يعد شهر رمضان الكريم أحد أكثر أوقات السنة التي تضفي على الناس جواً من الروحانية ويعبرون فيه عن امتنانهم لنعم الله التي حصلوا عليها، ويعد صيام شهر رمضان مدرسة يتعلم منها الصائم الصبر والعزيمة ومراقبة الله في السر والعلانية والتزود بالتقوى بذكر الله والعزوف عن المعاصي، ففي ذلك صفاء النفس ورقة القلب والرغبة في السمو الروحي والعبادة الصادقة، فالصيام ينقي النفس ويمدها بطاقات هائلة من الروحانيات والصفاء والنقاء كما أنه يشحن العزيمة ويقوي الإرادة، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الصيام وسيلة عملية لتربية الإرادة وانتصار الروح، وشهر رمضان شهر الخير والرحمة فهو شهر الصيام، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183). والصيام تربية عملية بجانب كونه عملاً تعبدياً محضاً، فهو تربية مباشرة للنفس والبدن والأخلاق والعادات، والصوم له فوائد تربوية كثيرة منها ما يلي: - يدرب الصائم على قوة التحمل والصبر وألم الجوع والعطش، كما يعين على الصدقة والإحساس بمعاناة الآخرين من الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يسد رمقهم بسبب قلة ذات اليد، مما يؤدي إلى العطف عليهم. - يعين النفس على الانطلاق في العبادة والخير حيث إن الشبع الدائم يثقل المعدة ويرخي البدن وخلو المعدة يضعف الجسد فتخشع الجوارح وتشرق النفس وتستعد للتعبد، قال حكيم: راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة النفس في قلة الآثام، وراحة القلب في قلة الاهتمام، وراحة اللسان في قلة الكلام. - يدرب الصوم على تربية وصفاء النفس وتقوية الإرادة والعزيمة بالامتناع عن الطعام والشراب وكذلك الامتناع عن ارتكاب الذنوب والمحرمات، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالطاعات وأداء العبادات. - يعمق الصوم الورع في النفس البشرية والأمانة في السر والعلن، وذلك بعيداً عن النفاق والرياء، حيث لا يستطيع الصائم أن يغش في صومه. - يقوي الصوم الأواصر بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بصيام شهر محدد في العام، وأداء مناسك واحدة، فيشعرون بوحدة الأمة الإسلامية. - يربي الصوم الصائم على ممارسة الفضيلة، فلا يرفث، ولا يسب، ولا يجهل، بل يعفو ويسامح، ويصبر على أذى الآخرين، وفي ذلك تطهير لنفس الصائم، وتجريدها من المنكرات والذنوب، فيعتاد ذلك في سائر شهور السنة الأخرى. كما أن شهر رمضان مدرسة لتطوير الذات وتدريب للمسلم على ضبط سلوكه سواء فيما يتعلق بضبط الوقت وما يتعلق بالمواعيد أو ما يتعلق بالعادات كالأكل والشرب بما يحقق الصحة والسلامة والوقاية من الأمراض أو بما يتعلق بالتعامل مع الآخرين واحترامهم وتحمل أذاهم. والنفس تطيب وتنكسر في شهر رمضان إجلالاً لله سبحانه وتعالى، وتسعى لكسب الأجر والظفر بما خصه الله لهذا الشهر الكريم، فنفس المسلم الصافية تتطلع لهذا الشهر بإيمان صادق ومضاعفة الأعمال الخيرة فيه، فالصيام يعين المسلم على ترك شهوات النفس حيث من غالبته نفسه في هواها فقد خسر الأجر والثواب. إن شهر رمضان هدية الله لعبادة المسلمين ليعاودوا بناء النفوس والرقي بها وتنزيهها مما علق بها من شوائب الحياة المادية وأهدابها، وليطهروا الأبدان ويعالجوها من تخمات أجهدتها وأمرضتها كثيراً احتار الأطباء فيها، وانتهوا إلى أن الصوم هو العلاج الأوحد.