تعاطى بعض الدول والمجتمعات، وحتى الأسماء الأكاديمية الموثوقة في الغرب، مع جائحة (كورونا المستجد)، أو (كوفيد- 19)، بشكل غرائبي، وحملوها فوق ما تحتمل من تفسيرات ونظريات، طاولت الفضاء (الجيو- سياسي) الدولي، حتى وصل الأمر إلى حد الترويج لكون الجائحة أزمة كبرى عالمية مثل (أزمة السويس) عام 1956، التي أسقطت الإمبراطورية البريطانية من حالق.
وجرى مؤخراً التنظير على نطاق واسع، لكون جائحة كورونا ستؤدي حتماً إلى تغيير وجه الكرة الأرضية، وتنحية الولايات المتحدة عن قيادة العالم، عبر إعادة تشكيل النظام الدولي المستقر منذ انهيار (الاتحاد السوفييتي) مطلع التسعينات من القرن الماضي، وعودة نظام (القطبين) بجعل الصين قوة عظمى، وهو ما من شأنه أن يُنهي عصر (العولمة) الأمريكية إلى غير رجعة.
وعند أصحاب (أمراض المؤامرة) على مواقع التواصل الاجتماعي، بلغ الأمر حد الشطط في تفسير انتشار الفيروس، الذي أُطلق عليه (كورونا) لأنه يظهر تحت المجهر في شكل (تاج)، حتى إنهم توقعوا سقوط تيجان وعروش دول كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا تحت الضربات القدرية الشكسبيرية للجائحة.
وليت الأمر اقتصر على مستخدمي مواقع التواصل، بل إنه امتد إلى التصريحات الرسمية المتبادلة بين قوتين عظميين، إذ أطلق تشاو لي جيان، المتحدث باسم الخارجية الصينية، تغريدة اعتبر فيها أن (الإصابة الأولى) بفيروس كورونا المستجدّ أتت من الولايات المتحدة وليس من مدينة ووهان الصينية. واتهم (تشاو) الجيش الأمريكي بأنه (ربما جلب) كورونا إلى ووهان، قائلاً للأمريكان: (كونوا شفافين وانشروا ما لديكم من معلومات، الولايات المتحدة تدين لنا بتفسير!).
وعلى إثر هذه التغريدة الغريبة من مسؤول رسمي، تبادلت الولايات المتحدة والصين الاتّهامات بشنّ (حملات لتشويه السمعة)، حيث ردت وزارة الخارجية الأمريكية على الفور ببيان رسمي أكدت فيه أن الوزير مايك بومبيو، أبلغ في محادثة هاتفية يانغ جيشي، مسؤول السياسة الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني، اعتراضه على استخدام بكين قنوات رسمية لـ(إلقاء اللوم فيما يتعلّق بكوفيد-19 على الولايات المتحدة).
ولم تكتف الخارجية الأمريكية بهذا البيان، بل استدعت السفير الصيني في واشنطن للإعراب عن (احتجاجها على ترويج بكين لنظرية مؤامرة تشير إلى وقوف الولايات المتحدة وراء ظهور الفيروس، لقيت رواجاً على وسائل التواصل الاجتماعي). وهو ما دفع موقع صوت الإذاعة الألمانية (دويتشه فيله) إلى القول إن (قائمة الأخبار والتصريحات الرائجة حول كورونا تمتد من هزلية، إلى نظريات مؤامرة مروعة)!
الخوف من (جراثيم الجيران)
بينما اصطبغت الجائحة العالمية بوجهها المأساوي، مع ارتفاع أعداد الضحايا يوماً بعد يوم، كان للوباء جانبه الغرائبي في كل مكان على مستوى العالم، من أعماق القرى في براري إيران المقطوعة عن المدنية، إلى أعلى مستويات الحضارة الحديثة في (البيت الأبيض) الأمريكي، حيث بدا أن العالم كله تعاطى مع الجائحة وفق المثل العربي القديم (إذا كبرت مصيبتك اضحك لها).
ومن غرائب (كورونا المستجد)، أو (كوفيد- 19)، تلك التصريحات الرسمية غير العقلانية بالمرة التي أدلى بها فيكتور أوربان، رئيس الحكومة المجرية اليمينية، وربط فيها بين المهاجرين والفيروس. قال (إن فيروس كورونا جاء به الأجانب، وهو ينتشر في صفوفهم. وليس صدفة ظهور الفيروس (في محيط أوروبا) أولاً عند الإيرانيين. نحن نخوض حرباً على جبهتين، جبهة الهجرة وجبهة فيروس كورونا المستجد، وهما مرتبطتان، لأن كليهما ينتشران عبر التنقلات!).
شهد التعامل مع الفيروس على المستوى الدولي أشكالاً متطرفة من التعاطي، بالتوازي مع اعتقاد ملايين الناس حول الكرة الأرضية باقتراب نهاية العالم، خصوصاً مع حالة الهلع العالمية التي عززتها وسائل التواصل، بحيث أصبح كل من يسمع (سعال جاره) يسجل ذلك فوراً على صفحته الشخصية، لكي تأتي السلطات الطبية المختصة وتقبض عليه!
وعلى الجانب الاجتماعي أيضاً، قال بليك مورغان المحلل المختص بدراسة الاتجاهات والتيارات الجديدة، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): (لن تكون الحياة طبيعية حقاً لسنوات عدة قادمة، سيتذكر الناس في جميع أنحاء العالم أنهم قبل أيام قليلة كانوا يخافون من جراثيم جيرانهم).
من جهة ثانية، وعلى طريقة (من لم يمت بكورونا مات بغيره)، أقدم توماس شيفر، وزير مالية ولاية هيسن الألمانية، على الانتحار، لسبب بالغ الغرابة هو (قلقه البالغ) من التداعيات الاقتصادية لتفشي الفيروس. وعُثر على جثمان الوزير البالغ من العمر 54 عاماً قرب خط السكك الحديدية في مدينة فيسبادن.
وبنفس المنوال، عمد آلاف الإيرانيين في محافظة خوزستان جنوب غربي إيران، إلى شرب مادة (الميثانول) السامة، أو ما يُعرف بـ(الكحول الأحمر)، اعتقاداً منهم أنها تقي من الإصابة بالفيروس. ومن المؤسف أن 480 شخصاً قضوا نحبهم، وأصيب نحو 3 آلاف آخرين بعاهات مستدامة مثل فقدان البصر، جرّاء ذلك.
هل يغيّر الفيروس العالم؟
ربط بعض المحللين بين الفيروس واختفاء كيانات سياسية كبرى من حجم الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بعد ما صرح جوسيبي كونتي، رئيس الوزراء الإيطالي، بأنه: (في إيطاليا، وأيضاً في دول أعضاء أخرى، نحن مرغمون على اتخاذ خيارات مأساوية، ينبغي علينا تجنب أن نتخذ في أوروبا خيارات مأساوية. إذا لم تثبت أوروبا أنها على مستوى هذا التحدي غير المسبوق، فإن التكتل الأوروبي بكامله قد يفقد بنظر مواطنينا، سبب وجوده).
وحذر دومينيك رينيه، مدير مؤسسة الإبداع السياسي (فوندابول) في حوار مع صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية، من أن أزمة كورونا قد تعلن نهاية الاتحاد الأوروبي، قائلاً: (في حال لم يتعلم الاتحاد الأوروبي الدروس الضرورية من الأزمة التي اجتاحت القارة، فإن أعداء الاتحاد سينتصرون. لكن انتصارهم سيكون عابراً ومأساوياً، حيث ستنهار أوروبا، ثم تنهار كل دولة من دولها).
وإلى ذلك، توقعت مجلة (فورين أفيرز) الأمريكية في تقرير نُشر مؤخراً، أن يؤدى وباء كورونا إلى إعادة تشكيل النظام العالمي، حيث تناور الصين بعد تعافيها من الجائحة سعياً إلى قيادة العالم، في الوقت الذي يتداعى فيه دور الولايات المتحدة على المستوى الدولي.
مثل هذه التوقعات السياسية الكبرى صدرت عن مجلة من وزن (فورين أفيرز) لا لسبب وجيه، سوى أن الصين قدمت حتى تاريخه مساعدات طبية ولوجيستية إلى 89 دولة و4 منظمات دولية لمكافحة فيروس كورونا الجديد، أي أن المجلة بنت تلك التوقعات الكبرى على مجرد (الاستجابة الإنسانية) التي أدّتها بكين تجاه فيروس اعتبرت أنها مسؤولة عن انتشاره في جميع أنحاء العالم، بشكل ما، وأن من واجبها مكافحته للحيلولة دون حدوث أزمة اقتصادية كبرى، ستكون الصين نفسها أول من يدفع ثمنها!
هذا الإعلاء من شأن (الاستجابة الإنسانية) هو الإعلان الأول من نوعه في تاريخ البشرية، منذ عهد الطوفان العظيم. ومن المفارقات الاستقصائية بطبيعة الحال، أن يُحدث ذلك النزوع نحو (الكرم) أثره السياسي الدولي الجبار هذا، في مسيرة النوع البشري، بسبب فيروس لا يُرى بالعين المجردة، ما دفع الدبلوماسي البارز في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، إلى التحذير من وجود (مكوّن من الجغرافيا السياسية، يتضمن الصراع على النفوذ، من خلال سياسات الكرم)!
والحقيقة أن مبدأ (الاستجابة الإنسانية) لم يكن يوماً، ولن يكون، مسوغاً لقيادة العالم، أو تكئة لتغيير النظام الدولي، وأن مثل هذه التحليلات المُغرقة في الوهم، والتي تحتاج إلى عقل استقصائي من وزن الكاتب الإنجليزي جوناثان سويفت، تحمّل الفيروس فوق ما يحتمل، وتلبي حاجة عالمية إلى الوهم، في عالم بات مريضاً بالوهم.
ويقول الكاتب د. عبدالمنعم سعيد: (في العام الماضي أعاد غراهام أليسون، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، الذهن إلى ما سماها (عُقدة ثوسيديدس) وهو الفيلسوف الإغريقي الذي كتب عن (حرب البلوبنيز) التي جرت قبل الميلاد بين أثينا وإسبرطة، ورغم أن هذه الأخيرة كانت هي التي بدأت الحرب، وانتصرت فيها، فإن ما رآه ثوسيديدس كان أن سبب الحرب ارتفاع قوة أثينا، فلم يكن هناك بُدٌّ من شن الحرب عليها. ترجمة هذا المثال التاريخي على عالم اليوم هو أن صعود قوة الصين، والآن ترشيحها للقيادة في العالم في زمن (كوفيد – 19) يبدو كما لو كان طريقاً آخر إلى جهنم. وربما كان ذلك أحد عيوب الأمثلة التاريخية، فلا أمريكا هي أثينا، ولا الصين هي إسبرطة، ولا الزمن زمن الإغريق، إنه القرن الحادي والعشرون).
أمّا أغرب ردود الأفعال على تفشي الفيروس، فوقعت في مدينة الإسكندرية الساحلية المصرية، حيث خرج العشرات من سكان منطقة (أبو قير) الشعبية، في مسيرة محدودة مساء 24 مارس (آذار) هاتفين بالتكبيرات والدعاء لـ(رفع الفيروس) عنهم، غير عابئين بإجراءات الحكومة لمنع التجمعات وبتعليمات وزارة الصحة للوقاية من العدوى، الأمر الذي دفع الشرطة المصرية للتدخل، وفض واحدة من أغرب المسيرات في العالم!
وربما يُضاف إلى بند الغرائبيات، أخيراً، ما قررته السيدة أناماريا خوسيه، الأم المكسيكية المصابة بالفيروس ذات ال 34 عاماً، بعد إجرائها عملية ولادة، أن تسمي طفليها التوأم اللذين يتمتعان بصحة جيدة (فيروس) و(كورونا). الطبيب الذي نجح في توليد السيدة قال إنه كان يمزح مع الأم عقب الولادة، حين اقترح عليها الاسمين، لكنه فوجئ بأنها أخذت مزحته على محمل الجد. وهو تصرف ربما يوحي، في نهاية المطاف، بانتصار الحياة على الموت.