مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

طقوس الزفاف في تينغير

شهدت طقوس العرس في المغرب ومراسمه في الآونة الأخيرة تغيراً كبيراً وبدأت كثير من عاداته بالاندثار، وكان الحرص على الزواج في سن مبكرة سمة يتميز بها سكان مدينة (تينغير) اقتداء بسنة المصطفى عليه السلام وحماية لمجتمعهم من المفاسد الاجتماعية. فكيف كانت التقاليد والطقوس في إقامة أعراس الزفاف في عهد أجدادنا بمنطقة (تودغى) عموماً، و(أحجامن) خصوصاً؟ وكيف كان يتم الاستعداد لمراسيم العرس وتحضير العروس؟

 عندما يرغب الرجل في إتمام دينه يخبر أبويه بذلك، ويطلب منهما البحث عن الزوجة المناسبة له، فيتناقش الوالدان الأمر فيما بينهما، ويحددان كنَّتهما، ويذهبان إلى أهل العروس لطلب يدها للزواج على سنة الله ورسوله لابنهم دون أن يراها أو تراه، ثم تتم الموافقة من طرف الوالدين، وإن أعجبهم العريس وأسرته يقرؤون الفاتحة معهم، وبعدها يتم تحديد الخطوبة.
 في يوم الخطوبة يأتي العريس مع أسرته وأقاربه جالبين معهم الهدايا، ومنها: الكبش، السكر، القفطان، الحناء، الصابون، الزيت، السواك، النَّوَّار، الملابس والصندوق الخشبي الذي توضع فيه بعض الحاجيات الخاصة بالعروس، وكل هذا مصحوب بأهازيج المنطقة المعروفة (أحيدوس)، فيستقبلون بحفاوة كبيرة ويرحبون بهم.
أما العروس فتتهيأ وتتزين من قبل نساء مسنات، مرتدية لباساً أبيض اللون ومغطية الوجه بقماش رقيق شفاف أحمر محزوم بـ(تَسْفيفْت) ويخرجونها إلى العريس لتلبيس الخواتم حيث يجلسان في وسط ملحف أبيض محاطين بهدايا، وتحوم العائلة حولهما بأحيدوس مع الزغاريد، وتبدأ العروس بتوزيع الحلوى أو اللوز على العازبات فقط عقبة لهن، ويستمتعون بالحفل المختلط رجالاً ونساء حتى تنتهي جميع المراسم، والتي تستمر غالباً إلى طلوع الفجر.
خلال الإعلان عن العرس عند أهل العريس تقوم أسرة العروس (تسليت) بالبدء في الاستعدادات، منها تلبية حاجيات العروس ومتطلباتها من لباس وفراش وغيرها، أما النساء فيقمن بتنظيم الأماكن والبحث عن الأواني التي يحتاجونها في (أغرم) منها الطواجين، السينيات، البراريد. أما شيخ البيت (الأب) فينهمك في شراء البقر أو الغنم المعدة لتذبح في العرس، ووضعها في مكان واسع في القبيلة (أنْرار نْتقْبلت)، والمأكولات من الخضروات والقمح لإعداد الكسكس والدقيق المجهز.
ويكون الاستعداد لدى أهل العروس كما هي لدى أهل العريس، لكنهم يقومون بتنقية الساحة الواسعة (الرحبة)، وهي فضاء شاسع يضعون فيه الخيام، ويتم تنظيمها وتحديد مكان خاص بالعريس وعروسه، ويعلقون فيه (تَبِزارْت نمُزُون)، وطاولة كبيرة توضع عليها مأكولات العروس والعريس من حليب وتمر ولوز، على أساس أن يكون المكان مرتفعاً وبارزاً حتى يراهم الجميع كباراً وصغاراً.

تحضير العروس

يقام العرس في دار العروس لثلاثة أيام. أول يوم منها يسمى (أسحمي) من العرس، تغتسل فيه العروس في الصباح الباكر ثم تختبئ في غرفة حتى الليل إذ يدهن جسمها وشعرها بخليط من الحناء والزعفران وأنواع مختلفة من الأعشاب (النوار، الحامض، الملح، الزعفران) لتحمى من عيون الحساد، ولما في هذه الأعشاب من أريج فائح، وأثناء هذا اليوم تساعد العجائز أم العروس في تحضير ابنتها وتهيئتها، لكون العجائز يحفظن تفاصيل العرس وعوائده وكأنهن ذوات حق مكتسب، وهن يرددن أهازيج (لَفْوال) جميلة جداً تمدح العروس. وعندما تنتهي العروس من هذه الاستعدادات تلبس لباساً أبيض دلالة على صفائها وطهر شرفها، كما تحزم بطنها من الداخل بخيط أحمر وتظل مختبئة في الغرفة حتى تغادر إلى بيت زوجها. وفي الليل يقدم في وليمة العشاء الشاي والحلويات ثم الشواء، والكسكس الذي تتطوع نساء في طهيه إذ يسقينه بماء اللحم والخضر والكرعة وازكزاون. وأخيراً، تتم تلاوة الذكر الحكيم والدعاء للعروس وأهلها، بعدها يخرج الرجال والنساء، الشبان والشابات إلى (أنْرار) مقيمين أحيدوس، حيث تصطف النساء والشابات من جهة وفي الجهة الموازية يقابلهن الرجال والشباب، ويسمى هذا النوع بـ(أمحراي) ويظل الحفل إلى الفجر.
في اليوم الثاني (إغْمي) أو (لَهْديات) تغتسل العروس من ذلك الخليط من الحناء وترتدي لباساً أبيض، وتضع قماشاً رقيقاً أحمر فوق وجهها يسمى (توكيت) لحمايته، فهي إذا لم تضعه ستظهر على وجهها حبيبات صغيرة حمراء أو سوداء، أو سينتفخ بعد مرور أيام العرس، وعند قدوم الليل تضع العروس الحناء في رجليها إلى الكعبين، ويديها إلى الكوعين، ولهذا يسمى هذا اليوم (إغمي)، أما في الفطور، فيتم تقديم بركوكس (أسكيف إخرقان)، وهو عبارة عن دوائر كبيرة رقيقة تصنع من الدقيق، بحيث تكون هذه الرقائق لزجة أو مائعة، كما يوضع وسط بركوكس العسل والزيت والسمن. وبعد الفطور، يدخل الرجال والشيوخ (الطلبا) إلى البيت ليقرؤوا القرآن، ويقدم لهم مع الأكل الشاي والحلوى، ثم الكسكس ووجبة الغداء في الطواجن الفخارية مع (أخبَّاز) الذي يتم إعداده بدقيق القمح والماء والملح على شكل أقراص صغيرة، ويطبخ في أفران مخروطية الشكل وفوق أحجار صغيرة جداً خاصة به (أُرْفان).
بعد خروج الطلبة، تجلب النساء (العمت نسْ تَقبِلت) الطبول والطعارج والبنادير ليقرعن ويعزفن عليها، مغنين أهازيج أمازيغية جميلة (إزْلان) ويبدأن بالرقص والعزف حتى غروب الشمس.
وهؤلاء النساء لا يحضرن أطفالهن؛ بل يقدمن قدراً من المال لأهل العرس الذين يستضيفونهن بالأكل نفسه الذي قدم للرجال، وتأتي النساء مزينات بالحناء مستمتعات بأحيدوس و(أمحراي)، بعدها ينظمن دائرة كبيرة تتوسطها فتيات يحملن على رؤوسهن صينيات يوجد بها الطيب (الجاوي، النوار، تسبتاي) ومجموعة من الهدايا وتسمى هذه الدائرة بـ(تَغسايت)، وبعد (تغسايت) تأتي (لهدِيات) وتتمثل في جلب الأقارب الهدايا، منها تقديم علب من السكر وأكياس من القمح والأفرشة والملابس والنقود، وتستمر الهدايا إلى قبيل الفجر.
وفي اليوم الثالث (تَتكي) وهو آخر يوم في العرس، حيث تقوم العروس في صباحه بإزالة الحناء، ويحضر المدعوون من الأسرة لتناول وجبة الفطور، بالإضافة إلى دعوة أناس من أماكن أخرى يسمون (البَرَّاني) للاحتفال معهم واستضافتهم على وليمة الغداء الذي يكون عبارة عن طواجن فخارية مع أخباز.
أما في الثانية صباحاً، فتكون خاصة فقط بالفتيات الراشدات، إذ يمنحن بعض الهدايا للعروس التي بدورها تعمل على توديعهن بعد أن يرقصن ويغنين ويتمتعن بتوديع آخر يوم في عزوبيتها.
وفي الليلة التي ستغادر فيها العروس بيت أبيها تعمل امرأة من إحدى قريباتها بالتكفل بتزيينها بالسواك والكحل، وتساعدها في لبس قفطان و(تملحافت) و(توقيت)، وبلغة صفراء و(القطيب) أحمر اللون. وعند الانتهاء يتناول الحاضرون وليمة العشاء في انتظار قدوم العريس وأهله (إسنَين).

طقوس الزفاف عند أهل العريس

يركب العريس على فرس (تقمرْت) وهو يرتدي جلباباً أبيض ورُزَّة صفراء، وبلغة بيضاء مع حمله خنجراً في الحقيبة (أقْراب)، علاوة على وضعه سلهاماً أسود فوق الجلباب، في حين يتبعه الناس رجالاً ونساء على أرجلهم مرددين الأهازيج الشعبية، وعند وصولهم إلى دار العروس يدخل العريس إلى غرفة العروس فيحملها أو يأخذها بين ذراعيه ليخرجها ويركبها على ظهر جواده بجواره، وعند وصولهم إلى الساحة الشاسعة (الرحبة) ينزل العريس عروسه ويأخذها إلى المكان المخصص بهم، ليزيل (توقيت) على وجهها، ثم يقدمان لبعضهما الحليب والتمر واللوز دلالة على العلاقة التي تربط بين الزوج وامرأته، بعدها يلبسان الخواتم، فيقبل رأسها كما تقبل رأسه أيضاً، وكل هذا تحت أنظار المدعوين ونغمات أحواش ورقصاتهم التي تظل حتى الصباح.
والجدير بالذكر أن العروس لا تدخل بيت حماها حتى يمر أسبوع على زواجها، حيث تدخل إلى بيت أحد الجيران أو أحد أقارب العريس برفقة زوجها، وبمعية ثلاث نساء (تسقمت) يخدمونهما.
في الصباح الأول من هذا الأسبوع، يقدم الزوج لزوجته ملعقة من (بركوكس والسمن) كما تقابله الأمر نفسه.
أما في اليوم الثاني، فتلبس العروس مجوهراتها الفضية (القادون)، (تسْفيفت)، (تشاغوشت)، والدملج والحلقات، فتضع تسفيفت على رأسها والحلقات في أذنيها، والقادون وتشاغوست حول الرقبة والدملج في الكوعين، وتضع الحناء لزوجها بينما الناس يضعون النقود في زُليفة (إناء فخاري).
وفي اليوم الثالث، تزين العروس (بتزطا) والزعفران، وترتدي (تحرامت) أو (تشطاط) و(القطيب)؛ أما العريس فيلبس (الجابدور) باللون الأصفر، وهو سروال واسع في الوسط ومضيق في الرجلين وقصير ومطرز بـ(تاغورت)، ويكون القميص مفتوحاً في وسطه مع ارتداء بلغة صفراء، ثم يخرجون إلى الوادي برفقة المدعوين والعروس تحمل (أقليل) وهو إناء فخاري لجلب الماء إذ تغسل بها للعريس رجليه ويديه، بالإضافة إلى أنهما يلعبان لعبة اسمها (حِجْلا) يقفون فيها على رجل واحدة وتتشابك أيديهما دلالة على مساعدة بعضهما لبعض في الحياة بعد ذلك، وأنهما سيعيشان على السراء والضراء.
وفي اليوم الرابع، تخرج العروس هداياها وحاجياتها التي أتت بها من بيت أبيها فتجهزها النساء المكلفات في السينيات ويرقصن بها، ناهيك عن تحضير سينية أخرى خاصة بالطيب والنوار والزعفران والسواك والكحل والجاوي وغيرها.. حيث تتزين بها كل النساء الحاضرات في الحفل.
أما في اليوم الخامس من الأسبوع الذي تقضيه العروس خارج بيت حماها أو زوجها، ففيه يتناول المدعوون أكلة بها بيضة لكل فرد، ويقومون بـ(أحيدوس) التي يختلط فيها النساء بالرجال، وفيه أيضاً ترتدي مجدداً العروس (تكشيط وتسبنيت واردي) مع مجوهراتها.
أما في اليوم السادس والسابع، فيحتفلون بعرض وشرف العروس ويباركونها، ويقدم لها كل من في الحفل النقود في (تِسوِت) يتوسطه قالب من السكر مزين بالزعفران، كما يأتي أهلها لمباركتها وزيارتها جالبين معهم الخروف وكثيراً من الحاجيات، وهذه الأيام مهمة عند الأبوين وعندها أيضاً، فهو آخر يوم من أيام العرس الذي بعده ستدخل بيت حماها مباشرة.
وختاماً، نلاحظ أن في عصرنا الراهن لم تعد تطبق هذه الطقوس والعوائد إلا القليل منها، لأن المجتمع أصبح عصرياً وحديثاً، كما أن هذه التقاليد تختلف من أسرة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى.

ذو صلة