أن يقود المُصاب العالم إلى معانٍ من الإحساس الإنساني، والتكافل الاجتماعي، فذلك مثالٌ للإنسانية الحقة، والفطرة السوية، وهذا ما هو حاصل، أو ما يحصل من أثر جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19 / cov 19).
تناسى العالم كل العداوات، والتوجهات، ورمى بالمماحكات السياسية، والحرب الاقتصادية، وكل الخلافات جانباً، فالعدو الذي اجتاح الأرض، ونفث بهوائه المسموم يتسرب إلى تلويث هوائنا، وحياتنا، وإنسانيتنا ليقتل ضحكة طفل، ووقار كبير، وتدمير الأسرة، وتحطيم المجتمع، فيتصاعد ليدمر الاقتصاد العالمي أحق أن تُحشد الطاقات العلمية، والطبية، والإنسانية ضده، وضد انتشاره.
الاجتياحات الطبيعية في هذا الكون تقع في منطقة محددة، وتتلاشى كما الطوفان، والإعصار، أو بعض الأوبئة العارضة وغيرها، لكن فيروس كورونا سبق العلم، وأعجز الطب إلى هذه اللحظة، وتفوق في مداه لصواريخ عابرة القارات.. هو أكثر دماراً فقد تجاوز الحدود، والحواجز، والمطارات، والبلدان، والقارات لأنه يضرب حجر زاوية الحياة (الإنسان). لم يضع رحاله في بيئة الصفيح، أو ناطحات السحاب، بل إن مكوناته مفتوحة المفاعل لا يحده مكان، جائحة الزمن الحاضر، المخيف، القوي، الضعيف في آنٍ واحد. ضعيف أمام الوعي، وقوي بجهل العالم بمدى خطورته.
تقديم حاجات الإنسان المحدودة كفرد هو إلحاق الضرر بالجمع، بالكل، بالمجتمع، بالعالم، هو أخطر من كورونا نفسه، فالمجتمع الواعي، الراقي، الحريص هو من يلهب مشاعره الإنسانية بالالتزام، والخضوع للقوانين فلم يدع لوقوع المحظور على نفسه، ولم يوقعه على غيره، بل يظل عنصراً وطنياً، وإنسانياً.
واللافت اليوم في هذه الفترة الموبوءة بهذا الفيروس هو التفاف العالم بمشاعر واحدة، وتوجه واحد، ومحاولة طرح الحلول الوقائية في حال عدم وجود المصل العلاجي النهائي للداء، أما التسابق الطبي فكان همه الكبير خدمة البشرية، وبغض النظر عما قد يبدو من الحاجة المادية، والدعم الاقتصادي.
إن المتأمل القريب لوضع العالم مع كورونا ليشعر بإنسانيته تعود إلى الفطرة، إلى النقطة الأولى.. يعتصره الألم لكل ما أصاب كل أناس الأرض، كلٌّ يلهج بالدعاء إلى الإله أن يجنب الإنسانية كلها هذا الداء، هذا الدمار الذي أصاب الأرض بالتأخر الاقتصادي والخسارة المادية والمجالات الأخرى، وأصاب الإنسان بالفناء، بالرعب، بالتأخر في كل شؤون حياته ومصالحه.
فيروس كورونا أوجد خللاً في بنية الإنسان، لكنه أوجد تلاحماً بين المجتمع الإنساني.
أمرض العالم حتى أوصله إلى الموت، وفي المقابل علمه المشاعر، والإحساس بأخيه الإنسان.
حفّزَ الطب لفتح آفاق العلم لما قد يأتي بمثله من الجائحات غير المتوقعة. هذا الوباء رسخ الوعي في الالتزام بالقوانين وإن كانت صارمة مادامت المصلحة العامة هي الغالبة، والمغلبة على غيرها.
ماذا يمكننا ان نفعل سوى الخروج بالسلوك السليم لخدمة البشرية كلها، فقد تعلمنا من كورونا هذا الفيروس بضعف البشرية، بترسخ المساواة، بالإحساس بحاجة الإنسان إلى العلم، إلى الطب، إلى الوعي، إلى الانتماء الحقيقي للأرض والإنسانية.