مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

فصل الأخلاق عن الدين.. دوركايم نموذجاً

منذ قرن من الزمان أشغلت هذه الفكرة (فكرة فصل الأخلاق عن الدين) بال الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي (أميل دوركايم)، والسبب في ذلك أن فرنسا شرعت في فصل المتصلات ومن ضمنها فصل المدرسة عن الكنيسة، وقد كان لكانط إسهام فلسفي في ذلك، عندها تسابق المفكرون والسياسيون في التنظير لتطبيقات تخدم هذا القرار بشكل متناقض، فقد كانوا يصوغون هذه التنظيرات بحسب الأيديولوجيات التي يتمذهبون بها، فمن قائل برجوع الأخلاق للحسابات الوضعية المجردة، ومن قائل بالمرجعية النفعية، ومن قائل بالمرجعية الروحانية، ومن قائل بمرجعية المجتمع، ومن قائل بمرجعية العقل، فقام (دوركايم) بمحاولة صياغة علمية ممكنة التطبيق والتنفيذ المباشر في المؤسسات التربوية بتموضعات اجتماعية، فالمرجعية للأخلاق هي المجتمع.
يقول في محاضرات ألقاها في السوربون 1902م: (ومما دعا لإظهار هذه الحالة، ولا أقول لخلقها، إذ إنها كانت في الحقيقة كامنة وتتحين الفرص للظهور بجلاء، الثورة التربوية العظيمة التي اتخذت طريقها إلى بلدنا منذ عشرين سنة، فلقد استقر عزمنا على أن تكون التربية الخلقية التي نلقنها لأبنائنا في المدارس ذات صبغة دنيوية محضة، ونعني بذلك التربية التي لا تستند إلى المبادئ التي تقوم عليها الديانات المنزلة، وإنما ترتكز فقط على أفكار ومبادئ يبررها العقل وحده، أي أنها في كلمة واحدة تربية عقلية خالصة).
إذن هي حالة تم إظهارها فقط لا إيجادها من العدم فهي موجودة ولكن كامنة، وفي عالمنا العربي اليوم هي موجودة كفكرة نتيجة لتفاعلات كثيرة ولكنها كامنة نظراً لرسوخ العادات وبقايا العقيدة الإيمانية وبقاء الهوية المسلمة، يكمل دوركايم: (ليس هناك في عالم الحقيقة ما يمكن أن نجزم باستعصائه أصلاً على العقل البشري).
وهذا من أثر الثورة على الكنيسة ورفض تحكم رجال الدين في تفسير الكتاب المقدس أو إعطاء حلول لمشكلات الحياة، والمشكلة تكمن في أن الكنيسة تفرض شروطاً ثقيلة للفضيلة وممعنة في المثالية (الرهبانية) ما يجعل تمثلها في دنيا البشر مستحيلاً، فهي تشير إلى حالة من النقاء ملائكية وليست بوسع الناس حيث تجاهلت تركيبتهم الخاصة وأنهم خلقوا بعقول وغرائز والواجب إزاء هذه الغرائز تنظيمها وصرفها في المصارف الصحيحة لا كبتها أو إلغاؤها هذا على صعيد التنظير، أما على صعيد التطبيق فقد كان رجال الكنيسة خونة يأكلون أموال الناس بالباطل ويمارسون أنواعاً من الخطايا لا تتناسب لا أقول مع تنظيراتهم بل مع إنسانيتهم، وحتى التسامح بالغوا فيه تنظيرياً (من صفع خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر)، بينما مارست الكنيسة ألواناً من الاعتداء على ممتلكات الناس وعقولهم وأرواحهم، وأما المتدينون من عامة الناس فكانوا يتمنون هذه الحالة الطهورية المُنظَّر لها ولكن لا يستطيعون، فهم يتزوجون النساء، ويتملكون الأموال، ويبطنون في الخفايا خطايا مما أقلق نفوسهم وأقض مضاجعهم حينما كُلِّفوا بما لا يطاق، ولذلك فالإحساس بالخطيئة والحاجة الملحة لمخلص كرست في عقولهم عقيدة (الخطيئة/المخلص) فتعلقوا بالكنيسة وهم لها كارهون ولممارسات قطانها ساخطون، فنجم عن هذا ردة فعل عند الفلاسفة والمصلحين في صورة تعلق غال بالعقل وتمجيداً لقدرته، وعدم استعصاء جميع الظواهر الأحيائية أو الفيزيائية عليه، بينما نجد في الإسلام أن هذا الأصل مختلف عليه تماماً فالعقل عند المسلمين له المكانة الأسمى كتنظير مع وجود تقصير بالغ في التطبيق والاستعمال، فنحن دائماً ما نشير لمكانة العقل في القرآن ونؤكد على الأمر بالسير في الأرض والنظر والتفكر والاعتبار، ولكننا لا ننظر ولا نعتبر ولا نفكر، ومن احترام العقل أيضاً عدم الزج به فيما لم يخلق له فقد طوي عنه الغيب بنوعيه النسبي والكلي، فنشأة الكون جاءت إشارات عنها في القرآن والسنة، ولكن القصة الكاملة مطوية وانتهاء هذا الكون في ساعة لا يعلمها أحد، نعم هناك معلومات عن طريقة هذه النهاية في الكتاب والسنة ولكن الطريقة الكاملة لا يعلمها أحد، وكذلك الأخلاق حُسنها وقُبحها وعللها وأحكامها أظهر لنا الله طرفاً من ذلك وأخفى طرفاً، فهناك أحكام تعبدية مقطوعة الحكمة كعلم لنا وإلا فهي صادرة عن الحكمة وصالحة للناس ومصلحة لأحوالهم ولو لم يظهر ذلك لنا ولكن هذا هو مقتضى الإيمان ومحز النفوس الذي يثبت فيه أهل الصدق، والذي هو على رأس الأخلاق المطلوبة من أهل الدعاوى الفارغة.
ونحن عندما نتناول قضية فصل الأخلاق عن الدين لدى (دوركايم) لا نغفل عن التذكير بأن ممارسات رجال الدين النصراني مذمومة في القرآن ومذكورة لنا كي نتجنب صراط المغضوب عليهم فلعلنا نتوازن في رد فكرة الفصل وننظر هل اقتربنا مما حذرنا الله منه، وهل وقع منا اشتطاط تنظيري ومخالفة القول للفعل وما نسبة ذلك وأين هو وممن ولماذا وإلى متى؟
إن مخالفة الأقوال للأفعال فتنة للناس وقد أمرنا أن لا نكون فتنة للذين كفروا فكيف بالذين آمنوا عندما نقول شيئاً ونفعل أشياء، فالناس ليسوا على درجة من الصلابة الأخلاقية ولا الوعي العقلي ولا الاستلهام التاريخي هم أبناء وقتهم والمؤثرات عليهم غالبة فهم يتأثرون وقليل منهم من يؤثر.
ذكرنا أنه من الأصول التي قامت عليها هذه الدعوى هي الخصام بين العلماء التجريبيين وسلطة الكهنوت، فهي ردة فعل إزاء من استبد بالحقيقة المطلقة والتفسير الوحيد وتحكم في مصائر الناس بعد الموت، إما بصكوك الغفران أو بالطرد والإبعاد عن مملكة الرب، فالكنيسة تتدخل في الإنسان منذ يولد بحيث يعمَّد من قبل القس ويعتبر هذا اعترافاً به، ثم يتزوج بعقد لا يسري مفعوله إلا إذا مهره القس، وإذا أذنب اعترف له، وبعد ذلك يتولى القس مراسم دفنه وتوديعه من الحياة، بخلاف الإسلام فلا تعميد فيه، والزواج بشهادة مسلمين من عامة الناس، وتوبته بينه وبين ربه في ستر وحرية تامة، وجعلت الأرض للمسلم مسجداً وطهوراً، فيصلي متى ما أراد في غير أوقات النهي، وفي أي مكان غير متنجس، ويصح غسله وتكفينه من أي مسلم، فلماذا نقارن أنفسنا بهم، أو نظن أن الخلاف بين رجال دينهم وعلماء دنياهم موجود عندنا وإن لم يوجد فيجب علينا أن نفتعله؟!
لقد علمنا منذ أن أُنزل القرآن أن النصارى واليهود بدلوا شرائعهم المنزلة فقد قال الله: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم). فالدين الذي هم عليه والذي رفضه فلاسفة التنوير هو دين محرف والله يدعوهم إلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليهم نوراً مبيناً وهو القرآن يهديهم ويدلهم سبل السلام ويخرجهم من ظلمات هذا الدين المحرف إلى النور لا إلى فصل الأخلاق عن الدين وغيرها من ردَّات الفعل، وأخبر الله عنهم بقوله: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) وقال: (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) وقال: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) وقال: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) وقال: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبانها عليهم) وقال: (يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) وقال: (يا أهل الكتاب لستم على شيء).
وها هو (دوركايم) يؤكد هذا ويزيد بقوله: (أعني بذلك أن أكثر الواجبات وأهما ليست تلك التي تنظم علاقة الإنسان بغيره ممن حوله ولكنها واجباته نحو الآلهة.. فنلاحظ عند قدماء اليونان أن القتل كان يحتل في قائمة الجرائم مكاناً أدنى من الآثام التي تقترف ضد الدين.. فإن المعلومات الدينية هي التي تصلح وحدها لأن تكون أساساً لتربية تضع نصب عينيها قبل كل شيء تعليم الإنسان ما يجب عمله نحو الكائنات المقدسة).
وقد صحح الألباني ما جاء في سنن النسائي من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم).
وعنه في صحيح البخاري: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً).
فالخطاب موجه للمسلمين الذين هم يعتقدون العقيدة الصحيحة، ومع ذلك كان قتل هذا المعاهد غير المسلم سبباً في توعدهم بالحرمان من وجدان ريح الجنة الذي يوجد من مسيرة أربعين عاماً، إذن ففي الإسلام لا تهوين لحقوق المسلم ولا غير المسلم، بل هناك نظام ضابط للعلاقات وصبغ عام لجميع التعاملات مما يعطي الأخلاق المسلمة ضماناً للبقاء وللنفع وللصلاح لكل زمان ومكان، وليست واجبات إلهية محصورة في عدم التجديف أو التقصير في الوظائف الدينية كما لدى اليونان أو غيرهم، وكذلك آلهتهم متشاكسة فهذا إله للحب، وذاك للحرب، وآخر للعفاف، والثاني للذة الجامحة، فحق لهم أن يستسلموا بعدها لسلطان رجال الدين كي يوحدوا لهم مصدر التشريع الأخلاقي، ثم حق لهم الانتقال للقول بفصل الأخلاق عن الدين بعدما تغولت الكنيسة ودخلت بين الإنسان وملابسه وحكمت على دينه وآخرته، والأحق من كل ذلك دخولهم في السلم كافة، فهذا دين الإسلام لا عُقَد فيه ولا غصص ولا تاريخ من الصراع والانتقال من تطرف لآخر، بل ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً ولم يك إبراهيم من المشركين، بل عَبْدٌ لرب واحد أوامره حكيمة وتشريعاته موافقة للفطرة والعقل، وفي هذا سكون للقلب وراحة للضمير واستقامة لأحوال الناس في الدنيا وخير لهم في المعاد، لقد كُفينا مثل هذه الانقلابات في التفكير والسلوك، فتاريخنا ليس تاريخهم، وشريعتنا ليست شريعتهم، ولكننا أوتينا من قِبل تفريطنا في هذه الشريعة السامية ومن قِبل تنكبنا لها وعدم اعتزازنا بها كواقع عملي لا شعارات رنانة، فشرعة الإسلام مثل أي شرعة لا يمكن بحال أن يظهر أثرها في دنيا الناس إلا بالتطبيق لمضامينها لا بالتظاهر الصوتي الجاف.
إن (دوركايم) نفسه يعلم ما للأخلاق من ارتباط وثيق بالدين، وقد حسن الألباني في صحيح الترغيب حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون للبرآء العيب).
فصاحب الخلق الرفيع محبوب عند المشرِّع صلى الله عليه وسلم، وأصحاب الخلق السيئ مبغضون عنده، بل وأخبر أن أقرب الناس إليه في الجنة هو صاحب حسن الخلق، صحح الألباني في صحيح الجامع حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)، إذن فالأخلاق أثقل في الميزان من التعبدات الشعائرية، وهذا تنبيه لمن يظن أن النظام الأخلاقي الذي يشتكي منه (دوركايم) سواء لدى اليونان أم لدى الكنيسة هو نفس النظام في الإسلام، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم يبين من خلال هذه النصوص وغيرها الكثير أن الأخلاق نابعة من الدين وأنه في حال فصلنا بين الأخلاق والدين فقد سلخنا الأخلاق من لبها ولم يبق فيها إلا المسميات الباهتة فلا نحن حزنا الحضارة الغربية ولا احتفظنا بالهوية المسلمة.
ذو صلة