إنه (الأوديسة) فيلم كريستوفر نولان الجديد الذي طال انتظاره، الفيلم الأعلى تكلفة في مسيرة المخرج البريطاني، وربما الفيلم الأكثر ترقباً هذا العام عند جمهور وصناع السينما رغم كل الإنتاجات الضخمة المرتقبة.
استطاع نولان أن يقدم فيلمه -ونفسه بالتالي- كأهم التجارب السينمائية لهذا العام، بذكاء فني وتجاري قدم فيلمه كملحمة سينمائية معاصرة وليس مجرد تمثيل للملحمة الإغريقية الأشهر، فكل هذا الزخم عن أول فيلم IMAX بالكامل، والتفاصيل الإنتاجية الضخمة وعدم استخدام تقنيات المؤثرات الحاسوبية، بالإضافة لتسريبات طاقم الممثلين وما أثاره من جدل، أضاف إلى رصيد القيمة للفيلم ومخرجه، حتى من قبل طرح الفيلم في دور السينما. ذكاء فني -وتسويقي- يحسب لنولان بالطبع، وإن كان لا يجب على تقييمنا الحقيقي للفيلم، ففي النهاية يبقى شريط السينما الخام، أما المبالغات الصحافية والدعائية، فقصيرة العمر.
السيناريو الذي كتبه نولان نفسه يحمل بصمته الخاصة ككاتب قبل أن يكون مخرجاً، قدم نولان نظرته الخاصة والمعاصرة للأوديسة، ولم يقدم فيلمه كعرض لسردية هوميروس اليونانية الأسطورية، طبيعة (الأوديسة) كنص متعدد الأماكن وممتد عبر فترة عشر سنوت أعطت لنولان الفرصة للتعامل مع النص بمفهوم السيولة الزمكانية المحبب له: السيناريو ينتقل دوماً عبر الزمان والمكان، المكان ما بين (طروادة) وشاطئها وسورها المنيع، ثم المنهارة والمكلومة، (إيثاكا) الآمنة الغنية تحت حكم ملكها، ثم الفقيرة الغارقة في فوضى الخطاب المتطفلين، والأهم التيه.. تيه العودة عبر البحر عبر السنوات.. من جزيرة لجزيرة.. ومن خوف إلى خوف، ما بين الوحوش والمسوخ وأخطار الماء المهلكة، التيه الزمني أيضاً وليس المكاني، حين تضيع السنوات من أوديسيوس وتتلاشى الذاكرة تحت وطأة النسيان. في النهاية نجح السيناريو في تقديم فيلم يجمع بين عمق الرؤية وبساطة التقديم، قام نولان بدمج أو اختصار بعض محطات رحلة أوديسيوس ليستطيع تقديم رؤيته الخاصة للأحداث، واتضح في رؤيته الإسقاط على العالم بحالته المعاصرة، فعالم (الأوديسة) -مثل عالمنا المعاصر- غارق في الفوضى والرعب، حيث انهارت الأخلاق والقوانين ولم تعد تجد من يدافع عنها. القوي يتحكم بحكم القوة على رقبة الحق والعدل. عالم تغرقه الفوضى ويترصد به (الرجال القادمون من البحر) للقضاء عليه. الإخلاص أصبح تائهاً ومنفياً. ها هي (بينلوبي) تعاني الأمرين من إخلاصها لزوجها، بينما استقبلت (كليتمنسترا) زوجها (أجاممنون) قائد اليونانيين بالخيانة والغدر.
بشكل ما فإن الموضوع الأساسي للسيناريو هو -كعادة نولان- مضي الزمن وأثره، هزم اليونانيون طروادة لكن عاد ملوك اليونان وقد هزمهم الزمن! الزمن هو اللعنة التي تنزلت عليهم جزاء لما فعلوه في طروادة الآمنة. عادوا لعالم قد تغير وتجاوزهم وتنكر لبطولاتهم وملكهم، ها هو أجاممنون يقتل غيلة فور عودته في موكب انتصاره وخيلائه، ومينلاوس عاد بزوجته هيلين الخائنة، لكن بعد أن تحول وجهها الذي أقام الحرب إلى نصف وجه.
أما (أوديسيوس) صاحب الخدعة، فتلقى الخدعة الأكبر. خدعه الطريق وتخلت عنه الذاكرة. وقع في فخ الزمن وضاع منه الطريق (المكان) والسنوات (الزمان).
على مستوى الصورة، أريق الكثير من الحبر في الحديث عن تقنية الآيماكس في الفيلم، ربما عمل فيلم كامل بتقنية الآيماكس العريضة هو طموح خاص جداً بنولان، شهدت أفلامه السابقة تجارب عديدة ومتنوعة في التعامل مع تلك التقنية الحديثة نسبياً، لكن في (الأوديسة) اكتملت التجربة بعمل فيلم كامل بهذه التقنية الضخمة، ربما يكون لهذه التقنية أهمية خاصة في تكوين الصورة من وجهة نظر نولان، خصوصاً مع التعامل مع فيلم ملحمي بهذا المقياس الكبير، وربما يكون الآيماكس جزء من حملة دعائية ضخمة للفيلم، في ظل عالم أصبحت السينما فيه تقاس بالأحجام الكبيرة والتقنيات ثلاثية الأبعاد المبهرة للمراهقين، في النهاية لا يمكن الجزم أن (التجربة الكاملة والحقيقية) لمشاهدة فيلم الأوديسا تحتاج لمشاهدته على شاشة آيماكس، فرغم كل ما تم الترويج له عبر صفحات السينما المتخصصة فإن نسبة محدودة فقط من الشاشات عبر العالم ستكون ملائمة لعرض الفيلم بتقنية الآيماكس الأصلية كما أراد صانعوه، لهذا فإن تجربة المشاهدة (الأصلية) للفيلم عند غالبية المشاهدين ستكون على شاشات مختلفة.
لكن في النهاية جاءت صورة (الأوديسة) متميزة بمختلف مستوياتها، صورة (هويت فان هويتوما) جاءت ثرية ومليئة بالتفاصيل وملائمة لطبيعة الحال، أجاد كعادته التعامل مع أنماط الإضاءة المختلفة داخلياً وخارجياً، ومع إصرار نولان على استخدام الحد الأدنى من المؤثرات الحاسوبية، كان للتصوير والإضاءة الدور الأكبر في إثراء الفيلم وإظهار المؤثرات الخاصة بشكل واقعي ومبهر، ظهر هذا في مشاهد مثل مشهد كهف (السايكلوبس) وإضاءته الشحيحة والمعقدة، كذلك في مشاهد جزيرة سيرسي وتحويل البحارة إلى خنازير.
مع إضفاء بصمة بصرية خاصة على كل جزيرة أو موقع، فإيثاكا ليست مثل طروادة، ونار كهف السيكلوبس تختلف عن نار احتراق طروادة، وظلام قلب حصان طروادة يختلف عن ظلام قصر أوديسيوس في إيثاكا حين سيطر عليه الخطاب، بل إن البصمة البصرية ارتبطت أيضاً بعامل الزمن، إيثاكا المضيئة المشرقة تحت حكم أوديسيوس تختلف عن إيثاكا المظلمة والباهتة بعد رحيله، جودة الصورة وتنوعها من أهم عوامل القوة في هذا الفيلم، وتفسر الثقة التي وضعها نولان في مدير التصوير الهولندي الكفء للفيلم الثالث على التوالي.
على مستوى الصوت جاء الفيلم متميزاً، فبالنسبة للموسيقى التصويرية للودفيج جورانسن أجاد في تصميمها بروح مرتبطة بروح العصر، حيث أصر نولان على أن تبتعد الموسيقى التصويرية عن الموسيقى (الأوركسترالية) المعتادة لهذه النوعية من الأفلام، لهذا استخدم جورانسن تيمات أكثر بساطة وأدوات موسيقية قديمة أقرب لعصر الإغريق، المفارقة أن أهم استخدام للموسيقى وللصوت عموماً كان في مشهد مرتبط بالصمت! هو مشهد جزيرة الحوريات حيث لا نسمع سوى الصمت (لأن طاقم أوديسيوس قد سدوا آذانهم بالشمع ليتجنبوا إغراء غناء الحوريات). ثم تدخل الموسيقى التصويرية تدريجياً لتعبر عن غناء الحوريات المحرم، دون أن نسمعه، الموسيقى التصويرية هنا تقوم بدور تعبيري كبديل للحن محرم لم يسمعه أي بشري من قبل، بالنسبة للمؤثرات الصوتية فكان لها دور كبير في العديد من المشاهد، فتحجيم استخدام المؤثرات الحاسوبية أعطى مساحة أكبر للاعتماد على المؤثرات (التقليدية) في الصوت والصورة، نجد استخدام الصوت جيداً واحترافياً في كل مشاهد الفيلم تقريباً، باستخدامات وبصمات صوتية متعددة بين مشاهد المعارك ومشاهد كهف السيكلوبس وطبيعة صدى الصوت فيه، وبالطبع مشاهد السفن والبحر.
أما عن التمثيل، جاءت اختيارات التمثيل مناسبة للأدوار الرئيسة، لكن.. هل توجد مزحة داخلية (An Inside Joke) في اختيار مات ديمون تحديداً لدور أوديسيوس: التائه الأشهر في التاريخ؟ فالكل يعرف أن مات ديمون تحديداً هو التائه المفضل في السينما الأمريكية، حيث تكافح هوليود دوماً لتعيده للوطن منذ أكثر من 25 عاماً، منذ كان (الجندي ريان) وحتى الآن، بل إنه قد تاه مع نولان من قبل في (Interstellar)، لكن في الواقع قدم ديمون أداء متميزاً في شخصية أوديسيوس، ظهر وعيه بتفاصيل الشخصية في اختلافات أدائه بين المراحل المختلفة لعمر أوديسيوس، ونجح رهان نولان عليه في مشهد (غناء الحوريات) الذي اعتمد بالكامل على اللقطة القريبة لملامح وجه أوديسيوس ليصنع لقطة من أكثر لقطات الفيلم أيقونية.
آن هاثواي لها تاريخ طويل من العمل مع كريستوفر نولان، أدت الدور بتميز، مع شجاعتها في الاستسلام للمكياج الذي أظهرها في سن شخصية بينلوبي التي تركها الشباب وأثقلتها هموم الانتظار عبر عشرين عاماً، توم هولاند في دور تليماخوس ابن أوديسيوس: اختيار جيد مع ملامحه الأقرب للمراهقة رغم بلوغه الثلاثين، الاختيارات المثيرة للجدل؟ لوبيتا نيونجو في دوري (هيلين طروادة) وكليتمنسترا؟ وإليوت بايج في دور سينون؟ الحقيقة أن الأدوار التي أثارت كل هذا الجدل قبل عرض الفيلم بشهور طويلة لم تكن لتستحق كل هذه الثرثرة، هي شخصيات جانبية تظهر على الشاشة لدقائق معدودة، يبدو الأمر –أيضاً- مجرد حيلة تسويقية لزيادة الحديث عن الفيلم والاهتمام بتفاصيله والحجز المسبق لمشاهدته، ربما استلهم نولان الفكرة من زميله المصري مروان حامد والضجة التي أثارها اختياره لمنى زكي لدور أم كلثوم، لكن مع مشاهدة (الأوديسة) كاملاً انفجرت فقاعة الجدل إلى لا شيء، بل ربما يكون الاختيار المثير للجدل حقاً هو اختيار روبرت باتينسون في دور أنتينوس، وهو أقرب لدور شرير تقليدي يصلح لأدائه باتنيسون، أو غـــــــــير باتينســــــــون.
لا يمكننا لوم نولان على نزعته الدعائية والتجارية في التعامل مع أفلامه، ففي النهاية السينما هي صناعة كبرى تبحث عن الربح المادي في الأساس، ومثل هذه الحيل والابتكارات الدعائية قام بها هيتشكوك في زمانه في دعايته لـ(Psycho) مثلاً، لكن بمضي الزمن ستنطفئ أنوار الدعاية وتخبوا كشافات الآيماكس القوية، وتبقى السينما بصورتها الناعمة وما تقوله عن العالم والحب والزمن.