مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الرسم بالقهوة.. وتكنولوجيا الفن

في عصر الرقمية والتكنولوجيا المتفوقة، امتدّ التطور إلى كل شيء، حتى عملية قراءة الفنجان الفلكلورية، التي تحولت من موروث شعبي إلى فن حداثي، على يد مصوّر وتشكيلي مصري، أقدم على تجربة بصرية فريدة لاستشفاف ملامح الإنسان الداخلية، بواسطة المزج بين خيالات الرسم وعيون الكاميرا الفوتوغرافية اللاقطة.
في مغامرته المبتكرة، استلهم الفنان عاطف المهدي، التشكيلي والمصوّر السينمائي، بقايا القهوة ونثارات البُنّ العالقة في الفناجين، ليصنع منها صوراً فوتوغرافية متفجرة بالانفعالات والمشاعر، وكأنما يصير كل فنجان مرآة عاكسة لمحتسيه، وغوصاً في شخصيته، واسشترافاً لطالعه المفترض.
حملت التجربة، التي بثها الفنان عبر صفحته الإلكترونية مؤخراً وقدّمها من قبل في أكثر من معرض، عنواناً طريفاً هو (على السبرتاية) (موقد صغير يستخدم في إعداد القهوة)، وتضمنت أكثر من ستين لوحة بأحجام مختلفة، اندمجت فيها تقنيات الفوتوغرافيا والتشكيل في آن، إذ طرحت رؤية الفنان البصرية مجسمات متعددة الأبعاد، بما يمكن تسميته (نحتاً ضوئيّاً)، حيث اعتمد الفنان المزج الحميم بين الخطوط والكتل المتشكلة من بقايا القهوة في الفنجان، والأشعة الضوئية التي استخدمها بتوزيعات وتنويعات بالغة الحساسية، لتبدو اللوحة في النهاية حصيلة أنوار وظلال وكتل ملتهبة مؤثرة.
هي لعبة صعبة، تدور في مساحة سنتيمترات قليلة، لكن نتائجها رحبة. يتحرك الفنان في دائرة صغيرة للغاية، لكن معه دائماً مجهر الفن، فينتقي الشرائح الدقيقة الملائمة من بين تكوينات القهوة في الفنجان، ويضيئها بما يستخرج دفقاتها وجوانيتها، ويصوّرها في النهاية، فتكون اللوحة المعبرة.
إن طبيعة خطوط البُنّ وما بينها من فراغات، وتدرجاتها اللونية الغامقة، تعطي الفنان مجالاً واسعاً لاستخدام الإضاءة، والإيحاء بوجود ظلال وهمية، ما يمنح اللوحات طابعاً تجريديّاً، فصار تأويلها مفتوحاً، مقترناً بتصورات المتلقي نفسه، وذائقته، ومعطياته، وخيالاته.
وتتحقق التلقائية في اللوحات الضوئية، من خلال عفوية توزيع خيوط البُنّ في الفنجان، بعدما يفرغ شاربه من احتسائه، كما تتحقق الانتقائية أيضاً من خلال رؤية الفنان لبقايا القهوة، واعتماده شريحة بعينها أو أكثر من بين تراكيب البُنّ ومساحاته في الفنجان، بالإضافة إلى طريقة ودرجة الإضاءة، التي يعتمد عليها تفجير المشهد، وتثويره، وتحويله إلى (بركان صغير).
هل يعكس الفنجان شخصية شاربه، ويفسّر طالعه؟ لا يبدو الفنان حريصاً على إيجاد تفسيرات للرؤية التي يطرحها من خلال عيون الكاميرا، لكن تشكيلات البُنّ وبقايا القهوة هي صور إنسانية مشحونة بالحيوية، مشتعلة بالانفعالات، تتقصى تاريخ الإنسان منذ وضعه الجنيني في بطن أمه، حتى رحيله.
في بعض اللوحات، تظهر ذات فردية واحدة، أو جانب منها، وفي لوحات أخرى هناك ما يبدو أنهما شخصان، أو أكثر، ولا تأتي الملامح كاملة أو تفصيلية بطبيعة الحال، لكن من خلال التجريد والتعبير الرامز الموحي، وتكاد تشتبك اشتعالات الإنسان وما يعتمل بداخله، بالانصهارات والانفجارات الكونية، وما يدور في بطن الأرض.
المدهش في أعمال (على السبرتاية) أنها تحمل قيماً فنية خالصة بحد ذاتها، من خلال ثرائها البصري، فالمتلقي الذي هو في حِلّ عن الإلمام بآلية اشتغال الفنان على بقايا القهوة وخطوات الإضاءة والتصوير، يجد نفسه متفاعلاً مع الأعمال كلوحات تشكيلية في طابعها وتعبيرها، وفي هذا إضافة لفن الفوتوغرافيا، وتحرير له من كلاسيكيته ومحدوديته.
من ملامح الخصوصية في أعمال المعرض كذلك تقصيها لدلالات اللون البني، بتدرجاته وتنويعاته المختلفة، وهو أقرب الألوان إلى خميرة الخلق، ورائحة الإنسان ووجه الأرض، ويكاد يتحول البني في هذا المعرض إلى مذاق غير منقطع الصلة بما يعرفه متذوقو القهوة.
ذو صلة