مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

الغرائبي.. عزاءً قراءة في فيلم ODYSSEY على ضوء مقولة المستشرق الفرنسي فليجانس فرينيل

وردت عبارة (الغرائبي عزاء الجهلة) منسوبة إلى المستشرق الفرنسي فيلجانس فرينيل في القرن التاسع عشر. وقد أوردها الدكتور عبدالله الخطيب في كتابه (قلق القول) الصادر عام 1447هـ عن دار (أما بعد) في نجران. وتشير المقولة إلى ميل الإنسان إلى التعويض عن نقص المعرفة والفهم باللجوء إلى العجيب والأسطوري، بوصفه تفسيراً مريحاً للوجود.
وقد تزامنت قراءتي لهذا النص مع مشاهدتي للفيلم السينمائي الطويل ODYSSEY، الذي امتد عرضه لثلاث ساعات. وهو اقتباس معاصر لملحمة (الأوديسة) لهوميروس. لفت نظري أن المعالجة الإخراجية للفيلم اتجهت اتجاهاً واضحاً نحو المبالغة البصرية وتضخيم العنصر الخرافي في السرديات الإغريقية والرومانية، على حساب البُعد الإنساني والفلسفي للنص الأصلي.
إن الإشكالية هنا لا تكمن في استخدام الخيال، فالأدب الملحمي قائم أصلاً على المزج بين الواقع والأسطورة. لكن الإشكال يظهر عندما يتحول (الغرائبي) من أداة سردية إلى غاية في ذاته. لاحظت في عدة مقاطع أن المخرج لجأ إلى توسيع دائرة المُشاهَد العجائبي بشكل لا تبرره ضرورة درامية، وإنما تبرره رغبة في استقطاب جمهور أوسع عبر الإبهار البصري. فتحولت شخصيات مثل سيرس والسيكلوب والآلهة إلى صور استعراضية، واختُزلت الدلالات الرمزية للرحلة إلى سلسلة من المؤثرات الخاصة.
ومن منظور نقدي، يمكن وصف هذا التوجه بأنه (علف ثقافي): مادة استهلاكية سريعة تقدم للمتلقي جرعة من الدهشة دون أن تطالبه بجهد تأويلي أو تفكيري. وهنا تتقاطع التجربة السينمائية مع تحذير فرينيل. فعندما يتجاوز الغرائبي حده المعرفي والجمالي، فإنه لم يعد وسيلة لكشف العالم، بل يصبح آلية للهروب منه. والجمهور الذي يتلقى هذا النوع من الخطاب يجد فيه عزاءً سهلاً، لأنه يعفيه من مواجهة تعقيدات النص ومن طرح أسئلة الوجود التي حملتها الملحمة: معنى العودة، والهوية، والصبر، والاغتراب.
إن الأوديسة في أصلها ليست سرداً للوحوش فحسب، بل هي أنثروبولوجيا للإنسان المتحول. أما في تجسيدها السينمائي الأخير، فقد طغى البُعد المادي والتقني على البُعد الرمزي، فصار أوديسيوس بطلاً خارقاً، وصارت بينيلوب هامشاً، وصار البحر خلفية.
وخلاصة القول: كان المستشرق فرينيل محقاً في ربطه بين الغرائبي والجهل حين يخرج عن وظيفته. فليست مهمة الفن أن يضاعف العجائب لإرضاء السوق، بل أن يوظفها لخدمة فهم أعمق للإنسان. وعندما تخفق السينما في ذلك، فإنها لا تقدم ملحمة، وإنما تقدم عزاءً مؤقتاً للجهل، لا يلبث أن يتلاشى مع نهاية العرض.

ذو صلة