مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

مقامات بديع الزمان الخصائص والسمات الفارقة

رغم كثرة ما أُلف في المقامات من دراسات، وفي مقامات بديع الزمان الهمذاني (توفي 398 هـ) على وجه الخصوص، إلا أن الاهتمام بالمقامات جنساً أدبياً بدأ مع كارل بروكلمان في فصل مقامة بدائرة المعارف الإسلامية، وفي دراسات شوقي ضيف، وحسن عباس. ثم تبلور بأكثر عناية في أعمال عبدالملك مرتاض، ومحمود طرشونة، وعبدالفتاح كليطو، وحمادي صمود. وهو لا يزال مبحثاً واعداً يُقبل عليه الدارسون ويتناولونه بطرائق مختلفة، من قبيل ما وجدناه في دراسة جميل بن علي الذي عد المقامات أجناساً أدبية وجيزة، أو على نحو ما اعترضنا في دراسة الباحث خالد الوغلاني، الذي رام الفصل في إشكالية تجنيس المقامات. واعتبرت مقامات بديع الزمان الهمذاني عند بعضهم (بدعة أدبية تكاد من فرط تميزها عن أنماط الكتابة المعهودة تكون ناجمة عن غير أصل)، أو كأنها (زهرة برية لا يُدرى كيف تفتحت). وتحولت بفعل تداخل الأجناس الأدبية إلى شكل من أشكال الكتابة العابرة للتاريخ، وكأن صاحبها قد (سواها على غير مثال ونسجها على غير منوال).
في خصائص مقامات بديع الزمان الهمذاني
تفطن عبدالفتاح كليطو مبكراً إلى شكل المقامة الملتوي، ووقف على طبيعتها المعقدة حين رجح تداخل المقامة بنص الرحلة وما فيها من بذور أدب الجغرافيين العرب، وردها إلى صلتها بنصوص المكدين والعيارين والشطار والحمقى والنوكى والمغفلين، إضافةً إلى قرابتها بأدب المآدب والمآكل والأشربة في حديثها المسهب عن الطعام وألوانه والخوان وأدواته. وهو الذي لم يغفل انتماءها إلى أدب الكرامات والمواعظ، حتى صارت المقامة بذلك كله شكلاً جامعاً يحتوي في أحشائه أجناساً أدبية وجيزة مختلفة، ويصهر في بوتقته الشعر ماحياً أو يكاد الحدود الفاصلة بين منظوم الكلام ومنثوره.
وهي تبعاً لذلك شكل جامع يتضمن (أنواعاً مختلفة). وأجلى التحولات وأكثرها طرافة تحول بطل المقامات أبي الفتح الإسكندري بطلاً متعدد الوجوه يتقنع بمختلف الشخصيات، ويغير الأردية كل مرة في حفل كرنفالي بهيج.
العنوان في المقامات
يعد العنوان في المقامات بمثابة النواة التي تتفرع عنها جميع مكونات النص، وتتفتق منها دلالاته العميقة. والغالب على عناوين مقامات الهمذاني النسبة إلى المكان (البغدادية، الأهوازية، الكوفية، الأصفهانية)، أو الإحالة على اسم العلم (الجاحظية، الإبليسية) أو التنبيه إلى الموضوع المهيمن والثيمة البارزة (المضيرية، القردية، الدينارية، الحلوانية) أو الإشارة إلى حال من الأحوال أو التنبيه إلى سمة من السمات النافرة أو الظاهرة في المجتمع (المجاعية).
فالعنوان بهذا الذي أسلفنا بمثابة العتبة التي توجه القراءة وتسيجها. وهو الإشارة الدالة التي تقود القارئ نحو بؤرة النص التحليلية وتشوقه لتتبع الحكاية، وتنبهه إلى منعرجاتها. وهو قرين اللمحة الموحية والغمز اللطيف الذي يقود العابر في طريق استحصال المعاني وتوليدها. ويرد العنوان في قالب جملة مختزلة حذفت نواتها الإسنادية. فعنوان: المقامة الأذربيجانية مثلاً جاء مركباً نعتياً، وهو خبر لمبتدأ محذوف. فأما المنعوت (المقامة) ففيه تعيين لجنس أدبي وليد، كأنه ولد مكتملاً مع الهمذاني. وأما النعت الأذربيجانية فنسبة إلى المكان وما يحيل عليه من أجواء المدينة الجديدة بكل تحولاتها وجميع صراعاتها المعلنة والخفية.
المزاوجة بين الشعر والنثر في المقامات
تجمع المقامة في بنائها بين الشعر والنثر بطريقة متواترة، غير أنها ترد مختلفة. ولئن غاب الشعر عن ست مقامات هي المقامة السجستانية والمضيرية والنهدية والوصية والصيمرية والدينارية، فقد حضر الشعر في جلها. إذ سعى الهمذاني إلى المزاوجة بين فني المنثور والمنظوم، فلا نكاد نعرف في بعضها نصيب النثر من نصيب الشعر من كثرة (المداخلة بينهما والانتقال من أحد النمطين إلى الآخر في صلب الأحداث داخل نسيج النص). فالمقامة مسرودة من شعر وقول شعري، وهي التي أكثر فيها صاحبها من الإيقاع والصور الشعرية والجرس اللفظي، فتمكن من (خلخلة بنية المنطوق بالمكتوب)، ومن المزاوجة بين المنثور والموزون والمصالحة بين جنسين خلنا أنهما مختلفان متباينان إلى أن صهرهما في نسيج النص وقد منهما مقامة كادت تكون على غير مثال سبق.
فضاء المقامات وأبطالها
اتخذت مقامات بديع الزمان الهمذاني من بيئتي القرنين الثالث والرابع الهجريين فضاء زمنياً لها، جاعلة من النماذج البشرية الهامشية ومن العيارين والمكدين شخوصاً قصصية تبين عن طرائقهم في الكسب الذي لا يتورع عن التخفي والتقنع والتحيل والإيقاع بالناس. وقد استخدم الهمذاني تلك النماذج البشرية ليرصد من خلالها ما طرأ على بيئته تلك من تحولات في القيم والمفاهيم. ولئن كان أبو الفتح الإسكندري بطل المقامات مسيجاً بالنص لا يخرج عنه، إلا أنه تحول إلى أنموذج بشري عليه يتكئ صاحب المقامات ليطرح من خلاله أهم قضايا عصره، مستقدماً نماذج بشرية من المكدين والمهمشين، فجعلها تكدية وكيداً في الصيد. فقد جاء في نهاية المقامة الأذربيجانية قوله: (بلغ هذه الأرض كيدك وانتهى إلى هذا الشعب صيدك).
البطل المكدي في المقامات
تحولت شخصيتا عيسى بن هشام الراوية وأبي الفتح الإسكندري البطل إلى خصيصة أساسية في أجناسية المقامة، إذ عثرنا على ملامحها جلية في مقامات الحريري (توفي 516 هـ) من خلال شخصيتي الحارث بن همام وأبي زيد السروجي. وبهذا حل المكدي محل الأعرابي في النوادر وفي المخيال الشعبي العربي القديم، وانتزع منه النادرة والطرفة، وفي ذلك دلالة عميقة على تحول المجتمع إلى المدنية بجميع تناقضاتها، خصوصاً وأن شخصية المكدي شخصية متطورة ومتجددة باستمرار، بتجدد حيلها وتعدد أقنعتها. فيها يعمد إلى الانخراط في صلب التناقض والجري (على نفس المفارقات بالتخفي والظهور على غير الحقيقة واصطناع الفقر والعلم والجنون هزءاً بالدنيا ومسايرة لدوران الأشياء إلى حد الدوار وفقدان الوعي).
السفر والترحال في المقامات
بطل المقامات مسكون بالتحول والحركة منذور للدوران والسفر. ويصور لنا صاحب المقامة الصيمرية سيرة البطل الذاتية، مفصلاً روافد المكدي التي لا تخرج عن الرحلة والتكدية والتوسل، به يكسب المال ويغنم الذهب. فالتحرك في المكان سمة المقامات، وقع التعبير عنها بأشكال مختلفة، أوضحها نسبة عدد هام منها إلى المكان في العنوان (وحدود المكان من جهة الغرب دمشق ومدينة السلام في الأكثر، أما من جهة الشرق فتصل إلى أقاصي دار الإسلام على تخوم التبت وما كان يسمى في القرن العاشر بلاد الترك). فأبو الفتح الإسكندري بطل المقامات لا يقر له قرار ولا يحل بأرض إلا على (نية الترحال، مثله كمثل الظل لا نجده بالمكان مرتين، حركته من دوران الأرض وتناوب الحدثان، رحلة متواصلة لا تتوقف إلا لتعلن عما يستبد بها من توق إلى آفاق لم تطأها وبلاد لم تعرفها حتى أصبح يعمر الطرق ويملأ الأماكن). ألم يقل في المقامة الأذربيجانية:
أَهكذا نخلص في نهاية المطاف إلى أن المقامة فن عربي طريف ولد مكتملاً مع الهمذاني وتواصل من بعد ذلك مع الحريري وغيره، وفيه بانت شخصية أبي الفتح الإسكندري بطل مقامات الهمذاني، شخصية تلبس كل الأقنعة في مجتمع قُوضت أركانه، وتراجعت قيمه الأصيلة، وانقلبت فيه كل الموازين، حتى بات المال فيه قطب الرحى، والكدية سلاح المهمشين في السكن والعيش.

ذو صلة