مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

سينما جاكي شان

جاكي شان (1954م) لاعب فنون قتالية حاصل على الحزام الأسود، والماجستير في كيفية الاستفادة من فنون الرقص الشعبي الصيني في تطوير الفنون القتالية وسينما الأكشن، وهو مغن، وشاعر، وممثل، ومصمم معارك، ومدير تصوير، ومؤلف، ومخرج، ومنتج.
بهذا الإبداع الموسوعي قام جاكي شان بتطوير سينما الفنون القتالية بعد أن تسلم الشعلة من الرائد بروس لي. ولموهبته الفنية الكبيرة، اشتهر بأسلوب ملاكمة السكير في القتال، والحركات البهلوانية التي ابتكرها بنفسه، واستخدم الأسلحة المرتجلة في معاركه، كالكراسي والطاولات والمصابيح. وخلال مسيرته التي تبلغ أكثر من ستين عاماً، قدم نحو 130 فيلماً منذ ستينات القرن الماضي حتى الآن، باعتباره أيقونة ثقافية، والمسؤول بشكل كامل عن أفلامه.
أبدع أيضاً، عشرين ألبوماً تقريباً، فضلاً عن الحفلات التي غنى فيها بالإنجليزية، واليابانية، والتايوانية، والصينية وغيرها. فضلاً عن المستوى الرفيع الذي أهله للحصول على العديد من الجوائز، مثل: أفضل فيلم، وجائزة الإنجاز مدى الحياة، وأفضل ممثل، وأفضل نجم أفلام أكشن ومشاهد خطرة، وجائزة الأوسكار الفخرية، ودرجة الدكتوراه الفخرية من جامعة كمبوديا عام 2009م.
التنين المحظوظ
الاسم الحقيقي: (كونغ سان شان)، ويعني: (شان المولود في هونغ كونغ). ولد في 7 أبريل عام 1954، للأبوين اللاجئين خلال الحرب: (تشارلز شان)، و(لي لي شان). لقب في طفولته: (باو باو) (قذيفة المدفع) لنشاطه الحركي الكبير.
عمل والداه بالسفارة الفرنسية في (هونغ كونغ). وأقام الطفل بعض سنواته الأولى فيها بحي (فيكتوريا بيك). عام 1959م بدأ الطفل ذو الخمسة أعوام حياته الفنية من خلال ظهوره في بعض الأدوار الصغيرة. في السادسة من عمره، التحق بمدرسة (ناه هواهي) الابتدائية. وبعد نجاحه بالصف الأول، أصبح والده رئيساً للطهاة بالسفارة الأمريكية في أستراليا عام 1960م، فقرر إلحاقه بأكاديمية الدراما الصينية. ومنذ السابعة من عمره، درس فنون الرقص والغناء والرسم والتمثيل. وخلال سنواته العشر التالية، تدرب بشكل منضبط، وتفوق في الفنون القتالية.
كان قد انضم لمجموعة أداء فني أسسها معلمه: (يو جم ين) الممثل المرموق في ذلك العصر، المؤمن بالعمل الجاد، والمعجب بتلميذه النجيب. فأسس فرقة (السبعة المحظوظين) التي ضمت أفضل العناصر بالمعهد. وسرعان ما أصبح، صديقاً مقرباً لزميليه: (سامو هونغ)، و(يوين بياو)، اللذين يعدان اليوم من أكبر الممثلين في الصين، ليعرف ثلاثتهم باسم (التنانين الثلاثة)، حيث تميزت الفرقة بأداء الحركات الخطرة.
عام 1962م، اشترك مع بعض زملائه في عدة مسرحيات، وظهر في أحد الأفلام الموسيقية. عام 63، ظهر في فيلم (الحب الأبدي). وعام 66، مثل دوراً صغيراً في فيلم (تعال اشرب معي) للمخرج الصيني (كينغ).
ومنذ العام 71، عمل في عدة أفلام، منها ما أداه في فيلمي: (قبضة الغضب)، و(دخول التنين) لبروس لي عام 1972م، حيث اجتذب احترامه، فدربه بنفسه.
عام 73، حصل على أول دور بطولة بالفيلم القصير: (النمر الصغير من كانتون) The Little Tiger from Canton الذي أصدر بشكل محدود.
عام 76، التحق بوالديه في أستراليا، حيث ارتاد لفترة وجيزة (كلية ديكسون)، وعمل في بعض المهن، ليكتسب لقب (جاك الصغير)، من خلال صديقه (جاك)، فاختصر لاحقاً إلى (جاكي)، وبعد عام، عاد بعد أن قرر المنتج (ويلي شان) تقديمه.
ولهذا التعاون السينمائي قصة. فبعد أن قُدم جاكي للمسؤولين، طلبوا منه عرض الحركات التي يتقنها، فكانت كلها حركات بروس لي. وبعد أن سمع به ويلي شان، اتفق معه على تقديم سلسلة من الأفلام السابقة لبروس لي، حيث قدمه أولاً في فيلم جديد بعنوان New Fist Of Fury لكنه فشل، ولم ييأس، فواصل تمثيل المزيد من الأفلام، إلا أن فكرتها، كانت دون المستوى الفني المطلوب للنجاح الجماهيري. فضلاً عن اختلاف أسلوب بروس لي الأسطوري عن أسلوب جاكي شان الذي كان لم يزل يتخبط في البحث عن بصمة سينمائية جديدة. فالمشاهد كان يدخل السينما وفي مخيلته أفلام بروس لي، فيقارنها بما يشاهده. لينتهي بذلك، التعاون الفني بينهما.
البصمة السينمائية
عام 1978، دخل جاكي شان مرحلة جديدة من حياته الفنية، بعد أن قرر ابتكار صورة سينمائية جديدة، فمثَّل أول فيلم كوميدي بعنوان Drunken Master قام فيه بأداء كل المشاهد الخطرة بنفسه. فضلاً عن دمجه لقدراته الكوميدية بفنون القتال الصينية مع براعته المثيرة للإعجاب. ثم دعمه المخرج (يون وو بينغ) بفرصة جديدة في فيلمه (ثعبان في ظل النسر) Snake in the eagle’s shadow الذي ألهمه أسلوبه الخاص، ويعد البداية الحقيقية لفنه، والباب الذي انطلق منه إلى عالم النجوم، حيث بذل فيه جهوداً مضاعفة. وابتكر أسلوباً يجمع أساليب الثعبان بالنمر بالنسر، فلم تكمن جمالياته في مجرد العروض القتالية، بل لقدرته على دمج الكوميديا بالمواقف الجدية، وتحويل الهزيمة إلى نصر بطريقة كاريكاتيرية، حيث شكلت واحدة من أهم أسباب نجاحه، فضلاً عن اعتبار الفيلم أفضل المشاهد التدريبية المصورة.
عام 80 قام بأول فيلم من إخراجه SHI DI CHU MA حيث أحدث طفرة في سينما الفنون القتالية. في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، التحق رسمياً بشركة (جولدن فيست)، ليصبح (ويلي شان) مديراً لأعماله. وخلال السنوات التالية، قدم أفلاماً كثيرة ناجحة.
أشهر الأفلام التي كتبها وأخرجها وأنتجها: (وجبات على العجلات) Meals on Wheels عام 84، و(تنين للأبد) Dragon Forever عام 88، و(المعجزات) Miracles عام 90، و(توأم التنين) Twin Dragon عام 92، وغيرها. أما إطلالته على (هوليود)، فكانت من خلال فيلم The Young Master، ثم (الشجار الكبير) Big Brawl The عام 80، أتبعه بفيلم (انطلاق القذيفة) Cannonball Run عام 81 الذي حقق 100 مليون دولار، والجزء الثاني منه عام 84. وكذلك (الحامي) The Protector عام 85. من أفلامه المميزة أيضاً، (ساعة السرعة) Rush Hour عام 98، والجزء الثاني عام 2001. و(التوكسيدو) The Tuxedo عام 2002.
تأثر أداء جاكي شان بتقنيات بروس لي، كما جمع بين الأداء الكوميدي لأشهر فنانين محبوبين قدما كوميديا الموقف: الممثل والمخرج باستر كيتون، والممثل هارولد لويد، أبرز مبدعي الأفلام الصامتة، نلاحظ هذا في بعض أفلامه، خصوصاً فيلمه: PROJECT A، تحديداً في مشهد سقوطه من برج الساعة. مقلداً مشهداً لهارولد لويد، في فيلم Safety Lasts. وفي الجزء الثاني من فيلم Project A قلد مشهداً لباستر كيتون ينفلت فيه من وقوع واجهة أحد المنازل عليه.
بحلول عام 85، لم يكتف بالتمثيل والإخراج والإنتاج، فقام بكل هذا، بالإضافة للتأليف لأول مرة في باكورة سلسلة أفلامه (قصة الشرطة) Police Story. وبه، فاز عام 86 بجائزة أفضل فيلم في مهرجان هونغ كونغ. قام فيه بدور المحقق (شان) الذي يسعى للقبض على إحدى عصابات المخدرات. وخلال الأحداث، اعترضته مواقف خطرة كثيرة، كالتعلق بعصا مظلة في قطار سريع متحرك، ومشهد المركز التجاري الذي نفذ فيه مجموعة من أفضل مشاهد الحركة في التاريخ.
ومنذ العام 86، أسس شركة للإنتاج السينمائي، وافتتح وكالة لعرض الأزياء، وإعداد الموهوبين، وتوظيفهم في أفلامه. وبعد أن أصيب العديد من الممثلين أثناء تصوير فيلمه (قصة الشرطة)، أسس اتحاداً لممثلي المشاهد الخطرة، مدرباً أعضائه بنفسه، موفراً لهم الرعاية الاجتماعية والتأمين الصحي. عام 89، قدم الجزء الثاني من سلسلة (قصة الشرطة) الذي حمل قدراً كبيراً من الحركات والمشاهد الخطرة التي نفذها بمساعدة فريقه. ومنذ منتصف تسعينات القرن الماضي، وصلت شهرته للذروة في أمريكا، خصوصاً بعد توسيع نطاقه السينمائي وقيامه ببطولة (قصة جريمة) Crime Story ثم تمثيل بعض الأجزاء الجديدة لبعض أفلامه الناجحة، واستثماره للنجاح الكبير الذي حققته الشخصية الكوميدية الأساسية التي لعبها في مسلسل Spartan X فأعاد إبداعها في سلسلة كتب مصورة، حيث ضربت أرقاماً قياسية في التوزيع.
عام 98، رشح لبطولة فيلم Rush Hour، وهو إنتاج أمريكي، حقق إيرادات مالية كبيرة، ونجاحاً هائلاً. موظفاً فيه، مهاراته في اللغة الإنجليزية، كضابط صيني يعمل مع شرطي أمريكي لعب دوره الممثل الكوميدي الصاعد كريس تاكر. ثم أبدع في فيلم (من أنا؟) الذي يعد من أجمل أفلامه. مجسداً فيه، شخصية ضابط في القوات الخاصة يتعرض لحادث مؤلم يفقده ذاكرته، ويدفعه لليأس، وتأنيب الضمير، وتحميل نفسه مسؤولية مقتل فريقه. يختلف (من أنا؟) عن باقي سلسلة (قصة الشرطة) التي تعد أحد أبرز الأفلام الناجحة التي أنتجها وأخرجها بنفسه. ويتميز بالأداء القدير، والإخراج الرفيع، ما رشحه للحصول على جوائز: أفضل فيلم، وأفضل مونتاج، وأفضل ممثل. الأمر الذي دفع جاكي عام 2004، للعمل مرة ثانية مع مخرجه من خلال فيلم (قصة الشرطة الجديدة) كامتداد للسلسلة الناجحة (قصة الشرطة)، حيث نال بفيلمه الجديد، إعجاب النقاد ورشح لعدة جوائز.
عام 2000، قام ببطولة فيلم الحركة الكوميدي Shanghai Noon بمشاركة الممثلين أوين ويلسون، ولوسي ليو. في صيف 2001، اشترك مرة ثانية، مع تاكر لإتمام الجزء الثاني من سلسلة Rush Hour الذي بلغ فيه أجره 15 مليون دولار ونسبة من الإيرادات.
عام 2002، شارك الممثلة جينيفر لوف هيويت بطولة الفيلم الكوميدي The Tuxedo وتدور أحداثه حول سائق تاكسي يتمتع بقوى مميزة عندما يرتدي بدلة رئيسه في العمل. لتكرمه هوليوود بجائزة Taurus كأفضل نجم أفلام فنون قتالية في مهرجان الأفلام والمشاهد الخطرة.
عام 2004، أسس شركة كبيرة للإنتاج السينمائي المشترك، مسيطراً بشكل تام على النواحي المالية والفنية، ومن خلالها أخرج وأنتج، ومثل الكثير من الأفلام، مثل: (الأسطورة) The Myth عام 2005، وRob-B-Hood عام 2006.
عام 2008م، قدم صوت Master Monkey في فيلم الرسوم المتحركة (كونج فو باندا) Kung Fu Panda الذي نجح كثيراً، وأعيد إنتاجه في سلسلة متتالية ناجحة، منها: مسلسل تليفزيوني. وتحويله للعبة إلكترونية. وإثر نجاحاته المتتالية في أمريكا، أسندت له بطولة فيلمي Spy Next Door The، وThe Karate Kid عام 2010.
تحتوي قائمة إبداعاته على الكثير من الأفلام الناجحة كذلك، مثل: Wheels On Meals للمخرج شامو هونغ عام 1984م الذي تميز بكثرة المشاهد القتالية القوية، وفيه جمع المخرج بين جاكي شان، وبيلي أركيدريذ الرياضي الأمريكي الملقب: (ذاجيت)، وكذلك فيلم The Legend Of Drunken Master الذي اشترك في إخراجه: لاو كار- ليونغ، وجاكي شان. وصنفته مجلة تايم الأمريكية ضمن أفضل مئة فيلم في العالم. ورغم أن البعض يعتبره، امتداداً لفيلم Drunken Master عام 1978م، إلا أنه توجد اختلافات كبيرة بينهما، من حيث القصة والأداء.
نماذج إبداعية
- عام 2008، شارك (جاكي شان)، (جيت لي) بطولة فيلم The Forbidden Kingdom وهو إنتاج صيني أمريكي مشترك، وإخراج روب مينكوف، بتكلفة إنتاج أكثر من 55 مليون دولار. وبلغت إيراداته أكثر من 128 مليون دولار. تدور قصته حول (جيسون) الذي إعتاد جمع أفلام الكونج فو من محل صديق بالحي الصيني، حيث يعثر فيه على عصا أثرية كانت بالمحل منذ مئة عام. وحين يتعرض للقتل، تأخذه العصا السحرية إلى عالمها القديم. وهناك يقابل الرحالة (لو يانج) الذي يحكي له، نبوءة: الباحث الذي سوف يعيدها وينهي عصر المستبد (جايد)، وأن المالك الحقيقي للعصا هو (الملك القرد) الذي اقتحم مأدبة الإمبراطور، فسامحه. لكن قائد الجيش (جايد)، يتحداه. ويدور قتال بينهما، ينتهي بخداعه، ومسخه في صورة تمثال حجري. ولكونه خالد، حوصر بين الحجارة منذ خمسمئة عام، انتظاراً لباحث النبوءة ليحرره. وفي رحلتهما لإرجاع العصا، تساعدهما فتاة. ويتعلم جيسون الكونج فو. ثم يأتي الراهب (جيت لي) فينتزع العصا. ويكتشفان، أنه في مهمة لإيجاد باحث العصا. ثم يصاحبهما في الرحلة. ويتتلمذ الشاب عليهما، وخلال تدريبه يتحدث عن القبضة الاعتراضية لبروس لي، وطريقة الثعبان والنسر. ويوضح (لو يانج)، أن الرسام والجزار والموسيقار والشاعر يمكنهم إجادة الكونج فو. وأنه يجب أن يتعلم الأسلوب، ويستمع للألحان ويتعلمها ثم ينساها جميعها، يتعلم الطريقة ويبحث طريقته الخاصة لكن لا يدع الأنانية تلازمه. وأن فن الكونج فو كالماء رغم نعومته يحطم الصخر. ومن ثم تصوغه كلاعب ومعلم بلا تقاليد بلا ألقاب. فالمعلم الحقيقي يسكن بداخله، وهو فقط من يستطيع تحريره. خلال ذلك، تجسد الكاميرا مشاهد للتدريبات، وصوراً ساحرة للماء المنهمر من الشلالات ولتأملات الراهب (جيت لي)، وللفتاة العازفة على آلتها الموسيقية. إلى أن تحاصرهم وتقاتلهم الساحرة. وخلال فرارهم، تصيب (لو يانج) بسهم في ظهره. فيصطحبوه للعلاج، وفي المعبد يعرفون أنه من الثمانية الخالدين، وأن علاجه يتطلب إحضار إكسير الخلود، فيذهب جيسون لإحضاره من قصر (جايد). وبمساعدة جيت لي والفتاة وأطفال المعبد، يصل للترياق وينقذ أستاذه. ويعود الإمبراطور العادل. وخلال وداع (جيسون)، يخبره (لو يانج): (يقال إن المعلم والتلميذ يمشون طريقهم جنباً إلى جنب ليشاركا مصيرهما، حتى ينقسم الطريق إلى طريق آخر). فيعده (جيسون) أن لا ينساه. ثم يقترح عليه (لو يانج) أن يخلد تلك المعاني. ويخبره الملك القرد: (لقد حررتني أيها المسافر. الآن، اذهب لتحرر نفسك). فيعود لنفس الزمان والمكان الذي كان يوسعه ضرباً فيهما، زعيم العصابة. فيلقنه درساً، ويخبره: (أنت لست مضطراً لفعل هذا). بينما تجري بقية العصابة. ثم يعود لصديقه البائع، فيجد الإسعاف تنقله، فيسأل: كيف حاله؟ ويخبر: (إنه سيعيش). ثم يخبره صديقه: (بالطبع سأعيش، أنا خالد. هل أعدت العصا إلى مالكها الشرعي؟). فيجيبه: (نعم فعلت). فيخبره صديقه: (أنت ذلك الرجل). وبينما تصحبنا الكاميرا لمشاهد تدريب جيسون على أسلوب الملك القرد، يخبرنا الراوي (صوت جاكي شان): (روت الأسطورة، أن الملك القرد بدأ رحلته غرباً للبحث عن الحقيقة، بينما عاد المسافر إلى عالمه ليمشي طريق المحارب، ويبحث حقيقته الخاصة وعندما تنتهي حقيقة، تبدأ حقيقة أخرى). ثم يطير جيسون عصا التدريب في الهواء.
الفيلم يمتلئ بالرموز والرسائل، وخلال التصوير، اضطر السيناريست/ جون فوسكو، والمخرج/ روب مينكوف لإعادة كتابة النص خمس مرات، بهدف التعبير الجيد عنها. يؤكد الفيلم على قيم الصداقة، والإيثار، والتعاون، والشجاعة، والشرف. التزم الممثلون بالأداء الجيد للأفكار والتنفيذ الكامل لتوجيهات المخرج. لعب شخصية (جيسون)، الممثل الأمريكي (مايكل أنجارانو)، وخاض سلسلة من الأحداث الغرائبية والسحرية التي ظهر فيها، كبطل. ولعب جاكي شان، دورين، هما: البائع العجوز (هوب)، والعالم الرحال (لو يانج) الذي يتقن فنون القتال، ويتصرف كمحلل نفسي أحياناً. ويتضح للمشاهد أن شخصيته تمثل رهبان التاو الصيني الذين تميزوا بالتعاون والصداقة، والفكاهة، والسلوك الأخلاقي، والقدرة الخارقة. وهي الصورة التي جسدها جاكي ببراعة بأسلوبه الفريد المدمج للهزل بالجد.
لعب جيت لي دورا: الراهب، والملك القرد. فنجح في أدائهما. يضاف تجسيده للدورين، إلى رصيد أدواره النبيلة التي اشتهر بنهجه غير التقليدي في اختيارها. فضلاً عن تشكيله مع جاكي شان، ثنائياً رائعاً. بذل طاقم الفيلم جهوداً كبيرة، وأبدعوا في تقديم بعض أفكار الثقافة الصينية.
الفيلم، تحفة سينمائية فريدة، وأول مشروع في تاريخ صناعة السينما العالمية تم إنشاؤه من قبل نجمين متألقين، حيث اجتمع فيه اثنان من سادة الكونغ فو. فكان ذلك، حدثاً سينمائياً كبيراً، يضاهي التعاون في إطار آل باتشينو، وروبرت دي نيرو.
- وفي العام 2012م، قدم جاكي شان فيلم (الأبراج الصينية) Chinese Zodiac وهو الإنتاج الأضخم في السينما الصينية، والذي اعتزم به، ختام تمثيله لأفلام الحركة، وقيامه بالمشاهد الخطرة، لبلوغه سن الستين. فضلاً عن أن كل عظمة بجسمه قد كسرت مرة أو مرتين سابقاً. الأمر الذي يشكل معه الاستمرار في أفلام الأكشن، خطراً كبيراً عليه.
الفيلم، قصة، وسيناريو وحوار، وتمثيل، وإنتاج، وتصوير، وغناء، وإخراج/ جاكي شان. وهو ما يؤهله لدخول موسوعة جينيس العالمية للأرقام القياسية، كأكثر ممثل حي أدى أدواراً خطرة، وأكثر ممثل يكتب اسمه في تتر فيلم واحد. يدور الفيلم حول (هاوك) الذي يبحث عن اثني عشر رأساً برونزياً لحيوانات تمثل رموزاً للتقويم الصيني، وكنوزاً تاريخية وفلكلورية لا غنى عنها. وهو من الأفلام الضخمة فكرياً، وإنتاجياً، وتقنياً. من ناحية أخرى، اعتادت السينما الصينية، في السنوات الأخيرة، رفد السينما العالمية بالأفلام الضخمة. الأمر الذي يؤهلها عن جدارة لاحتلال مكانة عالمية كبيرة ومنافستها لهوليوود العاصمة العالمية الأقدم في صناعة السينما. تناقش القصة، قضية الأثار الصينية المسروقة خلال الاحتلال والحروب، وتهريبها في القرن الماضي، ومنها ما سرقته الجيوش الفرنسية والبريطانية إبان دخولها الصين عام 1860م، وما يتعلق بها من تزييف، وحجم الاستثمارات غير المشروعة التي تضخ فيها. حيث يتعرض بطل الفيلم للكثير من الأخطار. وبغض النظر عن طبيعة الحركات العنيفة المقدمة، والتي كان بعضها في منتهى الخطر فعلاً خصوصاً مشهد السقوط من السماء بالقرب من البركان. داعياً من خلال بعض المشاهد، إلى ضرورة العمل على إعادة هذه الآثار إلى مهدها الأصلي، مثل: مشاهد القنوات الإخبارية العديدة التي تصدرت عناوينها، وتقارير مراسليها عن هذه القضية من خلال متابعاتهم لمزاد علني لبيع (رأس التنين) ومحاولة بطل الفيلم، منع ذلك. فضلاً عن مشاهد المظاهرات التي قامت بها عدة منظمات عالمية لحماية التراث الثقافي الإنساني، وتقديم نفحات من الثقافتين: التاريخية، والفلكلورية، الغنيتين بالموروث الإنساني الثقافي. وهي ليست المرة الأولى، فقد تطرق جاكي شان في أعمال سابقة، لقضية الحفاظ على التراث الصيني، مثل: سلسلة (أرمور أوف غاد). لدرجة يعتقد معها البعض، أن (الأبراج الصينية)، أبدع كي تستكمل هذه السلسلة التي عرض جزؤها الأول، عام 1987م، أما الثاني، فكان في العام 1991.
اختتم جاكي شان بالفيلم، مسيرته الطويلة في صناعة الأفلام، مستكملاً به سلسلة أفلام الأكشن التي قام بها، لتصل إلى نحو مئة فيلم، عارضاً بعد نهايته، أهم المشاهد الخطرة التي مثلث علامات فارقة في مسيرته الفنية، وصنعت نجوميته في سماء السينما العالمية.
كان جاكي شان قد أعلن أكثر من مرة عن نيته اعتزال أفلام الأكشن، واتجاهه إلى فنون الدراما والكوميديا، بسبب شيخوخته، وعدم قدرته على تقديم الحركات العنيفة بنفس روح الشباب التي اعتاد تقديمها، علماً أنه يرفض دائماً الاستعانة بدوبلير، حيث يقول: إن كل عظمة في جسده، قد كسرت مرة على الأقل خلال تصوير المشاهد الخطرة. ففي العام 86 أثناء أدائه لفيلمه Armor Of God سقط من ارتفاع 40 قدماً خلال قيامه بالقفز من فوق سطح أحد المباني إلى غصن شجرة، ما تسبب في كسر جمجمته، وتركيب شريحة بلاستيكية فيها.
- عام 2020، قدم جاكي شان، فيلم (الطليعة) VANGUARD من تأليف وإخراج ستانلي تونغ. وهو يحكي عن بطولة شركة أمن صينية، وتأمينها لأحد الشخصيات المهمة حول العالم. عرض الفيلم في الصين يوم 30 سبتمبر 2020م، وفي الولايات المتحدة 20 نوفمبر 2020م، وفي الهند يوم 25 ديسمبر 2020م. أشاد النقاد بأداء جاكي شان من ناحية، لكنهم انتقدوا، تسلسل الحركة، والموسيقى، والسيناريو، وغيرها من ناحية أخرى. صور الفيلم في يناير 2019 بالكثير من المواقع البريطانية، والهندية، والإماراتية. وتميز بتوظيف بعض التقنيات الإلكترونية، والخيالية، كالحمامتين الإلكترونيتين اللتين تحملان كاميرتي تصوير المجرمين، والذباب الإلكتروني الحامل لأجهزة التنصت، وغيرها من التقنيات التي تستهدف، توصيل بعض الرسائل. تضافرت في الفيلم أيضاً، تقنية البساط الطائر أو جهاز FLY BOORD المبتكر الذي استلهمه الفرنسي فرانك زاباتا من موتيفات (ألف ليلة وليلة)، ودشن مؤخراً كسلاح جديد في بعض الجيوش. خلال تصوير المطاردات في مياه الشلالات، كاد جاكي شان أن يغرق. وطبقاً للإحصاءات، حصل جاكي على أجر مقداره 80 مليون إيوان (12 مليون دولار تقريباً). بينما حقق الفيلم بعد أول أسبوعين من عرضه في السينما الصينية، أرباحاً قدرها 246 مليون إيوان تقريباً (37 مليون دولار). وفضلاً عن بطولته غنى جاكي في الفيلم أغنية (طموح في قلبي).
لجاكي شان أيضاً، أنشطة بيئية واجتماعية وخيرية كبيرة، منها: حماية الموارد، والبيئة، ورعاية الحيوان، وإغاثة المنكوبين من الكوارث. لذلك، عينته منظمة اليونسكو العالمية سفيراً للنوايا الحسنة عام 2004، ومنحته الحكومة الصينية، لقب: (السفير المناهض للمخدرات) عام 2009م. وبعدها بدأ بالمشاركة الفاعلة في سلسلة حملات لمكافحة المخدرات. كما كان أول سفير يعين في سنغافورة لمكافحة المخدرات عام 2015. وبعد بدء ترويجه السياحي لهونغ كونغ، عين كأول سفير سياحي في العالم. وأول فنان في العالم يحصل على هذا اللقب. فهذا هو الجديد في السنوات الأخيرة في عالم الفن. وذلك بعد أن اعتدنا طويلاً سماع لقب: (سفير النوايا الحسنة) الذي اقترن بأسماء أكبر الفنانين شرقاً وغرباً. يقول عن نفسه: (قد أكون مجنوناً، لكني لست أبله. فلا تحاولوا أن تكونوا مثل جاكي، فليس هناك سوى جاكي شان واحد). ولعل من أشهر أقواله أيضاً: (لم أرغب يوماً أن أكون بروس لي التالي، بل أردت أن أكون أول جاكي شان).
ولا غرو، فهو أكبر الداعمين للسينما الصينية، حيث اعتمدت أفلامه على قدراته الحركية العالية، والأداء الفني العفوي. وهي الأمور والتقنيات والطاقات الفنية الهائلة التي جعلت من سينما جاكي شان ظاهرة تستحق الدراسة. لاسيما بعد أن تميز ببصمته السينمائية الخاصة، وأصبح اليوم واحداً من أهم نجوم صناعة السينما. ولم تزل مسيرته الإبداعية مستمرة.
ذو صلة