المقامات فن نثري، لكنه نثر في ثوب الشعر، اُستخدمت فيه كلُّ ألوان البديع من محسنات لفظية ومعنوية، كما أنه في بداية انطلاقه في القرنين الرابع والخامس الهجريين زُرِعَ في أراض خصبة من المجازات والتشبيهات والاستعارات والكنايات. لذلك فالمقامة تنافس الشعر في انفتاحه على التأويل وتعدد الدلالات والخضوع للقراءات المتضادة، فالطبيعة الخطابية للمقامة وتكوينها الموسيقي والبلاغي يسّرا لها تمرير الكثير من الرموز والرسائل المشفّرة دون أن تلفت انتباه السامع المسحور بسحر ما يسمع.
وتأتي مقامات بديع الزمان الهمذاني مثالاً صارخاً على هذا الانفتاح على التأويل، فكان الهمذاني ومقاماته مادة دسمة للنقاش والجدل، مرة حول هويته العرقية والمعرفية وأخرى حول الخطاب الذي تحمله المقامات. وعلى الرغم من تأكيد الهمذاني على عروبته ودفاعه عن أهل السنة والجماعة في رسائله، فإن عدداً غير قليل من الباحثين والمؤرخين -قديماً وحديثاً- أشاروا إلى أصوله الفارسية ومذهبه الباطني. فالمقامات مكتوبة بلغة تحتمل القراءتين: الظاهرية والباطنية، فإذا أردت قراءتها بوصفها قصصاً أدبية تحملك على الضحك والتسلية والعبرة فلك ذلك، وإذا بحثت في باطن النّص فإنك ستجد فيها إشارات ورسائل بعيدة المغزى.
وإن كانت الباطنية تستند إلى تشفير الرسائل وترميزها على طريقة اللعب الدلالي، فإنّ مقاماته تقدم أدلة وبراهين تُساعد في إثبات التهمة وتكشف عن خطاب شعوبي معاد للعرب. وسنجلِّي هذا الخطاب ونعيد استكشافه من خلال عدة أمثلة. ففي المقامة المضيرية يصف المضيرة ولذتها -وهي طعام اشتهر به العرب يشبه المنسف الأردني- بقوله إنّها (تشهد لمعاوية رحمه الله بالإمامة)، وفي ذلك إشارة إلى طبيعة الناس التي تحالفت مع معاوية واتهام لهم بأنهم أهل شهوات وطُلّاب مكاسب دنيوية. وهذه ليست إشارة عابرة، فبعد أن يقدم بطل المقامات أبو الفتح مرافعة يهجو فيها المضيرة وصاحبها الذي هو عربي بطبيعة الحال، فإنّ الراوية عيسى بن هشام يُؤكّد على الفكرة بقوله: (فقبلنا عذره. ونذرنا نذره. وقلنا قديماً جنت المضيرة على الأحرار. وقدمت الأراذل على الأخيار).
وفي المقامة الجاحظية يتفرغ فيها الهمذاني للنيل من الجاحظ وللحط من شأنه، فنجده يقول: (إن الجاحظ في أحد شقي البلاغة يقطف. وفي الآخر يقف. والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره. ولم يزر كلامه بشعره. فهل ترون للجاحظ شعراً رائعاً؟ قلنا: لا. فهلموا إلى كلامه فهو بعيد الإشارات. قليل الاستعارات. قريب العبارات. منقاد لعريان الكلام يستعمله. نفور من معتاصه يهمله. فهل سمعتم له لفظة مصنوعة أو كلمة غير مسموعة؟ فقلنا: لا). والجاحظ معروف في كتبه بدفاعه عن العرب وذوده عنهم في وجه الشعوبية، ونجد الهمذاني يهدم القيمة المعرفية لهذا الكاتب الذي يُعد من أعمدة اللغة العربية عبر التاريخ.
كما أنه يقلل من فن الجاحظ وفصاحته، لصالح أسلوب جديد في الكتابة يستند إلى السجع والجناس وفنون البديع وزخارفه اللفظية، وهذا الانحياز إلى المبالغة في استعراض مهارات اللغة دائماً ما يصدر عن أبناء الأعراق الأخرى الذين يحاولون إثبات إتقانهم للغة أكثر من أبنائها. ويتأكد لنا هذا الموقف المعادي للأدباء المناصرين للعرب في المقامة الحمدانية (نسبة إلى سيف الدولة الحمداني)، ففي هذه المقامة يطلب سيف الدولة من الحاضرين وصف الفرس ومن أحسن الوصف كان الفرس له، فينبري الحاضرون لوصفه، غير أن أحد الخدم (وخدم الملوك غالباً من غير العرب) قال لمولاه: (رأيتُ بالأمس رجلاً يطأ الفصاحة بنعليه. وتقف الأبصار عليه. يسأل الناس ويسقي اليأس. ولو أمر الأمير بإحضاره لفضلهم بحضاره. فقال سيف الدولة: عليَّ به في هيئته). فيحضر أبو الفتح الإسكندري ويهزم الحاضرين بفصاحته ويحوز الفرس.
وإذا تأملنا استخدام الفعل (يطأ) والتأكيد على الأداة (النعلين) سنجده استخداماً غير بريء، خصوصاً أنه استخدمه في حضرة سيف الدولة أمير الدولة الحمدانية، وهي تكاد تكون الدولة الوحيدة التي يترأسها العرب في ذلك الزمن، كما أن الجائزة/ الفرس من الحيوانات التي أولع العرب بها وبوصفها. إضافة إلى ذلك، تظهر رغبة جامحة في صدر الهمذاني لهزيمة الفصاحة العربية، على يد أبي الفتح الإسكندري، من خلال هزيمة حملة لوائها: الجاحظ والمتنبي.
فالأول عرّضَ به ونقده علانية، أما الثاني فقد هزمه الإسكندري دون أن يذكر اسمه، إذ اقترن اسم المتنبي ببلاط سيف الدولة، وإن كان بطل المقامات قد أعجز الحاضرين في البلاط وهزمهم، فإنه يكون قد انتصر على المتنبي من بينهم ضمناً. غير أن الهمذاني لم يجرؤ على ذكر اسمه. كما أن اتكاء الحكاية على قول أحد الخدم فيه إشارة إلى شعر المتنبي الذي أطلق على ذلك العصر عصر (دولة الخدم)، وكأن الهمذاني يؤكد رأي المتنبي ويتحداه في الوقت نفسه.
والإشارات والرموز في مقامات بديع الزمان الهمذاني كثيرة وغنية، وإن كان مذهب بديع الزمان الهمذاني وأصله مداراً للجدل والاختلاف -ولا يزال- بين النقاد ومؤرخي الأدب، فلقد حاولنا في هذا المقال تقديم وجهة نظر في هذا الاختلاف، وذلك بالاستناد إلى ما تتيحه المقامات من مساحات للقراءة وما تتضمنه من إشارات ودلالات تنفتح على التأويل ونقيضه. وهي وجهة نظر قائمة على اختبار الفرضية القائلة بـ(إسماعيليّة) الهمذاني وشعوبيته اختباراً فاحصاً ومعتمداً على نصوص المقامات ومتلقطاً الإشارات المتروكة بين ثنايا هذه النصوص. وإن كنا لا نؤمن بقطعية النتائج التي تقودنا إليها هذه الإشارات فإننا نرى أنها إشارات تقود إلى آراء تمتلك نصيبها من الرجاحة والقوة، كما أنها تؤكد أن النصوص والمدونات الكلاسيكية دائماً ما تحتاج إلى إعادة قراءة متكررة، على أن تكون هذه القراءات الجديدة خارج سياق القراءات الرسمية والمدرسية.