بحلول أواسط القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي اجتاح العالم القديم وباء غير معروف، أطلقت عليه تسميات متعددة كالوباء الجارف والموت الأسود والطاعون الدملي.. وغيرها، وتأتي تسميته بالموت الأسود حسب بعض الباحثين إلى البقع الداكنة التي كانت تظهر على جلد المصابين، أو ربما كان الموت الأسود هو الطريقة الوحيدة لتصوير ذلك الحدث المفجع للغاية. بينما عرفه ابن الخطيب بأنه (مرض حاد، حار السبب، سمي المادة، يتصل بالروح بدءاً بوساطة الهواء ويسري في العروق فيفسد الدم ويحيل رطوباته إلى السمية، وتتبعه الحمى ونفث الدم أو يظهر عنه خراج من جنس الطواعين).
وفد هذا المرض المعدي إلى الحوض المتوسطي بما فيه الشرق الإسلامي وأوروبا وشمال أفريقيا من مناطق بعيدة، إذ تؤكد أغلب المصادر أن مكان ظهور الوباء هو آسيا الوسطى، أو ما سماها أحد المؤرخين العرب ببلاد الخطا وبلاد المغول، ومن هناك انطلق الوباء منذ ثلاثينات القرن الرابع عشر الميلادي، ليأخذ طريقه غرباً على طول طريق الحرير، ليحل سنة 747هـ/ 1347م بالبحر الأسود والقسطنطينية ومعها بلاد الشام وباقي المشرق الإسلامي ثم أوروبا وشمال أفريقيا، فبدأ الموت الأسود في حصد ضحاياه بالجملة. وبالنظر لشدة العدوى بالمرض فإنه لم يترك مكاناً في معظم الحوض المتوسطي.
والواقع أن الوباء قد حقق انتشاره الكبير عبر طرق متعددة، إذ لم يكن التجار وحدهم من نقلوا المرض، بل أسهمت الجيوش والبعثات الدبلوماسية وقوافل الحجاج في نلقه عبر المسارات التي انتقلوا عبرها، كما لعبت السفن التجارية دوراً ملفتاً في تسريع عملية نقله في الحوض المتوسطي، مسهمة في ظهور بؤر وبائية على الموانئ المتوسطية بضفتيها الشمالية والجنوبية.
ولسنا في حاجة إلى التأكيد على العدد الكبير من القتلى في هذا الوباء، إذ يكفي أن نلقي نظرة على مدونات المؤرخين ومذكرات الرحالة والمسافرين ودفاتر الأطباء حتى يتضح لنا هول الموت الذي كان يتركه وراءه بشكل يومي في كل المدن والمناطق التي زارها. إذ يشير أحد الناجين منه والمؤرخين له إلى أن هذا الطاعون قد أتى على (سبعة أعشار، ولم يتقدم فيما اتصل بأولي الاطلاع من تواريخ الأمم خبر وباء بلغ مبلغه من أخذه ما بين لابتي المشرق والمغرب واتصاله بالجزائر المنقطعة في البحر، واستئصاله أهل البيت والقرية على سبيل واحدة). بينما يقدر أحد الباحثين ضحايا الوباء بأربعة أشخاص من بين كل عشرة. أما حصيلته في أوروبا فبلغت أكثر من 35 مليون قتيل وفق بعض التقديرات. ولا غرو فقد كان (يتعلق بالناس تعلق النار بالهشيم بأدنى ملامسة أو إلمام بمريض أو مباشرة ثوبه وآنيته).
وأمام الأعداد الكارثية التي أضحى يخلفها هذا الوباء تهافت العديد من العلماء والأطباء على دراسته والتعرف عليه بشكل أكبر، في أفق تفادي الإصابه به، وهكذا ألفت حوله كتب عديدة بين مقالات قصيرة وكتب مطولة. ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: (مقنعة السائل) لابن الخطيب، و(تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد) لابن خاتمة سنة 749هـ/ 1349م. بينما ألف الشقوري محمد بن علي اللخمي (كان حياً سنة 771 هـ) كتاب (تحقيق النبأ عن أمر الوباء) وهو المعروف بالنصيحة.
ومن نافلة القول إن الوباء رغم خطورته إلا أنه لم يقضِ على الجميع، حيث تمكن الكثيرون من النجاة منه عبر طرق متعددة، ولا شك أن التجارب المتعددة للإصابات بالوباء والأعراض التي كانت تظهر على المصابين قد راكمت لدى الناس خبرات مهمة في كيفية التعامل معه، لا سيما لما رؤوه من هلاك من يباشر المريض بهذا المرض وسلامة من لا يباشره، واشتعاله في المباشرين له سواء من أهل الدار الواحدة أو الجيران والزوار. وهكذا ترسخت لدى الناس أهمية العزلة والبعد عن المناطق الموبوءة كحل فريد للنجاة من الوباء في ظل غياب أي علاج فعال.
وإذا كانت مصادر المرحلة المدروسة قد أفاضت في الإشارة إلى فتكه بالعديد من العلماء والمشايخ في نهاية ترجمتها لهم؛ فإنها لا تسعف الباحث في المقابل في التعرف على سبل النجاة منه، إلا أنه واستناداً إلى الجانب الوقائي في النجاة من هذا القاتل الصامت، فإنه يمكن عزو نجاة الناجين من الوباء إلى عدة عوامل منها:
العزلة القسرية: ونقصد بها العزلة التي يعيشها بعض الناس بشكل قسري بسبب استقرارهم في مناطق معزولة لا تطؤها الطرق أو منقطعة عن الناس، وقد تكون تلك العزلة لأسباب طبيعية كصعوبة التضاريس كما هو الحال بالنسبة للمناطق الريفية والجبلية على الخصوص أو المناطق الصحراوية البعيدة. أو لأسباب بشرية كما هو الحال بالنسبة للرحل الذين يعيشون نمط الانتجاع، مما يجعلهم قليلي الاتصال بالمناطق السكانية الكبرى، وحسبنا أن أهل الخيام والرحالين من العرب بأفريقيا وغيرها قد نجوا من الوباء الفتاك، ويدخل في هذه الخانة أيضاً هؤلاء الناس الذين وضعوا قسراً في مناطق معينة مقطوعة عن الناس، وفي هذا الصدد يطالعنا ابن الخطيب أن عدداً كبيراً من أسرى المسلمين قد نجوا من الطاعون حين ضرب مدينة إشبيلية بسبب وجودهم في السجن. والواقع أن هذا مثل هذه العزلة تبقى ذات فعالية كبيرة ما لم يتم كسرها باتصال أحد المصابين.
والملفت للانتباه أن الطاعون الأسود لم يدخل لبعض المراكز التي اتفقت بعض المصادر بصددها، ومنها معرة النعمان، على الرغم من موقعها بين إدلب وحماة وحلب، إلا أن المصادر لا تكشف عن سبب عدم دخوله إليها، كما لم يدخل إلى بلد شيزر ولا حارما، كما لم يدخل إلى المدينة المنورة بشهادة القلقشندي.
العزلة الطوعية: إذا كان البعض قد نجا بسبب العزلة القسرية؛ فإن هناك من اختار العزلة الطوعية عن الناس. فمادامت النجاة من هذه الجائحة لا تكون إلا بالابتعاد عن مسببات العدوى، فإن أفضل خيار يبقى هو العزلة المنزلية الطوعية. وليس من المستبعد أن تكون هذه العملية وراء نجاة الكثيرين، لا سيما في المناطق الكثيرة السكان. ومن القرائن الدالة على ذلك أن الزاهد ابن أبي مدبن قد طبق حجراً صحياً على أهل بيته بعد أن تزود لمدة، فـ(بنى باب منزله على أهله وهم كثيرون وفنيت المدينة، ولم يرزأ نسمة واحدة بطول تلك المدة). وبالرغم من المخاطر التي تطرحها مثل هذه العزلة التامة عن العالم الخارجي إلا أنها تبقى فعالة جداً في النجاة من الوباء، لا سيما إذا أحسن الإنسان التزود وجوَّد التصرف فيه.
الحجر الصحي: أمام طول فترة الوباء وانتشاره السريع لجأت بعض المدن والمناطق إلى تطبيق بعض الإجراءات التي تشبه إلى حد كبير الحجر الصحي الجماعي رغبة منها في تطويقه والحد من انتشاره، وفي هذه الصدد منعت سلطات دمشق الطبخ بالسوق، وكان أكثر الناس يأكلون الطعام الذي يصنع بالسوق، كما طالبت الناس عبر مؤذن يجول بالشوارع بالصيام ثلاثة أيام متواصلة.
ومع السبق الذي حققته دمشق في مجال الحجر الصحي من خلال إقدام الوليد بن عبدالملك على بناء أول مستشفى (بيمارستان) لعزل المصابين بالجدام لمنعهم من الاختلاط بالأصحاء أو باقي المرضى، إلا أن مفهوم الحجر الصحي قد ظل مرتبطاً بأوروبا خلال العصور الوسطى، وكان أول ظهور له لما حولت مدينة البندقية ديراً قديماً بجزيرة ملجيت (Mljet) لهذا الغرض في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، وأضيف عدد آخر من ملاجئ العزل بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر خارج المدن كالبندقية وميلانو، ضم بعضها عدداً كبيراً من الغرف، ليس لعزل المصابين فقط بل لإيواء أطقم السفن والأصحاء من المسافرين مخافة نقل العدوى. ولا غرابة فقد كانت تفرض على السفن والقادمين حجراً صحياً إجبارياً في هذه الأماكن التي كانت تسمى (بيوت الآفات)، كما أقدمت الكثير من المدن على نفس الإجراء خصوصاً الساحلية منها، إذ قامت ببناء أماكن دائمة لضحايا الطاعون، إلى جانب محطات الحجر الصحي للأشخاص القادمين والبضائع. كما تم تنصيب حراس على بوابات المدن لإبعاد المصابين، وأغلقت المتاجر. وكان من الطبيعي أن يصاب المواطنون بالخوف، كما صارت الأسر تخاف من التبليغ عن المرضى فيها خشية حبسهم أو نقلهم إلى بيوت الآفات.
وإلى جانب الحلول الجماعية التي استهدفت نجاة المدن بكاملها عبر تطويق المصابين وعزلهم؛ فقد نجا البعض الآخر متبعاً بعض الحلول الفردية، وحسبنا أن ابن بطوطة قد نجا من الطاعون نفسه، وكان قد صادفه في بلاد الشام لما كان عائداً من رحلة من الشرق الأقصى، ولا شك أن حرصه على إجراءات الوقاية هي التي مكنته من النجاة من الطاعون، لا سيما وأنه قد تعرف عليه في مناسبتين، الأولى سنة 735هـ/ 1435هـ في مملكة محمد بن تغلق بالهند، والثانية ببلاد الشام ومصر سنة 749هـ/ 1348.
وغني عن القول إن مجموع العوامل التي ذكرنا تدخل في خانة الحجر الصحي بمعناه الواسع، وإنما فصلنا بينها من أجل التوضيح أكثر. وقد أثبتت كل تلك الإجراءات مجتمعة نجاعتها في مواجهة الوباء الجارف الذي لازال العالم يتذكره بخوف وحذر إلى وقتنا هذا.
قصارى القول إن الطاعون الأسود قد استمر في قتل ضحاياه في الحوض المتوسطي طيلة خمس سنوات، تفاوتت حدتها بين منطقة وأخرى، لكن اختفاؤه سنة 753هـ/ 1352م لم يكن يعني أنه ارتفع بشكل نهائي، بل ظل يتردد على مختلف هذه المناطق على فترات متقطعة إلى حدود القرن السابع عشر في أوروبا، واستمر إلى ما بعد هذا التاريخ في مناطق أخرى كشمال أفريقيا. وإذا كان قد أهلك الكثير فقد نجا منه الكثير أيضاً، بفضل اتباع سبل الوقاية.
وإذا كان الناس قد سلكوا مسالك متعددة في النجاة منه إلا أنها توحدت في الآلية المتملثة في العزلة والابتعاد عن المصابين. دون أن ننسى أن من نجا من المرض لم ينجُ من تبعاته الاقتصادية والاجتماعية، إذ لم يسبب هذا الوباء الموت فقط بل جر معه ويلات متعددة على الناجين كالمجاعات وكثرة السرقات وغياب الأمن وقلة السلع المختلفة.