مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

تقرير السعادة العالمي.. زيف ممنهج

كما هو الحال في كل عام، في العشرين من مارس، من المرجّح أن يتصدّر أمام ناظريك فيضٌ من العناوين الإخبارية التي تضجّ بنبأ صدور تقرير السعادة العالمي. فها هي وكالة أسوشيتد برس تطالعنا بـ(مانشيت) يصدح قائلاً: فنلندا تتربّع مجدّداً على عرش أسعد بلاد الدنيا، بينما تهوي الولايات المتحدة إلى حضيض لم تدركه من قبل، حتى إنّ مجلة فوربس تناولت الموضوع من منظور فلسفي، واعدةً قرّاءها بخمسة دروس مستقاة من تجربة فنلندا، التي تُصنَّف مرةً أخرى كأسعد دولة في العالم.
صدر هذا التقرير عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، بالتعاون مع ركز أبحاث الرفاه بجامعة أكسفورد، ليحمل بين طياته فحوى لم تتبدل معالمها ولم تَحِدْ عن جادّتها منذ انطلاقته الأولى في عام 2012، إذ لا تزال بلدان إسكندنافيا تتربّع على عرش السعادة العالمي، فجاءت فنلندا في طليعة الركب لهذا العام، تَقفو أثرَها كلٌّ من الدنمارك وآيسلندا والسويد. وفي المقابل، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية - على الرغم من كونها صرحاً شامخاً من صروح الثراء والتمكين الاقتصادي - لا تزال تتخلّف عن ركب الصدارة، فلم تحصد في مضمار هذا السباق العام إلا المركز الرابع والعشرين من بين مئة وسبع وأربعين دولة شملها التقرير، لتتوارى بذلك خلف دول أقلّ منها ثراء وأضيقَ مورداً، كليتوانيا وكوستاريكا.
لا بدّ لي من الاعتراف بأنّ ريبة تجاه هذا التصنيف قد راودتني منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناي عليه، ولأنّ لدي عائلة في كلّ من السويد والدنمارك على حدّ سواء، قضيتُ شطراً غير يسير من العمر في ربوع الدول الإسكندنافية، ورغم يقيني بما ترفل فيه تلك البلاد من مزايا لا تُنكر، إلا أنها لم تتبدَّ لي يوماً في صورة جِنان البهجة أو معاقل السرور، فهي بلاد يغشاها الزمهرير، ويلفّها الظلام جلَّ أيام السنة، ناهيك عن طبيعة شعوبها التي تميل إلى الانطواء المفرط والتباعد الاجتماعي الصارم، وحين تجوب أرجاء مدينتي كوبنهاجن أو ستوكهولم بساحاتهما الفاتنة، يندر أن تقع عيناك على ثغر باسم أو وجه طلق. فهل يُعقل، حقّاً، أن تكون هذه البقاع هي الأكثر غبطةً وسعادةً على وجه البسيطة قاطبة؟
لذا، إجلالاً واحتفاءً بـ(يوم السعادة العالمي)، عقدتُ العزم على أن أتبع حدسي، وأغوص أكثر في غمار البحث والتقصّي حول هذا الشأن بعمق وجلاء، بيد أنّ ما تبيَّن لي كان أنكى وأمرَّ مما تخيّلته؛ فإذا أردتُ الحديث بلغة منمّقة، قلتُ إنّ تقرير السعادة العالمي يرزح تحت وطأة معضلات منهجية جمّة، أمّا إذا آثرتُ الصدق والقول الفصل، فهو محضُ تقرير زائف ومضلِّل.
غالباً ما توحي التقارير الإخبارية المتواترة حول تقرير السعادة العالمي بأنّه ثمرةُ جهود بحثية مضنية واستقصاءات علمية، فبينما تشير صحيفة نيويورك تايمز -في معرض حديثها عن نسخة العام المنصرم - إلى أن التقرير يُصاغ سنوياً برعاية ائتلاف من الهيئات، يتصدّرهما منظمتا الأمم المتحدة ومعهد غالوب، حذّرت في نبرة قاتمة معلنةً أن الولايات المتحدة قد خرجت من قائمة العشرين الكبار، دون أن تشوب صياغتَها شائبة من ريبة، أو تلوح في أفقها لفتة من تشكيك في مدى موثوقية مثل هذه النتيجة.
في ضوء هذه التصريحات الواثقة، وفي ظل غياب أي أصوات ناقدة في جل هذه التقارير الإخبارية، قد يُعذر المرء إذا خُيِّل إليه أن هذا التقرير يعكف على تقييم مستويات السعادة في كل بلد من بلدان العالم تقييماً دقيقاً، مستنداً في ذلك إلى منهجية بالغة التعقيد، تجمع -على الأرجح- بين المعايير الذاتية والموضوعية على حدّ سواء. بيد أنّه، بمجرد إمعان النظر والتمحيص، يتكشّف لنا أنّ تقرير السعادة العالمي لا يرتكز على أي جهد بحثيّ جوهري، فبعيداً عن قياس مدى سعادة الشعوب عبر مزيج متطوّر من المؤشرات، نجده يكتفي بمجرد تجميع الإجابات عن سؤال واحد يتيم، وُجِّه إلى عينات محدودة نسبياً من الأفراد في كل دولة:
تأمّل معي سلّماً، درجاته مرقومة من الصفر قابعاً في القاع، إلى العاشرة شامخة في الذروة. لنفترض أن أعالي هذا السلّم تختزل أبهى حياة تصبو إليها النفس، وأنّ أدناه يجسّد أسوأَ ما قد يؤول إليه من مآل، فإذا كانت العاشرة هي الغاية في الكمال، والصفر هو القرار في الشقاء، فأين ترى موطئ قدمك على درجات هذا السلم في لحظتك الراهنة؟
إن المعضلة الجلية التي تعتري هذا التساؤل -والموسوم بـ(سلّم كانتريل) – تكمن في كونه ينأى تماماً عن جوهر السعادة ومعناها الحقيقي، إذ كشفت لنا الاستطلاعات المستفيضة أن ثمة بوناً شاسعاً وفارقاً جلياً في استجابات البشر حين يتم سؤالهم عما يحقق رضاهم العام عن مسيرة حياتهم، وبين تلك اللحظات التي يُسألون فيها عن كنه مشاعرهم الآنية ومدى بهجتهم في وقتهم الراهن. إن إنجاب الذرية، على سبيل المثال، يغمر وجدان الوالدين بشعور متعال بسمو الغاية وفحوى الوجود، بيد أنه -ويا للمفارقة- لا يُترجم بالضرورة إلى فيض من السعادة الآنية في أي لحظة معيشية معينة، حتى في تلك الأوقات التي يقضونها في كنف أطفالهم. وعليه، فإن أي تصنيف يرتكز استقصاؤه حصراً على (سلّم كانتريل) لن يمنحنا، في أقصى تقديره، سوى ما يمكن تسميته بـ(تقرير الرضا الذاتي عن الحياة على مستوى العالم)، ومن هنا نفهم لماذا لن يُغري مثل هذا العنوان الصادق العديد من الصحفيين للكتابة عنه.
إن المعضلة الأقلَّ جلاء في (مقياس كانتريل) لا تكمنُ فحسب في قصوره عن سبر أغوار الرضا الذاتي لدى المستطلَعةِ آراؤهم، بل في إخفاقه الصارخ في قياس كنهِ حياتهم؛ فبينما انبرى فريقٌ من الباحثين لاستنطاق أكثرَ من ألف مشارك في المملكة المتحدة حول فحوى هذا السؤال وما يرمي إليه، جاءت الإجابات الأكثر شيوعاً لتتمحور حول مفاهيم الثروة، والغنى، والنجاح، ما يكشف عن خلط مفاهيمي عميق بين جودة الحياة وبريق المقتنيات. وكما بيَّن أوغست نيلسون وزملاؤه في تفنيد بليغ وجهد دقيق، فإن لغة السؤال في طيّاتها ملامح تستدرج وعي المجيب، إذ إنَّ السُّلَّم كاستعارة، والتركيز على صورتي الدرجة العليا و(الدرجة السفلى)، يفرضان على المستجيب سياقاً يربط الرخاء بالتراتب الطبقي. أما النتيجة فتبعث على التأمل والتفكير، إذ يقولون: لئن كان سلّم كانتريل هو المقياسَ الأكثر شيوعاً لرفاه الإنسان، فإن النتائج توجب الحذر في قراءة دلالاته، إذ يبدو أن هيكل هذا السلّم يوجّه المشاركين قسراً نحو رؤية للرفاه تتمحور حول موازين السلطة وبريق الثروة والرفاهية.
لكن ربما تكمن المعضلة الكبرى التي تكتنف تقرير السعادة العالمي في أن مقاييس الرضا الذاتي عن الحياة لا تبدو متناغمة - بأي حال - مع تلك الغايات السامية التي نصبو إليها حين نستحضر مفهوم السعادة. فمن نافلة القول، وبحكم المنطق السديد، أن نتوقع من تلك الدول التي تتربع على عرش السعادة العالمي أن تكون الأقل تعرضاً لمشكلات الصحة النفسية. ولكن، هيهات لما تروّج له المنصات الإعلامية؛ إذ تبيّن أن قاطني تلك البلاد الإسكندنافية -التي ما انفكّت الصحافة تحتفي بسعادتها المزعومة- هم الأكثر إقبالاً على تجرّع عقاقير الاكتئاب، بل والأكثر إقداماً على الانتحار. فبينما تتربع فنلندا والسويد باعتلاء عرش مؤشرات السعادة العالمية، نجدهما في المقابل ترزحان تحت وطأة أعلى معدلات الانتحار في الاتحاد الأوروبي، إذ تُصنّفهما الإحصائيات الحديثة ضمن الدول الخمس الأكثر في هذا المضمار.
لقد تجلى لي بوضوح أن حدسي كان صحيحاً وفقاً للبيانات، أيدته شواهد الأرقام؛ فبلدان إسكندنافيا لا تكتفي بكونها أقل سعادةً مما تصوّره لنا عناوين الأخبار البرّاقة كل عام، بل إننا إذا ما سبرنا أغوار مؤشرات شتى تلامس جوهر السعادة في وجدان الإنسان العادي وفهمه الفطري لها - بقدر ما يفعل ذلك المعيار الوحيد الذي يعتمده تقرير السعادة العالمي- سنجد أن دولاً كفنلندا لا تحظى بمكانة تُذكر، ولا يرتفع لها شأن خاص في سلم السعادة الحقيقية.
لقد انبرى العالمان المرموقان في علم الاقتصاد، داني بلانشفلاور وأليكس برايسون، في ورقة بحثية حديثة لسبر أغوار الحقيقة واستجلاء ما قد يؤول إليه ترتيب السعادة العالمي إذا ما أُخضع لمعايير أرحبَ وأشملَ نطاقاً، فإذا بهما يطالعان مشهداً مغايراً تماماً، ويقفان على صورة تقلب الموازين رأساً على عقب.
عوضاً عن الركون إلى معيار واحد في قياس الرضا عن الحياة، اعتمد بلانشفلاور وبرايسون على ثمانية أسئلة استبيانية شائعة الاستخدام في مختلف دول العالم. وتستقصي الأسئلة الأربعة الأولى من هذه الحزمة أبعاد العاطفة الإيجابية في مكنونات النفس البشرية، إذ ترتكز هذه الأسئلة في جوهرها على سبر تفاصيل يوم المشاركين المنصرم، عمّا إذا كانوا قد شعروا بالمتعة أمس، وما إذا كانوا قد ابتسموا أو ضحكوا كثيراً، وهل نالوا قسطاً من الراحة. هذا ولم يغفل مقياسهما للعاطفة الإيجابية إدماجَ الإجابات على مقياس كانتريل.
أما الأسئلة الأربعة التالية التي اتكأ عليها بلانشفلاور وبرايسون، فهي تتقصّى مآلات الشعور السلبي في أبعاده المتباينة، إذ تضع المشاركين أمام مرآة ذواتهم لتسألهم: هل شعروا بالحزن بالأمس؟ وهل رزحوا تحت وطأة القلق جلَّ يومهم؟ وهل شعروا بالغضب؟ وهل ذاقوا مرارة الألم الجسدي؟
إنَّ ما تجمَّع لدى بلانشفلاور وبرايسون من نتائج لهو أمرٌ يبعث على الدهشة، إذ تبيَّن أنَّ الاستجابات المسجَّلة على سلّم كانتريل لا تكاد ترتبط - بأيّ صلة تُذكر - بمظاهر الانفعالات الوجدانية، سواء كانت إيجابية أم سلبية. ولعلّ في الدنمارك خير شاهد على ذلك؛ فقد تربَّعت على عرش القائمة وفقاً لمقياس كانتريل، رغم تباين مؤشراتها الأخرى، بيد أنَّ الدنمارك، وعلى غرار جاراتها من دول إسكندنافيا، قد هوت مكانتها وتردّى طالعها في مضمار المعايير الوجدانية. ففي مؤشّر العواطف الإيجابية - الذي يقيس مدى احتمالية أن يكون المستجيبون قد ابتسموا أو ضحكوا كثيراً في اليوم السابق -استقر بها المقام في المرتبة الحادية عشرة بعد المئة من أصل مئة وأربع وستين دولة، ولم يكن حظّها في معايير الانفعالات السلبية بأوفر حالاً، إذ كشفت الاستطلاعات عن رضوخ عينة كبيرة منهم لسطوة القلق وكدر البال، لتحل في المرتبة الثالثة والتسعين ضمن ذات القائمة، مما يعكس بوناً شاسعاً بين صورتها الذهنية وواقع مشاعر شعبها.
وهكذا، ينجلي لنا مشهد مغاير تماماً في التصنيف العام الذي صاغه بلانشفلاور وبرايسون، ليتصادم بصورة صارخة مع تلك النسخة الأكثر ذيوعاً التي تتبناها الأمم المتحدة. ففنلندا، على سبيل المثال، تهوي في هذا المضمار إلى المرتبة الحادية والخمسين، وعلى النقيض من ذلك، تطلّ علينا دول مثل اليابان وبنما وتايلاند - وهي التي لم تحظَ بمكانة مرموقة في سلّم الترتيب الأممي الرسمي - لتسفر فجأة عن ملامح أكثر غبطة وسروراً، إذ قفزت جميعها لتعتلي رتبة تفوق تلك التي احتلّتها فنلندا وغيرها من الدول التي كان يُزعم تفوّقها وتربّعها على عرش السعادة.
وهنا تنجلي مفاجأة أخرى، تشير إلى أن رواية السعادة في الولايات المتحدة ليست بالقتامة كما يشاع عادة، إذ يتبيَّن لنا أن مستوى السعادة يتفاوت بين أرجاء أمريكا تفاوتاً بعيداً، حتى إن بعض بقاعها لتبدو -على ما يظهر- أكثر بقاع الأرض قاطبة غبطة وسروراً.
بمجرد تقسيم الولايات المتحدة إلى ولاياتها المكوِّنة لها، يتضح أن بعض أجزاء البلاد تعاني أوضاعاً سيئة للغاية؛ فعلى سبيل المثال، حلّ سكان ولاية فيرجينيا الغربية في المرتبة المئة والحادية عشرة من بين مئتين وخمسة عشر بلداً وولاية، ليتساوى هؤلاء في ميزان السعادة مع قاطني بلدان أشد فقراً وبؤساً، كحال الناس في سريلانكا وموريتانيا. بيد أن القول الفصل فيما خلُص إليه بلانشفلاور وبرايسون في تصنيفهما يُنبئ بأن قاطني ولايات أمريكية أخرى يرفلون في سعادة تضعهم في مصافّ الدول الأكثر غبطة على وجه البسيطة؛ بل إن سبعاً من تلك الولايات -وهي هاواي، ومينيسوتا، وداكوتا الشمالية، وداكوتا الجنوبية، وأيوا، ونبراسكا، وكانساس - قد تربّعت على عرش القائمة، ليفوق رغد العيش فيها أهنأ دول العالم قاطبة، والتي تبيَّن أنها تايوان، القابعة في أقاصي شرق آسيا لا في شمال أوروبا. مجمل القول، فإن سكان أربع وثلاثين ولاية أمريكية، فضلاً عن مقاطعة كولومبيا، يحيون حياة هي أبهج وأتم سعادة مما يهنأ بها الفنلنديون.
في ظلال ثقافة باتت مهووسة بملاحقة السراب المسمّى سعادة، ومستلبة لشعارات الرفاهية، نجد تهافتاً منقطع النظير على كل ما يعد القارئ بالترياق السحري أو الحيلة العظمى التي ستقلب موازين حياته رأساً على عقب. هل ترغب في عيش عمر مديد؟ ما عليك إلا أن تحاكي موائد سكان المناطق الزرقاء في سردينيا أو أوكيناوا، وتقتفي أثرهم في المأكل والمشرب. أتبحث عن السعادة والرضا في كنف الفاقة؟ يمّم وجهك شطر بوتان، تلك البلاد التي رُسمت في المخيّلة الجماعية كواحة فكت رموز السعادة المستعصية، لا لشيء إلا لأن حكومتها أعلنت في عام 2008 أنها ستجعل من مؤشر السعادة الإجمالي بوصلتها الوحيدة وهدفها الأسمى.
إلا أن تلك الحيلة الكبرى التي يُروَّج لها كترياق سحريّ لإصلاح شؤون الحياة، لا تلبث في غالب أمرها إلا أن تنكشف عن سراب خادع وزيف صراح. فما كان عمار الديار في المناطق الزرقاء وطول أعمار ساكنيها براجع إلى فرادة أنظمتهم الغذائية كما يُزعم، بل على الأرجح تتميّز هذه المناطق بضعف التدوين واضطراب الحفظ في السجلات، الأمر الذي أفضى إلى تضخّم زائف في أعداد المعمّرين، ممن سلكوا سبيل الاحتيال على المؤسسات الرسمية، تارة بتزوير أعمارهم، وتارة أخرى بالاستحواذ الآثم على مخصصات التقاعد لموتى واراهم الثرى وما زالت أرزاقهم تُجبى. وهكذا الحال مع حكومة بوتان؛ فقد يرتفع ضجيج خطابها حول تقديم مؤشر السعادة على موازين النمو الاقتصادي، إلا أن الواقع يكشف زيف هذا الادعاء، فهي لا تحرز قصب السبق في تقرير السعادة العالمي، ولا هي بالتي استقامت أحوالها وفق معايير بلانشفلاور وبرايسون البديلة، ولعلّ في قوافل الراحلين عنها خير برهان، إذ تنبئ هجرتهم المستمرة بيقين راسخ بأن ضفاف السعادة الحقيقية إنما تكمن وراء حدود أوطانهم.
وهذا يوحي بأنه، وبرغم ما يتبدّى للعيان من أوجه قصور في العقلية الاقتصادية البحتة، فإن محاولات النكوص عن المقاييس الرصينة التي خضعت لاختبار الزمن - كمؤشر الناتج المحلي الإجمالي - استبدالاً لها بمؤشرات مستحدثة كتصنيفات السعادة، قد تجرّ من الوبال أكثر مما تحمله من نفع.
ففي نهاية المطاف، لا يزال قياس كنه السعادة عصيّاً على الضبط بامتياز، وحتى لو استطعنا، على وجه ما، صياغة معيار دقيق لها، فسيظل يكتنفنا غموضٌ مطبق حول ماهية السياسات الحكومية الكفيلة فعلياً بتحقيق هذه الغاية المنشودة.
وعلى نطاق أوسع، لا تزالُ المؤسسات الإخبارية التي تدّعي الرصانة تفتقرُ إلى المنهجيّة النقديّة اللازمة لإخضاعِ منشوراتِ العلاقات العامة -مثل تقريرِ السعادةِ العالمي - للتمحيص الصحفي المستحق، وإنَّه لمن اليسير إدراك الأسباب التي تُغري المحرّرين بتكليف مراسلين يفتقرون إلى الخبرة في العلوم الاجتماعية لصياغة (قصص مُسلّية) تداعب الخيال، حول مدى تفوّق هؤلاء الإسكندنافيّين في سعادتهم مقارنة بالأمريكيين المتخلّفين، بيدَ أنَّ وسائل الإعلام، إن رغبتْ حقاً في الوفاء بدورها الذي نصّبتْه لنفسها كحارس أمين للمعلومات الموثوقة، فلا يسعُها الاستمرار في التواطؤ على نشر مثل هذا (الهراء) المُثير المفتقر إلى الجودة، والذي لا يهدف إلا إلى حصد المشاهدات.
لقد انبرت في الأعوام الماضية مؤسسات إعلامية بوزن نيويورك تايمز، وصروح أكاديمية كجامعة أكسفورد، وهيئات أُممية كمنظمة الأمم المتحدة، وسخّرتْ جل طاقتها لخوض غمار حرب ضروس ضد ما يسمى بـ(التضليل الإعلامي)، ولا مراء في أن فضاءنا السياسي أضحى اليوم يعج بالتشويهات الخطيرة والأكاذيب الصريحة، غير أن أي مؤسسة تروم استئصال شأفة هذا الداء واجتثاث جذوره، حري بها أولاً أن تقف أمام مرآة الحقيقة لتبصر عوراتها، فتكف عن بث (تضليل النخبة) الذي يُمرَّرُ تحت مسميات براقة، ولعل (تقرير السعادة العالمي) خير شاهد ودليل.

ذو صلة