مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

في وداع محمد الثبيتي


في وداع محمد الثبيتي

بعد معاناة عام من المرض ودّع الشاعر محمد الثبيتي الدنيا، ليرحل الاسم الشعري المتميز ليس في المملكة فحسب بل في الوطن العربي. ولد الشاعر محمد عواض الثبيتي عام 1952م في منطقة الطائف، وحصل على البكالوريوس في علم الاجتماع وعمل في وزارة التربية والتعليم.
أعماله الشعرية: عاشقة الزمن الوردي، تهجيت حلماً.. تهجيت وهماً، بوابة الريح، التضاريس، موقف الرمال. وأصدر النادي الأدبي في حائل مؤخراً أعماله الكاملة في مجلد واحد، يضم جميع إنتاجه الشعري. وقد حصل على عدد من الجوائز أهمها: الجائزة الأولى في مسابقة الشعر التي نظمها مكتب رعاية الشباب في مكة المكرمة سنة 1397هـ عن قصيدة (من وحي العاشر من رمضان)، وجائزة نادي جدة الثقافي عام 1991 عن ديوان (التضاريس)، وجائزة أفضل قصيدة في الدورة السابعة لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري عام 2000م عن قصيدة (موقف الرمال.. موقف الجناس)، وجائزة ولقب (شاعر عكاظ) عام 2007م في حفل تدشين فعاليات مهرجان سوق عكاظ التاريخي الأول.

خالد قمّاش - مكة المكرمة –

إذا قلنا إنه مبدع.. لم نأت بجديد
وإن قلنا إنه شاعر.. فما قصدنا مفيد
هو مزيج بين هذا وذاك..
(غبش يتهادى على قدمين.. وجرح يقوم على قدم واحدة)..
هو سيد البيد والقصيد الشاعر الكبير محمد الثبيتي.. له مع الشعر غواية، ومع الإنسان رواية، ومع الأصدقاء حكاية..
وحكايتي معه ليست كحكاية عراب الحداثة الأكبر الدكتور عبدالله الغذامي مع مجايليه إبّان المد التنويري منذ أكثر من عقدين من الزمن.. التي اختزلها في كتابه المثير (حكايتي مع الحداثة)، ولكنها حكاية التلميذ مع أستاذه.. وسالفة عشق بين البيادر المتعطشة مع غيوم الشعر الماطرة.
وبداية الحكاية مع بواكير مرحلة الجامعة قبل مايقارب عشرين عاماً، حيث كانت الروح مشرعة للاطلاع والنهم القرائي الحر، حينذاك طلب أستاذي الدكتورعالي القرشي بحثاً عن شخصية شعرية في مادة الأدب السعودي، ومن مكتبة الكلية راق لي ديوان (عاشقة الزمن الوردي) وهو أول دواوين محمد الثبيتي المطبوعة. سألني الدكتورعالي: هل سمعت عن هذا الشاعر من قبل؟ لا أخفيكم أن عروقي كانت متشربة أنهاراً شعرية متدفقة على امتداد وطننا العربي الكبير، وأسمع آنذاك عن قامة شعرية باسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء أثارت ما أشكل شعراً وإبداعاً، وضخت الجمال في أوردة صباحات الشعر بـ(تضاريس) زودني بنسختها الصديق الصحافي خالد المحاميد بعد أن سحبت من الأسواق لأسباب سخيفة لا أخالها تخفى عن البعض.. منذ تلك الأيام وأنا أتنفس شعر هذا الرجل العربي الأصيل وأتمنى لقاءه.
وبعد تخرجي من الكلية وتعييني في العاصمة المقدسة، وأنا أقف في طابور البنك لتسلم المرتب الشهري قبل نظام الصرف السريع، وفي الطابور المجاور مكثت أحدق في رجل يقف محشوراً بين أرتال الوافدين ليتسلم (معاشه).. كنت أتأمل في سحنة هذا البدوي السمراء بشاربه الكث ونظراته المسافرة في وجوه الآخرين، وأنا أتمتم: (هذا) حصانٌ عصيٌّ فوق غرته.. توزّع الشمس أضواء الصباحات!
كنت أتساءل بمرارة الفنان: هل يعقل أن يكون هذا هو وضع المثقف الحقيقي والشاعر الخلاق الذي جلجل صوته عالياً بالشعر ابتداء من مهرجان المربد بالعراق، مروراً بدمشق العرب وقاهرة المعز وتونس الخضراء وانتهاء بسوق عكاظ واليمن الذي كان سعيداً؟!
انتظرته وعرفته بنفسي وتبادلنا التحايا وأرقام الهواتف (الثابتة) في زمن يضجّ بالعصافير والأمنيات، وكلما شجّ الحنين مفرق الضوء هاتفني بصوته المحشو غيوماً ونبلاً: «سلام.. وين الناس؟!» فأجيبه خجلاً: «بحضورك سيدي يصبحون الناس ناس!»
هي سنون مضت كان فيها -ومازال- كالنخلة الشاهقة.. تطول وتزداد شموخاً وعلواً، فيما يتقزّم الأدعياء أمام قامته المزملة في ثياب النور وهو يسكن (جبل النور)؛ ومن هنا اكتسب ضوء المكان وضياء الزمان.
وفي هذا الملف نجوب ردهات أصدقاء الثبيتي من مجايليه ومعاصريه ومصادقيه لنلمس عن قرب كمية النقاء والنبل التي كان يكتنزها هذا الشاعر الراحل، ونقف على الجانب الآخر من سيرة الرمل والوطن المنتظر..

 


محطم صورة المثقف النمطية.. ممارسةً
محمود تراوري


بالنسبة لي لا أستطيع فصل حياة الشاعر الراحل محمد الثبيتي -رحمه الله- إلى عالمين (إبداعي وإنساني). فهو واحد من أهم الشخصيات التي كسرت أمام جيلنا صورة المثقف العربي النمطية، التي تصوره كثيراً، طبلاً منفوخاً، ما أن ينثقب حتى ينمو منتفخاً من جديد، وما بين الامتلاء والارتخاء تمضي سنونه عليه وهو يترهل تدريجياً، حد الضمور العقلي، وبالتالي لا نتاج لافتاً له. لأنه من الأصل بالون، والبالونات من صفاتها فيزيائياً الصعود للأعلى مع أول نفخة، تحلق قليلاً ثم تهبط سريعاً، بعضها ينثقب وهو في الهواء، فلا يستمتع بالتحليق إلا قليلاً قبل أن يرتخي ويسقط بقوة مشينة.
الثبيتي لفرط ما امتلأ عمقاً ونزاهة ووعياً، كان يقف على قاعدة قوية، تجعله يجسد الثقافة والإبداع كسلوك وقيم وأخلاقيات وموقف.
عندما تكالبت عليه قوى المتشددين وبعض المحافظين في منتصف الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، ورفعت وتيرة محاربتها له مع صدور ديوانه (التضاريس)، ظل طوال الوقت محتفظاً بهدوئه وقناعاته, وأسفه على الفهم الخاطئ، لم يكن ناقماً أو حاقداً، بل كان مسروراً بالاختلاف، فهو من أشد المنحازين للتعددية التي يراها بداهة أنها تعطي المجتمعات حيوية وألقاً، أدرك ذلك لانطوائه على سيكولوجية كونتها قراءات عميقة في شتى مناحي الفنون والمعرفة والأسطورة، خاصة في شقها التراثي، وربما أيضاً لاكتمال نشأته منذ مرحلة مبكرة في مجتمع جماله يقوم أصلاً على تنوعه.
أمامنا شهدنا أبوته الفياضة تمارس عملياً بشكل آسر، فتعلمنا كيف نحاول أن نكون أباء صالحين، بدءاً من اختياره أسماء أبنائه (يوسف، نزار، هوازن، جمال، شروق، مي) ولعل في هذا إشارة مخبوءة لما يخزنه من رغبة في خلق وعي وواقع جديد، يجعلنا نلح على أسئلة تبحث في الأسباب العميقة التي تجعل الإنسان تعيساً مقهوراً مستغلاً حتى في شأن خاص جداً كتسمية أبنائه.
أذكر جيداً كيف كان يتغزل في ابنه جمال وهو طفل يحبو، ثم يمشي، لكنه لا يتعثر في حوارات طفلية رائعة مع أبيه وأصدقاء أبيه، مثلما أذكر تغنيه باسم (شروق) لحظة إعلانه. كان يعيش الشعر لذلك تعب.
فالشعر والفن عموماً نهر، لحظةَ يستمر متدفقاً عذوبة يتعب.
الثبيتي نهرنا الذي نمونا بين ضفتيه، أنا وطائفة من دجالي هذا الزمان.
كان (سمانا وصحراءنا وهوانا الذي يستبد نبلاً، فتحتويه القلوب).
 


البساطة العميقة
أحمد فقيهي


لكل شاعر حضوره في الحياة في بعدها الإنساني وحضوره في الواقع المعاش. ولأن المثقف في العموم والشاعر بشكل خاص يشكل جزءاً أساسياً من هذا الواقع؛ كان الثبيتي حالة مختلفة في هذا السياق من هذا الواقع، تتقدم فيه شخصية الشاعر والفنان, لم يكن رجلاً ينتمي للنخبة المثقفة, أولئك الذين ينظرون للمجتمع من أبراج عاجية.
أهميته تكمن في بساطته, وهذه البساطة تفضي بالضرورة إلى عمق، إنها البساطة العميقة تلك التي تمنح الفنان الشفافية والسمو.
وربما ينظر البعض إلى تلك البساطة المفرطة برؤية مختلفة وبفهم مختلف أيضاً؛ كونها تذهب بعيداً في العلاقات الاجتماعية والشعبية, وتخرج الفنان والمبدع من رمزيته, وأهميته كونه يمثل حالة لوحدها. ولكن في وضعية الثبيتي لاينبغي النظر إليه إلا عبر فهم تركيبة شاعر لايمكن إلا أن يكون (هو) ولا أن يكون (الآخرين).. إن شاعريته العميقة تجسد بساطته العميقة.
وهو جزء أساسي وجذري من إنسانيته، كنت أنظر إليه من خلال صداقة امتدت أكثر من 20 عاماً تأرجحت بين الاقتراب والابتعاد، تشاركنا في عدة أماسٍ شعرية.
وجدته ذلك الذي لاتنطوي شخصيته على فوقية مفتعلة ولا على مواقف مبتذلة, أخلص لقصيدته إلى حد مدهش ومذهل, خانته الحياة والظروف كما تخون كل المبدعين والخلاقين, كان يقف بين سلطة الشعر وسلطة الواقع، ولكن سلطة الشعر انتصرت على سطوة الواقع.
 


يغمرنا بنبله وتواضعه
طلال الطويرقي


حين تعرفت إلى الثبيتي قبل مايقارب خمسة عشر عاماً قررت زيارته في منزله، لم أكن أعرف أن ما يفصل بين منزلينا شارع كبير، وكنت متوقعاً أن يكون ساكناً في حي كبير من أحياء مكة المعروفة، لكني تفاجأت أنه يسكن حياً شعبياً يعرف بشارع الحج، وهناك في بيت بسيط استضافني في مكتبته، كنت متردداً في البدء من الاسترسال في الحديث معه لكن أريحيته قادتني إلى كسر ذلك الحاجز من التردد, وبدأت أطلب منه ما أحببت من قصائده، وكان يقرأ لي بإلقائه المتميز كل ما طلبت دون تردد، لقد ملأني بالشعر والمودة في ذلك المساء، وحين خرجت تبعني إلى الباب وحين بدأت المشي مغادراً أصر على إيصالي إلى سيارتي التي لم تكن متوفرة أصلاً، وقام بإيصالي إلى المنزل، ومن هنا بدأت ملامح تشكيل العلاقة تأخذ صورتها الأولية.
لقد كانت حميميته يداً تأخذك إلى عالمه الإنساني ببساطة غير متوقعة أبداً، وهكذا توالت الزيارات إليه يقودها الحب والقرب والمودة وشخصية لا تستطيع معها إلا أن تكون قريباً وودوداً.
أتذكر أيضاً أن الشاعر الصديق عبدالله الصيخان حين عرفني كان عن طريق الثبيتي، ففي أول لقاء بين الصيخان وبيني كان مندهشاً من هذا الطلال الذي رآه وسمعه على لسان الثبيتي ولم يره في الواقع, وكانت الدهشة واضحة على ملامحه، عرفت لاحقاً أن الثبيتي كان أخبره مثنياً علي وعلى ما أكتب حتى دون أن أعلم، ولم يكن أبو يوسف أخبرني بشيء من ذلك أبداً، فأسررتها في نفسي له وجمعتها إلى مواقف سابقة أشرقت في ذاكرتي من روحه الرحبة.
وحين بدأ مهرجان (سوق عكاظ) في موسمه الأول، لم يشارك الثبيتي للفوز بمسمى شاعر عكاظ، وقد ألح عليه أعضاء اللجنة دون جدوى، بعدها علمت والصديق خالد قماش بذلك وقررنا الذهاب إليه ليشارك في الجائزة خصوصاً أنه قامة شعرية ووطنية كبيرة، ذهبنا إليه وطلبنا منه أن يشارك، كانت المودة واسعة وسمعنا منه وجهة نظره حول المشاركة, لكن مودتنا من نفسه جعلتنا نصر على مشاركته مهما كلف الثمن، وبعد نقاش وإلحاح منا لم نترك له مجالاً لمواصلة الرفض ولم يترك لمودتنا أن تهدر تحت قدمي رفضه وإصراره دون فائدة، لقد أذعن لما نريد وتسلمنا على الفور دواوينه ومضينا بها ليتوج شاعراً لعكاظ في موسمه الأول.
لكننا بعد عام من إلحاحنا ندمنا ندماً ذريعاً بعد رفع قيمة الجائزة أضعافاً، ندمنا على فرضنا وإلحاحنا الذي كلفه الكثير ولم يقل شيئاً وكان باسقاً وحميماً كما عرفناه، لم يتحدث في الموضوع، ولم يعقب لكن حسرتنا على ما حدث كانت أكبر من نسيانها، وكبرت المرارة وقلنا: ما أجمل أن يكرمك الوطن وما أقسى أن يكرم غيرك بأضعاف ما كرمك، ورغم هذا ظل محافظاً على سموه وشموخه وإنسانيته، وحاضراً في أمسيات السوق الثاني وكأن شيئاً لم يكن.
آه ما أكرمك وما أجملك وما أبهاك، لقد كنت جميلاً في زمن القبح، بسيطاً في زمن الغرور، باسقاً في زمن الذل وبسط اليد واللسان، فعليك رحمة الله وسلامه وبركاته سيد البيد.
 


ممطر في صباح مشرق
فهد الخليوي

لا تقلّ عظمة محمد الثبيتي الإنسانية عن عظمة شعره، محمد عظيم في إنسانيته شديد الاعتزاز بذاته كريم بخلقه مترفع بعزة نفسه عن الاستجداء وتسول القادرين، مخلص مع أصدقائه وشديد الحب لأسرته.
أتذكر أن صديقه الحميم رجاالله الثبيتي أوصله إلى منزلي وبات عندي -رحمه الله- في تلك الليلة حيث ذهبنا صباحاً إلى المطار للسفر إلى اليمن للمشاركة في الأيام الثقافية السعودية.
استيقظ مبكراً قبلي وخرج من غرفة الضيوف ونزل إلى مطعم بجوار العمارة وأحضر طعام الإفطار ثم اتصل بي من جواله وأيقظني من غرفة نومي قائلاً: «الإفطار جاهز لا تزعج الخادمة بإحضار الفطور دعها نائمة!».
عندما وصلنا للمطار أخرج من جيبه نقوداً وأعطاها لسائق سيارة الأجرة ولم يعطني فرصة لتقاسم الأجرة بيني وبينه على الأقل، ومن فرط كرمه أنه كان يدفع من جيبه لسائقي سيارات الأجرة أثناء تنقلاتنا الخاصة في صنعاء مصمماً على عدم تكليفي بدفع مليم واحد، لم أستطع مجاراة كرمه الجم وألححت أن أدفع له نصف ما دفعه من نقود منذ لحظة سفرنا لليمن وإلا فإنني لن أرافقه في أي مكان سيذهب إليه بعد الآن.. امتص غضبي ببساطته وابتسامته الأبسط قائلاً: «طيب لما نوصل للفندق نتحاسب».
دخل كل منا إلى غرفته في الفندق وفي الصباح افترقنا.. ذهبت إلى عدن وذهب -رحمه الله- إلى المكلا, وكانت مدينة المكلا نقطة تجمع الوفد الثقافي في تلك الأيام الرائعة وختام فعالياته, وهي المدينة التي أمطرها محمد الثبيتي بدهشة شعره ذات صباح مشرق!
 


صمت شاهق يبوح بأسارير البلاد
جمعان الكرت


هذان العامان هما عاما فجيعة الشعر بفقدان شاعرين بارزين متألقين، هما محمد الثبيتي وغازي القصيبي، فبعد رحيلهما ماذا بقي للشعر والشعراء؟.. سؤال حارق وموجع كنصل حاد. والشاعر الراحل محمد الثبيتي عرفته عن قرب عند زيارة الوفد الثقافي السعودي لدولة اليمن الشقيق, وشارك مع عدد من الشعراء السعوديين في إحياء أمسية شعرية في جامعة صنعاء وأخرى في مدينة المكلا. وأذكر ساعة وصوله باحة الجامعة على مقربة من القاعة التي أقيمت فيها الأمسية استقبله عدد من أبرز مثقفي اليمن مرددين مطلع قصيدته الشهيرة:
أدر مهجة الصبح
صب لنا وطنًا في الكؤوس
يدير الرؤوس
وزدنا من الشاذلية
حتى تضيء السحابة
وكان احتفاءً مبهجاً بالثبيتي فألقى قصائده الشعرية (تغريبة القوافل والمطر والتضاريس وموقف الرمال موقف الجناس وغيرها) وحلّق في فضاء الإبداع جودة في الشعر ورصانة في المعنى وبراعة في الإلقاء وفخامة في الصوت. ويعد الثبيتي بحسب شهادة كبار النقاد أبرز الشعراء المعاصرين، وتميّز بالمفردة المنتقاة والرؤية العميقة ومراوغة المعنى واختزال الماضي, وتشظي الأسئلة حول المعاني البعيدة والجميلة. وها هو شراع الثبيتي يمضي دون اشتهاء.. وها هو الثبيتي يترك صداقته للبلابل والمدائن والحرائق، ليتركنا نحدق لنبحث عنه ولم نرَ إلا شميماً من أراك، لم تعد الشمس تقطر من شفتيه، أما صمته الشاهق لم يعد أيضاً يبوح بأسارير البلاد، وها هي النخلة تنفصل عن الثبيتي، لينشطر تاركاً لها البوح بما أفضى لها من أسرار، ليس بمقدورنا أن نقبض على جمرة الشعر فهي حارقة.. حارقة.. بعد رحيل الثبيتي.
 


محمد الثبيتي.. الرجل البسيط
سعد الثقفي


حين الحديث عن محمد الثبيتي رحمه الله، فلا يمكن أن نفصل محمد الثبيتي الشاعر عنه الإنسان؛ فهو رجل تخلّق بسمات القروي وعاش مرهوناً بحياة القرية ذات الخصال الحميدة، حتى ولو عاش في كنف المدينة؛ فلم يكن يوما متكلّفا، كانت البساطة تكتنف حياته وأفعاله، ولم يكن باحثاً عن الأضواء، بل كان يعتذر عن كل ما يمكن أن أطلق عليه التهافت على الشهرة.
لقد صرف جُل وقته قارئاً ومتأملاً، وكتب قليلاً من الشعر، إذا ما قورن بما قرأ. ومما يدلُ على رغبته في القراءة والتأمل، حرصه على أن يمضي بقية أيامه قبل التقاعد في المكتبة العامة بمكة المكرمة.
صحبته رحمه الله كثيراً، فسافرنا وأحيينا أمسيات شعرية سوية، لقد كان نعم الرفيق، ولا أبالغ إن قلت إنّه يبذل ما معه من مال، حتى وإن لم يكُ معه مالاً.
محمد الثبيتي رحمه الله كان مؤثراً بكل من التقاه، ولقد كنتُ أريد أن أعرف سِّر هذا التأثر به؛ فوجدته يكمن في بساطته وبعده عن الأرجوازية الممقوتة، وعدم التكلّف في أقواله وأفعاله، وصدقه مع نفسه ومع الآخرين.
 





الثبيتي.. ودموع ساخنة من أجل الأم الفلسطينية
عمر بو قاسم


لست هنا بصدد كتابة رثائية عن الشاعر الكبير محمد الثبيتي، سيظل دائماً حاضراً.. يتكرر اسمه في سماء الشعر وفي سماء الإنسانية، نعم في سماء الإنسانية، صديقنا الرائع خالد قماش، طلب مني أن أتصفح من ذاكرتي شيئاً من الجانب الإنساني عن الثبيتي،.. طبعاً.. صعب جداً أن أفصل بين محمد الثبيتي الشاعر والإنسان، فهو يصافح الحياة بنفس الروح (الشاعرة/الإنسانية)، وما تركه من إرث شعري خدمة للإنسانية.. ومن لحظات إنسانية تعبر عن إيمانه وموقفه الصريح تجاه قضايا الإنسان.. أذكر أننا كنا نجلس أمام التلفاز ونستمع لنشرة الأخبار، حضرت لقطة لأم فلسطينية تبكي بحرقة وهي تحتضن جثة ولدها الذي اغتالته إسرائيل، ألتفت إلى الثبيتي الذي وجدته قد تفاعل مع هذه الأم بدموع ساخنة.. دموع الإنسان والشاعر.. والآن وأنا أتذكر هذه اللحظة.. لي أن أقول ما أعظمك يا أبا يوسف.
 



 

في حضرة الأسطورة
فاطمة إلياس


لم يكن مقرراً لي أن أدير الأصبوحة الشعرية التي غرد فيها الشاعر محمد الثبيتي.. وأغدق على الحضور اليمني من وهج وحلاوة قصائده، وذلك ضمن فعاليات الأيام الثقافية السعودية في اليمن التي أقيمت في الرابع والعشرين من شهر فبراير عام 2009م، أي قبل حوالي عامين. لكن قدر لي أن أحظى بالجلوس على منصة الشعر بجوار عملاق الشعر السعودي الحديث، وعراب القصيدة الحداثية في الجزيرة العربية الذي هندسها بوعيه الحضاري وثقافته، وغذاها بعمق تفاعله مع بيئته، وزفها دونما ضجيج أو مزايدات.
لعب القدر لعبته حينما تسبب خلل في التنظيم في ضياع ندوتي في صنعاء، حيث طلب مني السفر إلى عدن بدلاً عن قاصة تخلفت عن الحضور! وهناك ثارت ثائرتي ورفضت المشاركة كقاصة! وبعد انتهاء فعاليات عدن طرنا في اليوم التالي إلى حضرموت، وتحديداً مدينة المكلا. وهناك فوجئت بلفتة كريمة ولطيفة من سعادة الدكتور بكر باقادر حين طلب مني إدارة أصبوحة الثبيتي الشعرية. لجمت الفرحة لساني، ونسيت حسرتي على ما فاتني في صنعاء بسب ذلك اللبس غير المقصود. كانت هذه الفاعلية من أهم الفعاليات لما يتمتع به الثبيتي من جماهيرية وتقدير، وكان الجميع يطمح في إدارتها حباً في هذا الكائن الهادئ، الذي يتفجر سحراً وعذوبة وعبقرية شعرية بمجرد أن يعتلي المنصة. ووسط فرحتي العارمة بهذا الاصطفاء، شعرت بالقلق وكأنما كنت أنا من سيلقي الشعر وليس الثبيتي، فطفقت أبحث عن محمد الثبيتي في بهو الفندق حيث كنا ننزل. لكني وجدته في ركن بعيد مخصص لاستخدام الكمبيوترات فيما يشبه مركز الأعمال. تقدمت إليه وعرفته بنفسي، وطلبت منه (ويا لغبائي!) السيرة الذاتية لأقرأها في الجلسة. رحب بي بهدوء وأدب وطلب مني الجلوس ريثما يطبعها لي من الكمبيوتر. وبكل تواضع مد يده بملف ضخم، وكأنه كتاب مصور، يحتوي على جميع قصائده، وطلب مني اختيار القصائد التي أود أن يلقيها. «من أنا لأختار لك؟»، أجبته وأنا في غاية الحرج. لكنه أصر، وقال لي مطمئناً: «أنتِ شريكتي في الأصبوحة، ويهمني أن تختاري ما سألقي من قصائد». كان ذلك هو لقائي الأول بمحمد الثبيتي. جلست بجانبه أتصفح الملف الذي اكتشفت فيما بعد أنه كان مسودة لكتابه الذي سيطبعه نادي حائل الأدبي. كان الملف مليئاً بتصحيحاته وملاحظاته التي دونها بخط يده تمهيداً لإعادتها لنادي حائل. وبعد أن انتهينا، نهضت مودعة، ولدهشتي وأنا أناوله مسودة كتابه، طلب مني الاحتفاظ به! وعندما ذكرته بأن هذا الكتاب يحتوي على مراجعات مهمة، وأن عليه أن يعيدها لنادي حائل. لكنه، و(يا لفرحتي!) أصر علي أن أحتفظ بتلك النسخة، وأجابني بكل كرم وأريحية: «لا عليكِ، سأكتبها مرة أخرى». وطلب مني إحضارها اليوم التالي لأن فيها القصائد المختارة، وبعدها يمكنني الاحتفاظ بمسودة الكتاب.
تأملت سحنة وجهه المرهق، وهمهماته المبحوحة، ورباطة جأشه وهو يعاند الإرهاق والسقم. شعرت بأني أمام أسطورة انبعثت من أرض عبقر، لكنها تقاوم الريح، وتقاوم الاندثار بالخلود شعراً، والصمود غناءً وحباً.
اليوم أعيد تصفح تلك النسخة لأعيد قراءة ذلك الوجه المتبسم حباً والمتجهم حزناً، وأتفرس في ملامح خط يده المبعثرة بين السطور، كحياته التي بعثرها الألم، وخذلها الحزن ووجع الانكساروهو يذرع البيد بحثاً عن وطن (يدير الرؤوس).


ذو صلة