يعتبر سهراب سبهري واحداً من ألمع الأسماء في الشعر الإيراني المعاصر، ولد وتربى في كاشان في محيط أسرة مهتمة بالأدب والفن. عمل لبضعة أشهر في مديرية الثقافة بكاشان وما لبث أن استقال من عمله بعد بضعة أشهر ليتجه بعدها إلى طهران لدراسة الفنون الجميلة ويتخرج منها بدرجة امتياز. تأثر سهراب في بداياته بأسلوب الشاعر نيما يوشيج، مؤسس الشعر الحديث في إيران، وبأسلوب الشاعر الإيراني السوريالي هوشنك إيراني. ويرى بعض النقاد بأن أسلوبه يقترب كثيراً من أسلوب الشاعر بيدل دهلوي (1651-1730)، أكبر شعراء اللغة الفارسية في الهند، وهو الذي كانت أشعاره ذات ذوق عرفاني رفيع ومفعمة بالغموض والمجازات الغريبة.
كتابة سبهري هي كتابة نثرية بسيطة الشكلِ مليئة بالموسيقى يمتزج فيها الحسي بالمعنوي، وهي في مجملها متحدة بالطبيعة والإنسان وتسعى إلى العروج من عالم المحسوسات نحو مجال الإشراق، وقد جعلته نصوصه هذه ذات الخطاب الكوني العميق مؤسساً لصوفية جديدة لا تنتمي إلى أي مذهب أو عقيدة.
تأثر سبهري كثيراً بفلسفات الشرق الأقصى ولا سيما (بوذية زن)، وتبدو آثارها جليةً في أعماله الأولى التي تشهد غياباً لتأثير الشعراء الصوفيين الفرس الذين سيتجلى تأثيرهم في كتابته بعد صدور ديوانه (وقع خطوات الماء)، حينما يبدأ سبهري كتابة جديدة تقوم على المزاوجة بين أسلوب الشعراء الفرس، جلال الدين الرومي تحديداً، وبين فلسفات الهند واليابان وأشعار الهايكو. وقد استقبلت قصائده بانتقاد وإنكار شديد من قبل الشعراء والنقاد الملتزمين قبل ثورة (1979م) الذين اعتبروه متعالياً على الناس والمجتمع.
يمتلك سبهري ثقافةً موسوعيةً، فهو على الرغم من تعمقه في ثقافات الشرق وأساطير شعوبه كان مطلعاً على التيارات والمدارس الشعرية الغربية، وكان قريباً من شعراء (مذهب التسامي) الذي أسسه الشاعر والفيلسوف الأمريكي (إمرسون)، كما استوحى فلسفته بدوره من الشعراء الصوفيين الفرس، حيث يتضح تأثير (ويتمان) عليه في مواضع عديدة من أشعاره.
وسع سبهري آفاق معرفته بالقراءة والعزلة والسفر، فقد سافر إلى شتى أنحاء العالم، منها سفره إلى اليابان وإقامته فيها لسنوات لتعلم فن الحفر على الخشب على يد أستاذ ياباني، وإلى الهند وأفغانستان وأمريكا وأوربا وإلى بلدان عربية.
كان سبهري خطاطاً ورساماً مجدداً أيضاً، ولا تقل أهمية لوحاته التجريدية عن أهمية قصائده، وقد نالت أعماله الفنية شهرة عالمية واسعة، فقد أقام معارض كثيرة في فرنسا والسويد وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا وهولندا واليونان والبرازيل ومصر وفلسطين.
يقال إن الشاه محمد رضا بهلوي استدعاه مرة إلى قصر المرمر، وسأله إن كانت لوحات هذا القصر جميلة أم لا؟ فأجاب سهراب بالنفي، فتمتم الشاه قائلاً: كنت أتوقع ذلك منك.
في عام 1980 ترك سهراب عالم المحسوسات ليتحد بخياله النوراني بعد مكابدة مريرة مع سرطان الدم.
الفجـر
في البعيد
بجعة مستيقظة باكراً
تمسح عن جناحيها الأبيضين
غباراً أسود..
ضفاف الجدول
والمجرى الأبيض
طافحان بأمواج الهمهمات..
الظل والنور
يزحفان ممتزجين
خلال السخام..
اليراعة تلمع
وسط النار البيضاء..
المستنقع
رفيق الرقص اللطيف
لحقل القصب
يفتح عينه الرطبة البيضاء..
خط من النور فوق الظلام
العتمة تبدو وكأنها
تتلألأ بذهب أبيض..
جدار الظلالِ ينهار
ويد النظرة
تبني في الأفق البعيد
قصراً عالياً من المرمر الأبيض
وسط حقل الزهور
يا لها من سهول شاسعة!
يا لها من جبال عالية!
أي ضوء كان العشب يبثه
من حقل الزهور!
في هذه القرية
كنت أبحث عن شيء ما
عن حلم ربما
عن نور
حصاة
ابتسامة..
خلف أشجار الحور
كان ثمة شرود نقي يدعوني
قرب حقل قصب مكثت
كانت ثمة ريح قادمة
أصغيت:
من الذي كان يتحدث إلي؟
سحلية زحفتْ.
مضيت
حقل برسيم قرب الطريق
بستان خيار
شتلات عصفر
ونسيان التراب
قرب جدول ماء
خلعت حذائي
وجلست
قدماي في الماء:
يا لنضارتي اليوم
ويا لتيقظ جسمي!
أخشى أن يطل حزن من وراء الجبل..
مَن هناكَ وراءَ الأشجار؟
لا أحد
بقرة ترعى بين الزرع..
إنها ظهيرة الصيف
الظلال تدرك
أي صيف هو هذا الصيف..
ظلال نقية
ركن منير صاف..
أطفال الإحساس
مكان اللعبِ هنا
الحياة ليست خاويةً
الحنان موجود
والتفاح
والإيمان..
نعم
مادامت شقائق النعمان موجودة
علينا أن نحيا..
في قلبي شيء
شبيه بغابةِ نور
شبيه بنومِ الصباح الباكر..
جزِع أنا
وبي رغبة
في أن أركضَ حتى عمق السهول،
أنطلقَ حتى قمم الجبال..
البعيد صوت
يناديني
النور، أنا، الوردة، الماء
ما من غيم
ما من ريح
أجلس قربَ البركة
تجوال الأسماك، النور، أنا، الوردة، الماء..
صفاء عنقود الحياة
أمي تقطف الريحان
الخبز والريحان والجبن، سماء بلا غيم، ورود التبغة الطرية
خلاص قريب
بين ثنايا ورود الفِناء..
النور في آنية النحاس
أي لطف يسكبه!
السلم من فوق الجدار العالي
يجلب الصباح إلى الأرض
كل شيء مختبئ خلف ابتسامة..
ثمة كوة في جدار الزمن
يطل منها وجهي
ثمة أشياء لا أعرفها
أعرف أني سأموت لو اقتلعت عشبة
عالياً أنطلق حتى القمم
مفعم أنا بالأجنحة والريش
أبصر الطريق في الظلام
مليء أنا بالفوانيس
مليء بالنور بالرمال
بالأشجار
بالدروب
بالجسور
بالأنهار
بالأمواج
مليء بظل ورقة شجرة في الماء
كم هي وحيدة أعماقي!
نـوم
من نبع الحلم عدت
في يدي جرة ماء مبللة..
كانت الطيور تغني
وأزهار النيلوفر تتفتح..
الجرة المبللة هشمتها
أوصدت الباب
وجلست في الإيوان
أتأملك
أجَل، نحن برعم حلم
- برعم حلم؟ وهل سنزهر؟
- يوماً ما تكون فيه الأوراق ساكنة
- في هذا المكان؟
- كلا، في وادي الموت.
- حيث الظلام والوحدة؟!
- كلا، حيث الخلوة والجمال.
- من سيأتي لتأملنا؟ من سيشمنا؟
- ...
- وستنثرنا ريح؟
- ...
- وسنتساقط ثانيةً؟
- ...
حاصدو الفجر
أفتح النافذة باتساع العالم
الطريق خال
الشجرة مثقلة بالليل
وما من غصن يرتعش..
الماء متعب من الجريان
لستِ هنا، فلا شيء يَميد..
لستِ هنا، النبض دوامة..
لستِ هنا وكأن هديرَ الأنهار مكتوم والوديان غير مقروءة
تجيئينَ: ينهض الليل من الوجوه ويحلق السر من الوجود
ترحلين: تعتِم المروج وتدفق الينبوع ينكسر
تغمضين عينيكِ: فيلف الغموض العشب
يهب محياكِ فيستيقظ الماء
تمرينَ فتتنهد المرآة..
الطريق خال
لن تعودي
وأنا لست في انتظاركِ
في الفجر
من الطريق المقابلة يصل الحاصدون..
لقد رأوا نضوج سنابلي في الحلم