مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الواقع بين التخييل والانعكاس قراءة في بعض مسرحيات توفيق الحكيم

يمتلك الكاتب المنصهر في أتون المجتمع القدرة على رصد الظواهر والأشياء والصور ليحولها إلى واقعة لغوية تبنى على التخييل، هدفها نقد الواقع ونقل نبض المجتمع وتسليط الضوء على النفسيات والعادات بما يكشف عن أبعادها ودلالاتها.
تندرج مسرحيات توفيق الحكيم التي تصور حياة الريف ضمن ما يسمى بمسرح المجتمع أو مسرح الحياة، وهو مسرح ذو بعد اجتماعي، هدفه التعبير عن الواقع بأسلوب أدبي يبتعد عن المرآوية والانعكاس، وقد استثمر الحكيم تجربته الحياتية في الريف وعمله بعد ذلك نائباً في نقل العوالم المسرحية المتخيلة، وكان تركيزه كبيراً على تصوير شخصية الإنسان الريفي في أبعادها، وسلوكها، وكذا ما يرتبط بحياته من عادات وقيم.
تعد مسرحيات (أغنية الموت) و(الصفقة) و(الزمار) أهم النصوص التي قاربت واقع الريف وكشفت عن تجلياته ومضمراته وظواهره وقضاياه وعاداته، ويمكن اتخاذها وثيقة أدبية ذات بعد اجتماعي وتاريخي وثقافي تؤرخ أدبياً لمرحلة من مراحل تاريخ الريف المصري، وتكشف في الآن نفسه عن ثقافة الريفيين ومعتقداتهم ورؤيتهم للحياة وبنيتهم الذهنية.
في مسرحية (الصفقة) يعالج الحكيم قضية التعلق الوجودي بالأرض، وتتحدث عن شركة عزمت على بيع أرض في ملكيتها، فَهمّ أهل القرية بجمع المال لشرائها حتى تصير في ملكهم بدل أن يظفر بها غيرهم، خصوصاً أن علاقتهم بها ضاربة في الزمن والنفس، وعرق جبينهم اختلط بها وامتزج، وتسير الأحداث بشكل عادي إلى أن يسمع الفلاحون بحلول أحد الإقطاعيين إلى محطة القطار، فيظنون أنه قدم لشراء الأرض، وهكذا يهمون بإعطائه رشوة لصرفه عن الأمر، وفي خضم ذلك يطمع في (مبروكة) الفتاة الجميلة بديلاً لخروجه من الصفقة، لكنها تحتال بذكائها لصرفه عن الظفر بالأرض حيث تدعي إصابتها بالكوليرا فيعزل البك وأولاده إلى أن يتم للقرويين إتمام الصفقة وضمان الأرض.
تصور المسرحية قيمة التعاون والتلاحم التي تميز الريف، وتبرز أيضاً طقوس الريفيين سواء في الاحتفال أو الحزن خصوصاً في توديع الميت الذي تقام له الجنازة وكأنها عرس، حيث تضرب الدفوف وتمر الندابات على القرية مرددات بعض الكلام المعد للمناسبة، وتبرز المسرحية قيمة المرأة الريفية، فمبروكة التي يرمز اسمها للبركة، ذكية فطنة استطاعت بحيلتها صرف شر البك عن أهلها رغم مخاطرتها بنفسها وشرفها. ومن القيم السلبية التي تعالجها المسرحية خيانة الأمانة التي مثلتها شخصية الحاج عبدالموجود الذي كون ثروته من أكفان الموتى حيث كان يستخرجها من القبر ليعيد بيعها.
اتسمت أحداث المسرحية في البداية بالبطء، لكنها تزداد سرعة بحلول البك، إذ يمثل مجيئه العنصر المخل الذي نقل المسرحية إلى وضعية الوسط، فاحتدم الصراع الاجتماعي والنفسي الذي زاد من حركية الأحداث وتصاعدها درامياً، وبعد أن تتعقد الخيوط تأتلق في ذهن مبروكة فكرة ادعاء المرض بالكوليرا لتصرف البك عن خطته. وفي النهاية يظفر أهل القرية بالصفقة. وتنتهي المسرحية نهاية سعيدة مفتوحة يتحقق فيها التوازن.
وتصور مسرحية (أغنية الموت) الريف من زاوية أخرى، حيث تركز على فكرة الثأر التي تعشش في ذهن الريفيين وتعتبر من المسلمات التي لا يرقى إليها الشك. تتحدث المسرحية عن الأم (عساكر) التي تنتظر عودة ابنها (علوان) من المدينة ليحقق ثأر أبيه الذي قتل، وتبدو من خلال كلامها مع (مبروكة) متأكدة من قيامه بالمهمة، لكن (علوان) الذي صار فتى أزهرياً متعلماً يلبس العمامة يخيب أفق انتظار الأم ويبدي رفضاً مطلقاً للفكرة، وتستشيط الأم غضباً وتشتعل نار حقدها وتتبرأ منه، وتطلب من (صميدة) مسح العار بقتله، وتنتهي المسرحية نهاية مأساوية تخيب أفق انتظار المتلقي.
تسلط المسرحية الضوء على البنية الذهنية للإنسان الريفي الذي يؤمن إيماناً مطلقاً بفكرة الثأر يصل إلى درجة التقديس، إذ يرفض تدخل القانون، ويعد ذلك عاراً، فتحقيق الثأر عنده مكمل للرجولة.
تنبني المسرحية على ثنائية الجهل والعلم، وتناقش بطريقة ضمنية قضية التعليم والأمية، وتسلط الضوء بنوع من الحرفية على نفسية الإنسان المتشبع بفكرة الثأر، فالأم سوداوية الرؤية، نظرتها للوجود تظهر من معجمها الدموي السوداوي الذي يكثر فيه ذكر الدم والقتل، وهذه البرمجة العصبية للأم نتيجة للجهل وللبنية الذهنية الموروثة، وللمحيط الذي يكرس الفكرة دون تفكير أو نقد.
تُبنى المسرحية بناء درامياً متحركاً متصاعداً، حيث يحتد الصراع بين الأم وابنها، وتبرز أفعال الكلام (الأمر والاستفهام والتكرار) الانفعال الداخلي والقناعة الفكرية، وبين الهدوء الذي يمثله (علوان) والغضب الذي تمثله (الأم) تتطور الأحداث بشكل متسارع يفضي إلى ما لم يكن متوقعاً.
تتميز حوارات (علوان) بالطول، حيث يسترسل في شرح أفكاره ومحاولة انتقاد واقع الريفيين الذي تغيب فيه النظافة، ويكثر فيه الجهل والتخلف، وهو بذلك يعبر عن رأي الكاتب وقناعته التي يمررها عبر ما ينطق به، أما حوارات الأم فتدور كلها حول الثأر والانتقام وما يصب في بوتقتهما، حيث تدور في دائرتها النفسية والذهنية لا تغادرها رغم محاولات (علوان) المستميتة في التغيير والإقناع.
ينتقل بنا الحكيم في مسرحية (الزمار) إلى فضاء آخر ومشاهد مغايرة، يركز فيها على شخصية الزمار التي يمثلها التمرجي (سالم) الذي يبدو ساخطاً منفعلاً مستهتراً، يخاطب المرضى بفوقانية واحتقار، ويمعن في الحط من قيمتهم من خلال تجاهلهم وعدم الالتفات إلى مطالبتهم بالعلاج، ويزيد على ذلك بتحقيرهم لفظياً، وفي المقابل يبدو متحمساً للعزف وحضور الأعراس، ويظهر نشاطه وحيويته عند قدوم (الست) حيث يحرص على إظهار موهبته في عزف الأراغول.
تظهر المسرحية واقع الفلاحين ومعاناتهم، ونظرة الموظفين إليهم التي يشوبها التحقير وكثير من السخرية، كما تسلط الضوء على التنصل من المسؤولية وخيانة أمانة المهنة.
تعالج المسرحية واقع الفلاح المصري وما يعانيه من تهميش وجهل وتخلف وحرمان من أبسط حقوقه المتمثلة في الصحة والتطبيب، وتسلط الضوء على واقع الجهل والتخلف الذي يجعل الفلاح لا يطالب بحقه ويسلك طريق التوسل لقضاء مآربه، ونتيجة لذلك يظهر الريفي خائفاً متردداً لا يستطيع المطالبة بأدنى حقوقه.
تمثل هذه المسرحيات الثلاث صورة عن حياة الريف المصري في مرحلة من المراحل، وهي إلى جانب كونها إنتاجاً أدبياً يمكن عدّها وثيقة اجتماعية ثقافية تؤرخ لواقع الريف في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ويكمن تميزها عن غيرها من المسرحيات التي تناولت تيمة الريف في حبكتها وبنائها الدرامي، هذا إلى جانب استثمار سائر المقومات الأخرى بما يفيد في نقل الواقع وتطوير الأحداث وتناسلها، والظاهر أن توفيق الحكيم لم يقع، وهو يعالج تيمة الريف، في التكرار إذ قاربها من زوايا متعددة وبأسلوب سيماه الاختلاف، واستطاع أن يوظف مقومات المسرحية بما يفيد في تصور القضية المعالجة والفكرة المطروحة، فلا يغلب عنصراً على آخر، بل تتضافر العناصر كلها في رسم العوالم التخييلية.
ذو صلة