لطالما ارتبطت كلمة (الطليعة) بالريادة والاستحداث، وظلت عنواناً للجديد، وحين انتقلت هذه المفردة في القرن العشرين إلى حقل الفن والأدب والمسرح، احتفظت بدلالتها الأولى، لكنها اكتسبت معنى جديداً؛ معنى الخروج والتجاوز وكسر التقاليد السائدة. ولذا لم تكن (الطليعة) يوماً مدرسة فنية ذات ملامح ثابتة، كالطبيعية أو السيريالية أو العبثية، فهي ليست أسلوباً بعينه، وإنما موقف يتصدى لإرث المألوف الكامن فينا.
ومن هنا كان المسرح التجريبي، الذي سُمّي في ستينات القرن الماضي (بالمسرح الطليعي)، محاولة فنية جذرية لإعادة النظر في العلاقة بين المسرح والجمهور، وبين الماضي والحاضر، وبين ما هو كائن وما يمكن أن يكون، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم ظلت الطليعة السمة الأبرز الملازمة لعروض المسرح التجريبي.
وفي ضوء ذلك، يأتي العرض المسرحي السعودي (الناعشون)، إنتاج فرقة الطائف، تأليف فهد الحارثي، وإخراج أحمد الأحمري، ضمن فعاليات وعروض الدورة 33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ليطرح سؤالاً وجودياً: ماذا يحدث للإنسان حين يصبح الموت احتمالاً يومياً، وتتحول الحروب والأوبئة إلى قدر محتوم، في عالم تضيق فيه الحياة عن احتواء إنسانيتنا، ويطول الانتظار حتى يفقد معناه، فلا يتبقى لنا إلا أن نحمل بعضنا بعضاً.. إلى النعش؟
عرض مسرحي قابل لتأويله وتعدد معانيه
يناقش العرض العديد من القضايا الإنسانية والاجتماعية، كما يشتبك مع مجموعة من المفاهيم الكبرى (الظلم والعدل، الخير والشر، الحب والكره، الذاكرة والوعي، الخوف والهروب)، من خلال بناء درامي تمتزج فيه الواقعية بالعبث، كما يصف لنا حياة عدد من الشخصيات وبؤسها بسبب الغياب الواضح للوعي والمعرفة، بشكل يكشف عن عمق وبعد إنساني ثري يسمح بتأويله وتعدد معانيه، مما يخلق جماليات التلقي، عبر توظيف الأساليب المسرحية الحديثة لتحقيق خاصية سيولة الحركة في المكان، وسرعتها، وبانورامية الرؤية التي تميز التجريب المسرحي، من حيث تجاوز الحبكة أو الحدوتة التي تشغل سطح النص، لتنفذ إلى دلالاته الفكرية، ورؤاه الشعرية، ورسالته المضمرة. فالحدث الدرامي هنا هو حدث تكشفي يجسد مساراً نحو جوهر الإدراك، وما أن تنبثق شرارة الوعي حتى تشتعل ثورة (المعرفة)، وتتجسد رحلة الوعي هذه في متتالية من اللوحات التي تنتقل من القهر والاستغلال الاجتماعي إلى القهر والاستغلال الإنساني.
وكذلك يطرح العرض المسرحي على المُشاهد باقة من النوازع والدوافع المكبوتة في اللاوعي، يتم تجسيدها بوعي تام داخل الفضاء المسرحي، حيث إن بناء المسرحية الفني قائم على فكرة الكشف عن تلك المشاعر والأحاسيس المكبوتة، فالفعل هنا فعل (البوح)، وهو المحرض الرئيس لانفعالات الممثل، كما أنه يوحد الفكر، والشعور، والمخيلة، والتعبير الجسدي للممثل (الشخصية) في كل لا يتجزأ.
حيث يُعد (البوح المسرحي) هنا امتداداً عضوياً لذاكرة الجسد والروح، حيث لا ينفصل ما يُقال على الخشبة عما تُخزنه الذاكرة من تجارب، ومعاناة، وأحلام أيضاً، فالممثل حين يبوح على المسرح لا يستحضر النص فقط، بل يستحضر ذاته وتاريخه الشخصي، وأحياناً الجمعي أيضاً.
سينوغرافيا التفكيك البصري
تجلت قدرة المخرج (أحمد الأحمري) على إنشاء بناء مسرحي محكم يترجم رؤيته إلى حدث درامي يتطور من خلال جدليات المنظر المسرحي والتكوينات الجماعية التي يوظفها توظيفاً بنائياً دالاً، جنباً إلى جنب مع الكلمة المنطوقة، كما وظف جميع عناصر العرض المسرحي (السينوغرافيا) توظيفاً احترافياً واعياً بطبيعة تلك النوعية من العروض التي تنتمي إلى ما يسمى بـ(الواقعية التعبيرية)، فالمتفرج هنا يفكر بمشاعره وينفعل بعقله -إن جاز هذا التعبير- فهو لا يندمج كلية في الأحداث حتى يغفل عن دلالتها الشعرية التي يتطلب إدراكها قدراً من اليقظة، كما يحدث في استجابته للمسرح الواقعي التقليدي، كما لا ينفصل شعورياً عن الأحداث ليتأملها عقلانياً، كما تدعو تعبيرية بريخت.
فقد جاء المنظر المسرحي (التكوين المسرحي) شديد الفاعلية الدرامية في أغلب عناصره، حيث استطاع المخرج أن يقسم خشبة المسرح إلى مستويات متعددة، فاستغل المقدمة والمنتصف والعمق بشكل متوازن يخدم الحركة الدرامية، حيث استخدم المقدمة لتقديم المشاهد ذات التفاعلات القريبة والمباشرة، والمنتصف كمساحة ديناميكية لانتقالات الشخصيات، بينما وظف العمق لإبراز البعد المكاني والزماني، مما أضفى تنوعاً بصرياً وثراءً دلالياً على العرض.
وذلك بالتضافر مع الإضاءة لـ(عبدالله دواري)، التي لعبت دوراً فعالاً من حيث التنقل بين درجات الإضاءة الباردة والدافئة لدعم الحالات الشعورية المختلفة، مما أضفى ديناميكية على المشاهد وحفز انتباه المتلقي، كما لعب المكياج دوراً فعالاً في تحديد ملامح وانفعالات الشخصيات بشكل واضح ومميز لطبيعة كل شخصية درامية، متوافقاً ومتوازناً مع درجات الإضاءة بشكل كبير.
كذلك الملابس أيضاً جاءت مناسبة لروح وجوهر العرض المسرحي، كما أعطت اهتماماً كبيراً بالتفاصيل الدقيقة من الملحقات (الإكسسوار)، وكذلك فعل نفس الأثر التأليف الموسيقي لـ(سلطان ردة)، حيث كانت بمثابة المحرك الظاهري للشخصيات.
أداء تمثيلي متسم بالانضباط الجماعي
اتسم الأداء التمثيلي بانضباط جماعي ووعي بنائي مكنه من الإمساك بإيقاع العرض، كما تميز بالتنوع وتعدد المناهج التمثيلية، وهو ما تجلى في عدم التزام الممثلين بنمط واحد، فقد وظفوا أجسادهم كأدوات تعبيرية متغيرة، وقد تمكن كل من (سامي الزهراني، بدر الغامدي، ممدوح الغشمري، عبدالوهاب فندي، عادل الحارثي، أحمد الخمري، سعود المالكي، مطر السواط) من تجسيد هذا التحول بدقة عالية، حيث أتقنوا الانتقال السلس بين الأقنعة المختلفة للجسد، وقد صاحب هذا التنوع جهداً إخراجياً دقيقاً مع الممثلين، جعل كل حركة، وكل إيماءة، وكل انفعال محسوباً بدقة.
(ويبقى الأثر)
هكذا قدم العرض المسرحي (الناعشون)، تأليف فهد الحارثي، وإخراج أحمد الأحمري، على خشبة مسرح ميامي بالقاهرة، عرضاً مسرحياً يثير الحيرة والشك في نفس (المتفرج)، من خلال تشكيل فني وبناء دلالي للصورة المسرحية (السمعية والبصرية) مكتمل العناصر الدرامية، عبر نصٍ وعرضٍ يمارسان حرية التصور، مستهدفين إنارة الوعي، وتحرير الفكر، ورحابة المشاعر، فالحرية إذن هي ضرورة لا غنى عنها للمسرح -كاتباً وفناناً ومتفرجاً- فبدونها لن يتحقق الحوار داخل المسرح أو داخل نفس الإنسان وعقله.. ومن ثم يبقى الأثر.