مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

فن المقامات عند وليد كسَّاب بين العصري والتراثي

فن (المقامات) فن أدبي عربي قديم وأصيل، يمكن إدراجه ضمن ما يُعرف في زماننا المعاصر بالأدب الساخر، أو بمعنى أصح: (الأدب القصصي الساخر)، فهي: قصة قصيرة (بمفهومها الخاص، وبتقاليدها الفنية المخصوصة)، لها راوٍ (يغلب أن يكون بطلها)، يخوض مغامرةً تنتهي بمفارقة مضحكة، وطالما كان في خضم تلك الأحداث التي يمر بها البطل (حكمة منتزعة)، أو (نقد اجتماعيّ) لأحداث العصر الذي كُتِبَت فيه، أو (موعظة دينية أو أخلاقيّة)، وكل هذا مما يكون حرياً به أن يُستنبط من الأحداث دون تصريح مباشر.
على أن هذا (الجانب القصصي) القائم على المفارقة الساخرة الذي يمثل: (المحتوى أو المضمون) إنما هو رهين ببناء فنيٍّ يلازمه ملازمةً لا تنفك عنه، عَنيتُ: طبيعة الصوغ البديعي القائم على السجع والحيل اللغويّة المطَّردة، فكما ينتمي الكلام إلى جنس الشعر (من الناحية الشكليّة لا الفنيّة) باستيفاء الوزن والقافية: لا تكون (المقامة) مقامةً إلا حين تُكتب على هذا النحو المتوازن المتآلف بازدواج الجمل إيقاعيّاً، وتناغمها صوتيّاً من خلال السجع.
وللمقامات (فضلاً عن الصوغ اللغويّ المتوازن صوتيّاً وإيقاعيّاً) بعض الخصائص الأسلوبيّة التي ترتبط بها وتلازمها بشكل شبه دائم، لدرجة تحولها من (خصائص فرديّة تميز الأديب) إلى (أعراف أدبيّة عامة) يتلقفها اللاحق ممن سبقه، ومن ذلك: وحدة البطل الذي تتمحور حوله أحداث المقامات المتعددة، واستخدام الألفاظ المهجورة الغريبة، والمفارقة الساخرة: فالقصة التي تقدِّمها المقامة يغلب عليها أن تكون نقداً ساخراً يقوم على المفارقة بين (ما هو كائن)، و(ما ينبغي أن يكون)، ويغلب على تلك القصة أن تكون مثيرة للفكاهة، وأخيراً حتمية التناص: فالمقامة لا تكاد تخلو من استشهاد من القرآن الكريم، أو الحديث الشريف، أو الشعر، وتشيع فيها الحكمة والأقوال المأثورة الموروثة.
ومن المقامات الأدبية الحديثة التي تتواصل من خلالها المسيرة القادمة منذ أكثر من عشرة قرون: (مقامات ابن كسَّاب) للأديب المصري: وليد عبدالماجد كسَّاب، وهي تحاول جاهدةً أن تكون متصلةً بالتراث الأدبي العربيّ، دونما مجافاة لروح عصرها وشواغله وقضاياه، ولا أكاد أجد أليق تعبيراً عن هذه القضيّة من (لوحة الغلاف)، ومهما تفاوت الناقدون في الاعتداد بكون الغلاف عتبةً مهمةً أو غير ذات جدوى نراها في هذا الكتاب الأدبيّ أصدق تعبيراً عن قضيّة: (الأصالة والمعاصرة)، ففيها صورة الكاتب نفسه مرسوماً وقد تزيَّا بلباسٍ تاريخيٍ عتيق، وبين يديه (جهاز كمبيوتر حديث)، وقد بدا عن يساره (هاتف محمول عصري).
وعلى مستوى البناء الفني نجد المقامات سبيكةً تجدل المعاصر بالموروث، بدءاً من اللغة التي تتجاور فيها ألفاظ من قبيل: (لانشون، فواتير، الفيس، بات مان) مع أخرى من قبيل: (الظعينة، والهيضة، ومفحص القطاة، والهزيم)، ووصولاً إلى طبيعة المعالجة التي تقدِّم قضايا عصريّة للغاية في نمط فنيّ عتيق مُسَيَّج بالسجع وفنون البديع.
وجدير بالذكر أنَّ كساب قد اختار لبطل مقامته وراويها اسم: (عامر بن محتاس)، ولا أحسب أن هذه التسمية كانت اعتباطيّةً كيفما اتفق، فهو نموذج عام للمصريّ الذي تنشغل (مقامات ابن كسَّاب) بقضاياه، فتسمية: (عامر بن محتاس) تجمع في طرفي نقيض بين الغِنَى والامتلاء بالخيرات الذي تدل عليه تسمية: (عامر)، والخيبة والعجز وقلة الحيلة مما تدل عليه الكلمة العامية المصريّة: (محتاس)، ولذا قد يصح أن يكون تأويلنا لهذه التسمية مرتبطاً بأوجه الفساد السياسي والإداري الذي تنتقده الأحداث الساخرة لمقامات ابن كسَّاب، مما يتحمل تبعاته مواطن مصري مقهور، يعيش (محتاساً) في بلد (عامر) بالخيرات!
ووليد كساب في نقده الساخر لمشاكل المصريين وأحوالهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة المترديّة يستعين بتسميات تراثية موروثة للتعبير عن مناصب سياسية وإدارية معاصرة، فنجد في مقاماته شخصيات إدارية من قبيل: (الخليفة، ووالي المدينة، وشهبندر التجار، والعسس، والباب العالي)، وهي شخصيات تضطلع بأعمالها في عصرنا الحالي، وأحسب الاستعانة بهذه التسميات القديمة للتعبير عن الوظائف العصريّة نوعاً من الاستدعاء الساخر للتراث للإسقاط على الواقع المعاصر، فهي -فضلاً عن إضفائها لروح الفكاهة المرحة- تُعبِّر عن تواصل النكسات عبر دورات التاريخ التي لا تتغير، ومن ثمّ إلقاء تبعات هذه المعاناة على شعوب لا تتعلم من تاريخها، ولا تستطيع الفكاك من سطوة القمع والاستبداد المتأصل في ماضيها، والممتد إلى حاضرها.
ومما لا يخفى على القارئ: الحضور القوي للتناص في هذه المقامات، وهو ما أشرنا إلى حتميته في فن المقامة بشكل عام، لأن كاتب المقامة -بطبيعة الحال- لا يفتأ يستشهد بالقرآن والحديث والحكم والأمثال والأشعار.. إلخ، مما هو شائع من الموروث الذي يكون له حضور طاغٍ ومؤثر في حياتنا اليومية، وفي ثقافتنا الإسلامية العربيّة، على أنَّ الأظهر والأبين من التناص في هذه المقامات هو التناص القرآني على وجه الخصوص، وبعضه اقتباس صريح مثل قول الكاتب على لسان الراوي: (وصدق قول ربنا: فغُلِبوا هنالك)، وجلُّه وأكثره مما يجري من الألفاظ القرآنية على اللسان مسبوكاً في الصوغ اللغويّ العام، مثل قول الراوي: (خرجنا صبيحة العيد وقد حُشر الناس ضحىً)، وقوله: (ثم ولَّيْنا مُدْبِرين، ونحو الداخل مُهْطعين)، ومثل هذه العبارات وما أكثرها! إنما هي بطبيعة الحال تبعة من تبعات الثقافة الدينيَّة التي نعرفها عن الكاتب، ولكنها -على جانب آخر- تحمل إلى النص نوعاً من قوة التأثير المُستمدَّة من قداسة النص القرآني الماثل في الكلمات والعبارات والأساليب.

ذو صلة