أتاحت الثورة التكنولوجية جملة من التقنيات الرقمية وشبكات تواصل افتراضية وإمكانات تعبيرية غير مسبوقة، استطاعت نقل الأدب إلى فضاءات جديدة تتجاوز حدود الصفحة المطبوعة، ليتحول من أدب ورقي إلى أدب رقمي عبر توظيف الوسائط المتعددة، والروابط التشعبية وآليات التفاعل التي تجعل القارئ شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى. وهو ما يستدعي إعادة النظر في مفاهيم مركزية مثل سلطة المؤلف ووظيفة القارئ وبنية النص وحدود النوع الأدبي. وبناء على هيمنة الوسائط التكنولوجية والرقمية ظهرت عدة أجناس أدبية رقمية تفاعلية من قبيل الرواية التفاعلية والقصة القصيرة التفاعلية والقصيدة التفاعلية، وكذلك المقامة التفاعلية. وآثرنا في هذا المقال دراسة المقامة التونسية للمدون الجزائري حمزة قريرة، للبحث في خصائص المقامة الرقمية التفاعلية ومدى تطابقها أو اختلافها عن المقامة التراثية.
فهل حافظت المقامة في زمن الرقمنة على خصائصها الفنية أم وقع تحريفها؟ وهل بالإمكان مقاربة المقامة الرقمية بنفس المناهج التي نقارب بها المقامة التراثية؟
المقامة الرقمية وتجاوز القديم
لقد بتنا اليوم نتحدث عن ترقيم الأدب Numérisation وهو (عملية نقل أي صنف من الوثائق من النمط التناظري (أي الورقي) إلى النمط الرقمي، وبذلك يصبح النص والصورة الثابتة أو المتحركة والصوت أو المؤلَّف مشفراً إلى أرقام، لأن هذا التحويل هو الذي يسمح للوثيقة أياً كان نوعها بأن تصير قابلة للاستقبال والاستعمال بواسطة الأجهزة المعلوماتية). وتنتمي المقامة التونسية إلى هذا النمط من الأدب، وهي واحدة من (مقامات الوهن العربي) الثماني للمدون للجزائري حمزة قريرة. وقد خص كل وطن بمقامة من قبيل المقامة التونسية/ المقامة السورية/ المقامة المغربية/المقامة اليمنية/ المقامة الليبية/المقامة الخليجية/ المقامة الجزائرية. وهو تصنيف يحاكي تصنيف الهمذاني لمقاماته، إذ أن (مؤلف الهمذاني غني بالتجوالات وأسماء المكان، إحدى وعشرون مقامة (من مجموع اثنتين وخمسين) تحمل اسم مدينة أو منطقة). وقد عرف المدون المقامة التفاعلية بمقال في موقعه يحمل عنوان المقامة التفاعلية (الرقمية) مفهوم يتأسس بقوله: (في محاولة مني لتقديم هذا الفن قمت بإنتاج نص تجريبي بعنوان (مقامات الوهن العربي)، وفيه أنتقل من دولة إلى أخرى وأسرد مغامرتي فيها وبدأتها بتونس، وتعد المقامة وأحداثها قريبة من الحقيقة والواقع فقد عشت أغلب الأحداث فيها لكن بنسب متفاوتة).
وقد نلمس المسحة الساخرة والنقد اللاذع لمقامات حمزة قريرة منذ العنوان الرئيسي (مقامات الوهن العربي)، فكما هو ملاحظ فقد استبدل المُدون عبارة (الوطن) بـ(الوهن) وفي ذلك إشارة إلى أحد أغراض كتابة المقامة، وهو نقد المجتمعات العربية وما آل إليه واقع (الوطن العربي) في العصر الحديث، من ضعف ووهن وفساد لتتحول المقامة، وفق ذلك، إلى خطاب نقدي غير مباشر. مثلما كانت للمقامات الرقمية غاية أخرى أدبية، وذلك بيّن في قول حمزة قريرة: (وهدف المقامة التفاعلية الرقمية هو إحياء التراث المقامي بالدرجة الأولى وجعله مواكباً لعصر الرقمنة، كما تهدف إلى تمرير مستويات اللغة الراقية المحملة بالبلاغة إلى المتلقي العادي فيؤدي ذلك إلى إحياء اللغة عند العوام). ولذلك يمكننا القول بأن اللغة الأدبية المنمقة لم تكن الأداة المثلى والوحيدة لدى حمزة قريرة في كتابة مقامته، وإنما استعان بالوسائط التكنولوجية والرقمية من أجل ترسيخ فن أدبي تراثي وضمان استمراريته في زمن بات فيه القارئ مَلولاً وشغوفاً بالوسائل التكنولوجية.
قد لا تختلف المقامة الرقمية التفاعلية عن المقامة التراثية، إلا أنها تصاغ بأسلوب جديد يحاكي التطورات التكنولوجية والرقمية التي يشهدها العالم في الوقت الراهن. وتشكل علاقة المقامة التونسية بالوسائط الرقمية تحولاً نوعياً في مفهوم المقامة ذاته، إذ انتقلت من نص لغوي مغلق إلى خطاب وسائطي مفتوح تتداخل فيه الكلمة مع الصورة والصوت والتفاعل. وبهذا التحول لا تفقد المقامة أصالتها بل تعيد صياغتها داخل أفق رقمي يوسع وظائفها الجمالية والتداولية ويؤكد قدرة الأجناس التراثية على التكيف مع شروط العصر.
وقد تحتفظ المقامة التونسية الرقمية بجوهرها السردي القائم على الحكاية والمفارقة والبعد النقدي؛ غير أن بنيتها تخضع لإعادة تنظيم. فالنص يقدَّم غالباً في وحدات قصيرة قابلة للقطع وإعادة الترتيب بما ينسجم مع طبيعة القراءة على الشاشات. أما عن موقع الراوي ووظائفه فتختلف في المقامة التونسية عنها في مقامات الهمذاني. ففي مقامات الهمذاني يتجسد الراوي عيسى بن هشام بوصفه إطاراً حكائياً ثابتاً يضطلع بوظيفة النقل والوصف مع المحافظة على مسافة نقدية محدودة من الحدث، وتكريس مركزية البطل المحتال، بما يخدم البنية التقليدية القائمة على الحيلة واللغة المنمقة. أما في المقامة التونسية فإن الراوي يتجاوز دور الوسيط السردي ليغدو ذاتاً واعية منخرطة في الحدث، تعبر عن موقف فكري واجتماعي، وتعيد توجيه السرد نحو مساءلة الواقع المعاصر. وهذا التحول في موقع الراوي قد انجر عنه -بالضرورة- تحول في موقع القارئ ودوره، وهو تحول أفرزته الوسائط الرقمية.
ما يمكن ملاحظته في المقامة التونسية أن الكاتب قد أتبعها بفيديو يتضمن مقطعاً من قصيدة (يا تونس الخضراء) لنزار قباني، ويبدو أنها ملقاة بصوت المدون نفسه. ولعل في هذا المزج بين السردي والشعري استحضاراً للخصائص الفنية للمقامة التراثية التي تقوم أساساً على تداخل النثر بالشعر، وقد يعيد توظيف الصوت في المقامة الرقمية إحياء البعد الشفوي لفن المقامة.
وفي أسفل الفيديو، نجد عنواناً كتب بخط بارز باللون لأحمر (رأيت من بين ما رأيت مطعماً يبيع لحم الضأن..كأني لحظتها في المنام)... وبمجرد النقر على الرابط يجد القارئ نفسه أمام الجزء الثاني للمقامة الذي عنونه بـ(حفلة شواء) تتخلله أغنية الشواء وصوراً للحم المشوي والفواكه، وهكذا يجد القارئ نفسه ينتقل من رابط إلى آخر إلى أن يتم أجزاء المقامة.
ونلاحظ مما سبق، أن للصورة والفيديو دوراً أساسياً في المقامة التونسية الرقمية، حيث تنتقل الوظيفة الإحالية من اللغة إلى الوسيط البصري. ويفضي هذا التوظيف إلى ربط السرد بمرجعية واقعية أو تاريخية وتوسيع أفق التلقي عبر المزج بين التخييلي والتوثيقي. وهذا التداخل بين كل الوسائط المذكورة وتفاعلها يبين أن (النص التفاعلي أو النص الرقمي هو نص مهجن (hétérogène) بامتياز تتداخل فيه مجموعة من النصوص والروابط والوسائط والعوالم، فهناك النص الأدبي والنص الصوتي المسموع والنص البصري). ولذلك فإن الدارس للمقامة التفاعلية أو لأي جنس أدبي تفاعلي عليه أن يأخذ في الاعتبار جميع المستويات الخطابية الحافة بالنص التفاعلي من قبيل المستوى اللغوي واللساني السمعي البصري.. وغيرها من المستويات التقنية الأخرى، إذ لم يعد النص الأدبي مجرد بنية لغوية مغلقة تُقرأ وفق تسلسل خطي بل بات كياناً ديناميكياً مفتوحاً، يتشكل من خلال التفاعل بين النص والتقنية والمتلقي.
حدود المقامة الرقمية التفاعلية
لئن شكلت المقامة التفاعلية نقلة نوعية في التعامل مع النصوص التراثية وتحويلها إلى نصوص رقمية أو مادة أدبية تستجيب لمتطلبات العصر وتواكب العالم الرقمي؛ فإنها لا تخلو من مآخذ ونقائص نقدية وإشكالات معرفية. ومن أبرز هذه المآخذ ما تعلق بإشكالية التلقي نظراً إلى غياب إطار نظري نقدي عربي قادر على استيعاب خصوصيات المقامة الرقمية. وبناء على ذلك، فإن مقاربة هذا النوع الأدبي المستحدث تقتضي تجاوز الأدوات النقدية التقليدية التي لم يعد بإمكانها استيعاب أبعادها الرقمية، والبحث عن مناهج تحليلية بديلة قادرة على تمثل التداخل بين الأدب والتقنية والوسائط الرقمية. أما في غياب هذه المناهج فإنه يصعب تقييم هذا الضرب من الأدب الهجين الذي لا ينبني على الملكات اللغوية والبلاغية فحسب، بل ينبني أيضاً على مهارات تكنولوجية يتداخل فيها البعد الأدبي بالبعد التقني. وقد تنزع المقامة الرقمية إلى تغليب البعد التقني والبصري على العمق اللغوي والبلاغي، وهو ما يضعف البنية الحكائية أو يؤدي إلى تشظي المعنى والمقامة معاً، فضلاً عن تشتيت انتباه القارئ الذي سيجد نفسه موزعاً بين النص المكتوب والوسائط التفاعلية الحافة به.
ومن مآخذ المقامة التفاعلية أيضاً، صعوبة توثيقها، وذلك لارتباطها بوسائط رقمية وبرمجيات قابلة للتجديد أو الزوال وظهور وسائط أخرى في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا، وهو ما يفضي حتماً إلى زوال المقامة وعدم استمراريتها مقارنة بالمقامة التراثية التي ضمنت مكانتها وحمت نفسها من الاندثار على مدى عقود طويلة. وإن هذا الأمر لا يخص المقامة الرقمية فقط وإنما تشترك فيه جميع الأجناس الأدبية التفاعلية.