مهند مبيضين: الإعلام السعودي يقود الإعلام العربي
حوار/ محمد فهد العقيلي: الأردن
المفكر العربي والأكاديمي ووزير الإعلام الأردني السابق الدكتور مهند مبيضين، مؤرخ وقريب من الأدب والإعلام والسياسة والمجتمع، ومهتم بالتاريخ، من حيث تاريخ الناس والتحولات الكبرى. ثقافته التاريخية تشكلت في جامعة مؤتة، وذهابه إلى جامعة آل البيت، هو حالة تحول معرفي وثقافي. انطلاقاً من هذا العمق الفكري الكبير والراقي ومسيرة إبداع ممتدة عبر الزمن ارتكزت عوالمها على جذور من العصامية واستشراف للمستقبل بعيون تاريخية؛ (المجلة العربية) أجرت معه الحوار التالي:
شأنك شأن أي عربي مبدع ومتفوق في مجاله، حدثنا عن الثنية، الشاهدة على الميلاد والبدايات؟
- أنا نشأت في قرية بسيطة اسمها الثنية جنوبي الأردن، وهي خربة رومانية قديمة، وكانت حاضرة في التاريخ القديم، وذكرها المؤرخون المسلمون وعاش ابن بطوطة فيها أياماً، وذكرها ابن فضل الله العمري في كتابه مسالك الأبصار، وكانت أحد مراكز الحج الإسلامي وعاصمة مؤقتة لدار السلطنة في العهد المملوكي.
في الصغر، كان بالقرب من القرية معسكر للجيش السعودي، في غابة أبو حمور، وسكن بعضهم في قرية أبو الشحم (المأمونية)، وبعض السعوديين عاشوا في المنطقة ويذكرونها، وتحدث معي أحد السعوديين مؤخراً عن قرية الثنية وهو يذكر أسماء الطلبة الذين درسوا معه من عشيرة الصعوب والمبيضين، وغادر الجيش السعودي أواخر السبعينات، وكان سبب وجودهم لدعم وإسناد الاردن في مواجهة إسرائيل.
والدكم رحمة الله، كان عسكرياً ثم تقاعد، وعمل في الأعمال الحرة؛ هل الانضباط في شخصيتكم واحترام الوقت يعود إلى التربية من المدرسة العسكرية؟
- أكيد، فالتربية الصارمة هي في تقدير قيمة الوقت والانضباط، واستثمار الوقت بشكل جيد، فلا يوجد وقت فراغ، نذهب إلى المدرسة ونعود، وهناك عمل في إجازة الصيف. وأبي حثني بعد التخرج من جامعة مؤتة على الدراسة العليا خارج الكرك، ورفض أن ألتحق في الوظيفة، وأصر أن أكمل الدراسات العليا، وهو يحب العلم كثيراً، حتى بعد حصولي على درجة الدكتوراه.
وأذكر أنه قال لي بعد البكالوريوس اذهب إلى جامعة جديدة اسمها آل البيت، تم إنشاؤها جديداً في محافظة المفرق شمال شرق الأردن، لترى ناساً جدداً، وفعلاً كانت حالة تحول بالنسبة لي، تحول معرفي وثقافي، ومكان جديد، فكل الأستاذة في قسم التاريخ كانوا علماء عرب لم يكن بينهم أردني، نبيه عاقل مؤرخ سوري وسيد مقبول وأحمد هندي، وفاروق عمر فوزي وحسين القهواتي عراقيان ومحمد الأرناؤوط سوري ألباني، ومن ثم جاء الجزائريان أبو القاسم سعدالله وناصرالدين سعدون وكانا يقدمان منهجاً جديداً وثقافة عالية.
جامعة مؤتة ودراسة التاريخ والآثار فيها، لماذا التاريخ؟ وهل فعلاً شكلت هذه المرحلة الوعي الثقافي لديكم؟ وأكثر من ذلك تولدت شخصية مؤرخ أردني قادم ليشكل لاحقاً حالة ثقافية خاصة فيه، كيف ذلك؟
- أنا كنت أحب التاريخ، وأول كتابين اقتنيتهما عام 1986 كتاب قسطنطين زريق (نحن والتاريخ) وكتاب آخر كان يصدر عن سلسلة زدني علماً، وهو مصور عن نابليون بونابرت، وذلك عندما زرت عمان لأول مرة في رحلة طلابية مدرسية، وذهبنا إلى الجامعة الأردنية، وكان هناك معرض للكتاب، واشتريت الكتب من مصروفي في الرحلة، وكان ثمن الكتب بدل الطعام، وقصتي مع كتاب قسطنطين زريق أنه أصبح مقرراً في مراحل دراسية لاحقاً، وعندما دخلت الجامعة في البكالوريوس قلت للأستاذ في مادة منهج البحث: إن الكتاب قديم بسبب أنني لخصته مرات عديدة فقال لي: من قال لك ذلك؟ فقلت له أنا قرأته في الإعدادية والثانوية ولخصته مراراً، وثمة كتب أخرى، فقال لي مستغرباً هذا كلام: شيوعيين، وطردني من القاعة، وأنا كنت مستغرباً، ما علاقة ما قلته بكلام الشيوعين، وبينما نفس الحادثة حصلت معي في جامعة آل البيت مع الدكتور حسين القهواتي، فقال: يا بني اختر أي كتاب جديد وصل إليك فربما الأستاذ يكون مشغولاً في العمل الإداري، ويغيب عنه ما صدر حديثاً، وفي الجامعة الأردنية حدث مع الدكتور عبدالعزيز الدوري الذي نقدته في كتابه عن منهج البحث التاريخي ونقدت قسطنطين زريق، وكان منه أن دعاني بعد المحاضرة لمكتبة ودعاني لفنجان قهوة.
نعم أحب التاريخ، ولما حصلت على قبول في تخصص التاريخ بالجامعة، أبي كان يريد أن أدرس القانون في جامعة مؤتة، قال: ادرس قانون. قلت له: بشرط أن أذهب إلى سوريا أو العراق أو مصر. فقال لي: لا أريد أن تبعد عني، وهو يعلم بأني لن أدرس القانون، وسوف أدرس التاريخ، وتوفي رحمه الله ورغبته أن أدرس القانون.
نعم ثقافتي التاريخية تشكلت في جامعة مؤتة، وحينا كنت لا أحب الإجازات الدراسية، وكنت أنا وزملائي نقسم القراءات في العطلة الصيفية، وكل واحد يأخذ عشرة كتب في علم الاجتماع والفلسفة والسياسة والقانون والأدب ونلخصها، لتكوين ثقافة موسوعية.
المعروف عنكم حب القراءة لدرجة الشراهة في ذلك، هل القراءة لديكم متخصصة في التاريخ أو أكثر؟ من هم الأدباء والشعراء والمؤرخون القدماء والمحدثون الذين تحرص على قراءة مؤلفاتهم؟ وما نصيحتك للشباب في باب القراءة؟ وعن الرواية التاريخية؟
- أقرأ بشكل دائم ومستمر في علم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا، وكتب الرحالة والأدب لتكوين الذائقة، ومنشغل كثيراً في الرواية التاريخية، وآخر ما قرأت في الرواية التاريخية (كوم النور) عن عباس حلمي الثاني لريم بسيوني، وهي أستاذة في الجامعة الأمريكية في القاهرة. وحتى في المساقات أدرس الطلبة فلسفة أكثر من التاريخ، مثل كتب وأبحاث ميشيل فوكو والتوسير وكتب ماكس فيبر وكانط.. وغيرهم. وأتابع دائماً من مؤرخي لبنان أستاذنا رضوان السيد والدكتور وجيه كوثراني وخالد زيادة، وكذلك كتب المرحوم كمال الصليبي، ومن مصر نللي حنا وخالد فهمي ومجدي جرجس.. وغيرهم. أنا اهتمامي بالتاريخ العثماني، وأحب أن أقرأ في العادات والتقاليد والتراث والنقد الأدبي والسياسي. ولذلك نصيحتي للشباب القراءة في معارف مختلفة حتى تتسع عندهم الرؤية العلمية.
ما حاله الرواية التاريخية؟
- الرواية التاريخية مهمة، الدول اليوم تحتاج إليها بشكل كبير، وفي الأردن والسعودية وغيرها فيه اهتمام بكتابة التاريخ والسرديات الوطنية. ولكن اليوم أنا أعتقد أنه في السعودية يبرز اهتمام كبير بإعادة كتابة المذكرات، وأنا أرى بأن ما يقدمه المؤرخون السعوديون الشباب فيه استمتاع، لأنه يعالج قضايا متنوعة وأيضاً يدخل في السجالات، وهناك أعمال يقوم فيها صحفيون وأدباء مثل محمد السيف في أعمال تتعلق بالمذكرات وجمع السير، وأنا أعتقد بأن ما يقوم به محمد السيف هو محاولة مهمة وغنية، وهو قارئ موسوعي وبنفس الوقت لدية عين فاحصة ونقدية، ففي كتابه حمزة غوث قام بإعادة بناء الرواية لشخص ولملمة سيرته وإعادة إنتاجها في قالب مهم وبلغة بعيدة عن تقنيات الكتابة التاريخية التقليدية. وأعتقد أن ما كتبه محمد السيف عن رجال تلك الحقبة المؤسسة للدولة، أسس لرواية أخرى عن مرحلة الانتقال من الزمن العثماني للعهد الشريفي، وإلى زمن المملكة العربية السعودية في عهد الموحد الملك عبدالعزيز في منطقة الحجاز، وكتابه عن حمزة غوث كان فيه صبر وجهد وبحث كبير.
بعد الاطلاع على نتاجكم الراقي في التأليف الفكري نجد التنوع بين التأريخ والثقافة والسياسة ووصف المدن، الجمع بينها يكاد يكون صعباً على المبدعين، كيف جمعت بين هذه المجالات العلمية؟ وما هو أقرب المؤلفات إليك؟
- كتاب (أهل القلم الأول في دمشق) هو رسالة الماجستير. طورته بعدها وكان أول كتاب يصدر عن المعهد الفرنسي لدراسات العربية بدمشق، لأول مرة لباحث أردني، وهو مهم وعزيز عندي لأنني بذلت فيه جهداً كبيراً. أما مؤلف (شيخ الكار) بالأصل كان يجب أن ينشر قبل أهل القلم، وتحقيق كتاب (الكشف والبيان في خصال شرار أهل الزمان) كان متعة كبيرة، أما كتاب (ثقافة الترفيه والمدينة العربية) الصادر عام 2010 وهو نتيجة منحة من الصندوق العربي لدعم الثقافة، فهو الذي أحس أني أسكنه، لأنه طرق موضوعاً طريفاً هو حياة الترفيه في المدينة العربية، وهو تاريخ سسيوثقافي قمت فيه بمسح للمقاهي والحمامات ومراكز الترفيه بدمشق بالعهد العثماني، وزرت لأجل المقارنة مقاهي حلب وتونس والقاهرة، وعملت مقارنات بينها بالعهد العثماني. وبحث فيه أصل الحكايات الشامية والترفيه والزينة والعادات والتقاليد واللهو الحرام والحلال.
أما كتاب (الإخوان والقصر) فأهميته تكمن لأنه وثق التاريخ السياسي الأردني لحركة الإخوان في الأردن، ومواقفها المضطربة وانقساماتها العميقة، ومؤخراً صدر لي كتابان: الأول: العثمانيون بعيون عربية عن دار جداول، وهو خلاصة عمل كبير امتد لسنوات وعاين تحولات الصورة العثمانية عربياً؛ وكتاب: تدوين التاريخ العربي، الصادر عن جامعة حمد بن خليفة، وهو دراسة تطبيقية على المصادر والوثائق التاريخية.
الجوائز في مسيرة المبدع دافع مهم لرفع سقف الطموح والسمو؛ ماذا تعنى الجوائز في مسيرة مهند مبيضين؟ وأنتم حصدتم الكثير من الجوائز والتكريمات، جائزة شومان للعلماء الشباب أنموذجاً؟
- الجوائز مهمة، وفيها تقدير، ولكن ألا يكون عملك من أجل السعي إليها، المهم أن تكون تقديرية لجهود متراكمة، لكن اليوم الجوائز أصبحت متخصصة بموضوع واحد وكتاب واحد، وهذا خطأ، ويجب أن تكون على مجمل الإنتاج بشكل عام، وبعضها تجد فيه باب المنافع بين الزملاء والمعارف وهذه ضربة كبيرة للرصانة والحياد.
ظهرت ملامح الإعلامي المهني في مسيرتكم بوقت مبكر، وأنت الإعلامي المثقف الواعي، ما أهمية هذه التجربة في مسيرتكم؟ وهل من الضروري أن يكون الإعلامي مثقف ومطلع وعلى دراية ذات بعد عميق في الفكر والفهم؟
- بدأت في الإذاعة المدرسية، وكانت شيئاً مهماً مع الزملاء من نفس المدرسة، وبعدها أكملت في كتابة المقالة، بدأت بالصحافة الطلابية في جامعة مؤتة في صحيفة مؤاب الطلابية عام 1992، وكان اهتمامي دائماً بالقضايا الفلسفية الكبرى، وحصلت على ثلاث جوائز عربية في موضوع أفضل مقالة صحفية على مستوى الجامعات الأردنية للأعوام 1995- 1996 - 1997. وفي جامعة آل البيت بدأت أكتب بجريدة الحياة اللندنية عام 1997، كان ذلك بفعل رعاية أستاذنا رضوان السيد الذي كان يشرف على صفحات التراث في جريدة الحياة، ورعايته كانت لي ولجيل من الباحثين العرب الشباب. أما أول مقال نشر لي في الصحافة الأردنية المحلية فكان في جريدة الأسواق، نشره الأستاذ عوني الداود، ولم أكن أعرفه، وكان عن
(الوهن الثقافي والمشروع النهضوي العربي).
بالنسبة لي، الإعلامي يجب أن يقرأ كل ما يصدر من أهم المقالات والمراجعات، لتصبح لدية ذائقة لغوية، وعدة لغوية، وهي مسألة نظر ثقافي، وكما يقول الإمام النفري: (كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة)، وقد يخوض الإعلامي تجارب عديدة ولكن أصعبها أن تكون مقدم برنامج سياسي على الهواء مباشرة. ولا أنكر بأن الإعلام لعب دوراً كبيراً في تكوين شخصيتي.
يقال عنك بأنك من الأكاديميين الذين شكلوا حالة من الوصل مع الطالب، وخلْق روح من القرب لطلبتك، حدثنا عن مسيرتك الأكاديمية وأنت الأستاذ الدكتور في التاريخ الحديث في أعرق جامعات الأردن الجامعة الأردنية؟ حضورك الدائم بين طلبتك ضرورة أم ترف؟
- هنا أعود إلى الأساتذة الذين أحدثوا انعطافة في وعيي وأسلوبي البحثي، وأثروا أفكاري، ومنهم المرحوم إحسان عباس الذي كان يوصيني بألا أتحدث لأحد عن مشاريعي البحثية، لأني كنت مهتماً بالفتاوى والتاريخ، والتربوي العراقي الكبير محمد جواد رضا رحمه الله، والأستاذ الدكتور رضوان السيد الذي كان يحفزني دائماً على الكتابة. والطاهر لبيب من تونس، ومحمد الأرناؤوط، وبسام الهلول، وطه الطراونه، في جامعة مؤتة. وعلي محافظة في الجامعة الأردنية الذي أثر كثيراً في منهجي وأسلوبي، ودوماً تعجبني استقلاليته المعرفية. أما عبدالعزيز الدوري رحمة الله كان يقول (حوينه تدرس تاريخ حديث)، وكان يخاف علي من الإعلام وأن يسرقني من التاريخ، لكني وعدته أن أنجز بحثين سنوياً، وكتاباً كل عام ونصف فوافق.
العلاقة قائمة على الاحترام أصولياً، ومعاملة طلبة الدراسات العليا زملاء، وأشجع الطلبة على الاختلاف النقدي، وأنا من الداعمين للحرية الطلابية والارتقاء في مساحات النقد، ورفع سقف النقد لديهم، لأنهم يعشيون في نظام تعليمي أبوي صعب.
التعليم في الجامعات اليوم يقودنا إلى الهاوية في ظل الدراسات الإنسانية. وعدم التعاون والتكامل بين الدوائر العلمية المختلفة سيقودنا إلى الذوبان. والحكومات اليوم في سياساتها تتعامل مع العلوم الإنسانية بشكل ضعيف، وقد تكون محقة لأنه نحن من همشنا أنفسنا ودورنا وأضعفنا أنفسنا، لقد بالغ أساتذة الإنسانيات في الحرص على استقلاليتهم وتخصصهم، مما أفقدهم الحضور والوجود خارج الجامعات وأسوارها والتأثير في المجتمع، وهم اليوم في حالة الدفاع عما تبقى. الدولة العربية في حالة تطور كبير ومن الضرورة تغيير المجتمع وتحديث بنيته، وهنا كان يجب أن يحضر علماء الإنسانيات كما حصل في الغرب.
تسلمت حقيبة وزارة الاتصال الحكومي في حكومة المملكة الأردنية، هل العمل العام يحد من طموحات المبدع؟ وماذا يحتاج الإعلام الأردني اليوم؟ وهل الإعلام العربي يلبي طموح الشعوب؟
- تسلمت حقيبة الإعلام في حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، بعدها بفترة قليلة اندلعت أحداث السابع من أكتوبر، وهذه كانت مأساة على القضية الفلسطينية وأثرها على الأردن والمنطقة، إنها حرب بدون وعي، والسابع من أكتوبر صفى القضية الفلسطينية.
الإعلام الأردني بحاجة إلى إعادة مركزية التفكير فيه، كأساس من أساسات التقدم والنهضة، وإلى آفاق أوسع من الحرية ومبدعين حقيقين من القطاع الخاص، الدولة لا تريد إدارة الإعلام؛ الدولة تفتح الباب للناس وتقوم بالمشاركة والفعل والتخطيط لبعض السياسات، لكن فيه تقصير جانبي من العاملين في الإعلام، بعدم إدراك التغير وعدم إدراك التحول الذي تمر فيه الدولة والمجتمع.
في الإعلام العربي هناك تجارب ناجحة، وعن الإعلام السعودي أنت اليوم تلحق وراه، أولاً على صعيد السياسات والتشريعات وتوثيق المؤثرين، لا يوجود مؤثر بالسعودية يخرج يتحدث بأي شيء، هناك تجربة محترمة وضبط للإيقاع، هناك تنوع في المنتجات الثقافية.
شاهد البودكاست في السعودية وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوسيع نطاق الحضور الدولي في السعودية عبر استضافة المؤتمرات، بحيث نرى ملامح مهمة في أن يكون الإعلام جزءاً من الاقتصاد المحترم، وهناك تحول رقمي يزداد في المؤسسات الإعلامية السعودية، فالدولة ساعدت في نهضة الإعلام، و(منتدى الإعلام السعودي) أنموذجاً في دورته الثامنة برعاية وزارة الإعلام، فهو فرصة مهمة لإدراك التحول وما يشهده العالم من تغيرات، وأنا شخصياً شاركت فيه، هناك حوكمة الإعلام، وقد عملت الهيئة العامة للإعلام في السعودية على دعم وتطوير الإعلام والمنشآت الإعلامية ورواد الإعلام وضبط المشهد والتراخيص، وهناك تخطيط مركزي في الإعلام يتماشى من الرؤية، شيء مهم يحدث في السعودية، أعتقد السعودية الاختلاف فيها مجتمع كبير والإعلام السعودي مؤثر جداً في الإعلام العربي أكثر من غيره في الدول العربية.
الإرث الحضاري والتوثيق هي ضرورة وطنية في ظل ما يزخر فيه العالم العربي والإسلامي من إرث تاريخي إنساني عظيم، وأنتم اليوم على رأس مؤسسة أردنية مهمة وهي مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي، حدثنا عن هذه المحطة في مسيرتكم؟ وهل نحن العرب نسير في الطريق الصحيح في مجال الأرشفة والتوثيق والتدوين؟
- نعم هناك اهتمام بموضوع الأرشفة والتوثيق، لكنها بشكل عام ليست في حال جيد، مؤخراً ظهر بعض الاهتمام، وهناك جهود مبكرة وكبيرة في دول مستقرة، وبخاصة في المملكة العربية السعودية، في نموذج عمل دارة الملك عبدالعزيز التي قدمت عملاً متراكماً عظيماً، وهو متميز على مستوى الدراسات والتوثيق التاريخي وفي جمع التاريخ الشفوي وجمع الأصول التاريخية بطريقة جديدة تتناسب مع التقنيات الجديدة.
في الأردن مركز التوثيق الملكي الذي أنشئ سنة 2005 وأتشرف في إدارته الآن، عملنا على تحول هائل آخر خمس سنوات فيما يتعلق بالأبحاث والدرسات والدراسات العلمية والمتخصصة وبرنامج النشر الوطني. واليوم نقود مسألة التحول في الحفظ الرقمي وأرشفة الوزارات كجهة متخصصة، عدا عن الدورات العلمية التي نعقدها والدورات المهنية التي نعقدها للعاملين في الوزارات والأعمال التي ننشرها ودورنا في التثقيف الوطني، وفي الحقيقية أعتبرها من المحطات المهمة في مسيرتي، إذ قمنا بإعادة إنتاج دور المركز في المجتمع والدولة، وهذا أخذ من وقتي وجهدي الكثير.
تجربتك الثقافية والإعلامية امتدت على مدى بعيد، من حيث الجغرافيا والإنسانية، تربطكم علاقية جيدة في كتاب ومثقفين عرب، وبخاصة في منطقة الخليج العربي والمملكة العربية السعودية؛ ما رؤيتك لحال الثقافة العربية؟ وحبذا لو تحدثنا عن علاقاتك ومشاريعك الثقافية التي جمعتك مع مثقفين وكتاب من المملكة العربية السعودية؟
- الثقافة العربية بحالة جيدة، ولكن تواجه تحديات كثيرة ومشاكل كثيرة، وأعتقد هناك تراجع كبير في قيمة الثقافة الأصيلة لصالح التسليع. ومع ذلك، اليوم يوجد جهد ثقافي عربي فردي، والمؤسسات ما زالت ضعيفة، والجوائز باتت أشبه بمسابقات، وهناك منعة ثقافية ضد التطبيع، تعكس صلابة فكرة الأمة، والعمل على شبابنا ضروري لاستغلال طاقاتهم وتفعيل دورهم.
في الأردن نشاهد على منصات التواصل الاجتماعي مثلاً، صفحات توثق لمناطق وتؤرخ للبلد، وهناك نهضة ثقافية في السعودية، وبخاصة في البيئات في الأطراف، وبرامج ثقافية وإذاعية ذات هوية، تظهر الهوية الوطنية السعودية، هذا كله شكل إيجابي ويجب تطويره.
مثلاً، برنامج على خطى العرب للزميل عيد اليحيى، قدم أفضل مما قدمته الأقسام العملية للمواطن العربي في معرفة الأماكن التاريخية وحضور الشعر في تراث الأمة، ولما تم إنتاجه وبثه بتنا نعرف أين هي برقة ثهمد، وأين هو وادي الغضى، وأرض الشنفرى، وبيّن لنا فعلياً أن أحجار الصوان كالوشم في ظاهر اليد في برقة ثهمد، وكنت أدرس لطلابي حلقات من جهد عيد اليحيى للربط بين المصادر المختلفة والعلم التقليدي والتطور الجديد في الإعلام.
ومن باب الإنصاف لا المجاملة تعد المجلة العربية من أهم المجلات المستمرة والمتواصلة في الصدور، وتاريخ تأسيسها يعود إلى حقبة مهمة في تاريخ المملكة، واستمرارها وبقاؤها ودوامها ومواكبته للتحول يعطيها أفقاً ثقافياً مهماً وملهماً في الاستدامة والمواكبة، إذ تجاوزت الخمسين عاماً، وما زالت تقدم الجديد وعندها القدرة على التجدد وهذا مهم، لقد ولد كتاب من هذه المجلة وحوارات لتصبح مرجعاً مهماً، أنا استخدمت مقالاً فيها عن العمارة في الكرك من عدد صادر عن المجلة العربية للمهندس إيهاب عمارين، وربما حينها لم يقصد من إيهاب من مقالته لتكون مرجعاً لآخرين، ولكن أن يكتب مقالة فريدة في مجلة ثقافية تصل للناس ومجلة متوازنة ليست للنخبة فقط عندها يتحول المقال لمرجع.
في الختام الحديث معكم يطول جداً، ولا ينتهي. بين مهند الأكاديمي والمؤرخ والإعلامي والمثقف والكاتب والصحفي؛ أي الألقاب إليكم هي الأقرب إلى الوجدان؟ وهل هناك مشاريع جديدة؟
- الحمدلله، أنا أعمل الآن على أشياء كثيرة منها المقاهي ونشأة الحكي السياسي في الأردن فترة الحداثة في الأردن، وهذا يتطلب مني جهداً وبحثاً وزيارات، ويشمل المسح الكامل للمقاهي، ونتغلب بالحصول على معلومات عن بعض المقاهي التي اندثرت، وكيف كانت نظرة المجتمع للمقهى. ولدي دراسة عن العمارة والسياسة والسلطة والنفوذ في الأردن في عمان تحديداً، وهي بحاجة إلى عامين من العمل. ولدي كتاب عن الأصول الاقتصادية والاجتماعية للأردن الحديث، ودراسة أخرى عن القدس ودمشق من السجل الشرعي، ولقد أنجزت فيها الكثير، وغالباً كل سنة ونصف عندي كتاب.
أنا أرى نفسي مؤرخ قريب من الأدب والإعلام والسياسة والمجتمع، ومهتم بالتاريخ، من حيث تاريخ الناس والتحولات الكبرى.