أشرت إلى أفق سيرة ذاتية كعنصر من عناصر البناء السردي:
«تذكر يوسف تلك الهضاب المكسوة بالخضرة، جبال من وراء البلدة الصغيرة تغطي ظلالها فضاء لا نهائي، شبح عجوز جلس في مقعد أمام أحد المحلات وقد وضع طاقية منسوجة حوافها من خيط من الحرير... نحن محاطون بمتوحشين يسكنون في تلك الجبال وحول تلك الأشجار... لا همّ لهم سوى اختطاف الأطفال».
وهكذا بلسان وصوت يوسف يفتح النص على بؤس المكان وعلاقات السلطة وتمفصلاتها في سياق بالغ التعقيد، إذن لابد من رحلة، رحلة طويلة في البحث عن فردوس مفقود إلى أن ينتهي الأمر إلى نفي واقتلاع وتشرد وضياع. وهكذا حضور الذاكرة الباهر وتفتيت لها وإعادة إنتاجها سردياً وبذكاء سردي مذهل يحورها قرنه إلى إيقاع سردي ربما عفّر به عوالمه وأزمنته الأفريقية بالطين، كما قال فورستر عن عوليسة جيمس جويس، قبل أن يعيد بناءه في ماعون السرد الذي اتسع في معظم أعماله، على الأقل التي اطلعت عليها، ليحتمل بؤس عوالم مفقودة ظل الصبي مسكوناً بها وسعى الكاتب لتفتيتها وإعادة تشكيلها مرة أخرى. وكان ذلك الفتى حمالاً لحقائبه على أحد أبواب الجنة، ذلكم الفردوس المفقود. وقد كتب محرر النيويورك تايمز ريفيو حين صدور الرواية معلقاً على نص فردوس «التقطت الرواية لحظة التحولات الكبيرة في أفريقيا والتغيير الكبير أيضاً الذي طال معظم أقاليم القارة فترة ما بعد الاستقلال وبعد أن تكرّس خطاب حركات التحرير آنذاك... حمل المتن السردي تأملات عميقة في معنى الحرية والانعتاق وفقدان البراءة».
بذات الصيغة السردية، كتب قرنه نصه الأعمق، في حسباني، ألا وهو قلب قاس، بترجمة حرفية للعنوان وذلك للاستعارات المعقدة حول العنوان الدال للرواية التي لا تفك مغاليقها إلا بقراءة الرواية كما نزعم، وذات الثيمات الأثيرة لديه: الفوارق الطبقية، الحب، الجندر، الاغتراب والمنفى وبالتأكيد (كراسة) العودة إلى الوطن. نجد تحولات نصية عديدة على مستوى اللغة، التي ازدادت كثافة هنا، والمخيلة واشتغالات الذاكرة التي لم تتوقف عن استعادة السواحل ورائحة القرنفل بإيقاعات نوستالجيا خيمت أشباحها على الرواية من أولها إلى آخرها. مسافة مرهقة يقطعها القارئ من أزمنة يوسف في رواية فردوس إلى أزمنة سالم في رواية قلب قاس. ينقلنا الراوي/الكاتب من عقد الستينات إلى عقد السبعينات من القرن الماضي. من بلاد الزنج (زنجبار) إلى بلاد الإفرنج (بريطانيا). العيش خارج المكان بلغة إدوارد سعيد، سالم الشخصية المحورية في الرواية، الذي لازمه شعور بأنه انفصل تماماً عن ذاكرته أو قل إنه انفصل تماماً عن جذوره وعن العوالم التي تركها من خلفه: وهذا ليس بغريب على قرنه الذي تمحورت ثيمات رواياته حول المنفى، النفي والاقتلاع، وبخاصة في نص آخر هو (شاطئ) -الشخصية المحورية هنا طالب اللجوء السياسي وما واجهه من إشكالات العيش في المنفى- إلا أن سالماً الذي تلقى تعليماً متيناً استطاع أن يحقق ذاته ويتفادى بؤس طالبي اللجوء السياسي ويجد وظيفة محترمة ضمن بها ألا يطرد من بريطانيا. هواجس المهاجرين هواجس من اقتلع من جذوره وأبعد قسراً عن تاريخه وذاكرة ثقافته التي حملها مجبراً إلى المنافي. كم كان سالم قاسياً حينما لم يستمع إلى أحد الحكماء في بلدته: ينبغي أن تسمع لقلبك. إلا أن قلب سالم انفطر ودهمته حمى الغربة والاغتراب. هذه الثيمات قد صنعت من هذا النص سرداً عظيماً وباهراً جعل من مشروع قرنه السردي مشروعاً يدخل من أوسع أبواب منجز السرد ورموزه.
نصوص قرنه تكشف عن وعيه اللغوي بالسرد وفي ذات الوقت وعيه السردي باللغة. كل الوقائع التي تتحول إلى واقع شعري بديع بتنويعه في توظيف اللغة في ضفر وتضفير الذاكرة والمخيلة. وبقدر ما أن لغة قرنه تتوافق مع حدسه وأحلامه وكوابيسه وحتى هذياناته، بقدر ما أنها تنطلق من أحداث ووقائع وذاكرة تتسع لتشمل عناصر من التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي تحيل القارئ إلى عوالم أفريقية محضة وذاكرة تضوع منها رائحة القرنفل الزنزبارية التي كم حنّ إليها مثلما فعل مواطنه فريدي ميركي (1948-1991) مغني الروك الزنزباري الأشهر الذي استوطنت روحه موسيقى مبهمة تعود لأزمنة زنزبارية حميمة تماماً كما فعل قرنه في سردياته الماتعة.