مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

Mare of Easttown هل على الآباء مراقبة أبنائهم أم مراقبة أنفسهم؟

يُفتتح مسلسل (Mare of Easttown) بمواقف هزلية ساخرة، مُسنّة تتصل للإبلاغ عن متطفل أزعج حفيدتها، وهو ليس سوى أحد القوارض (ابن عرس)، محققة تعمل بالشرطة رغم كونها جدّة! وتفتقر للياقة اللازمة لمطاردة أحد الجناة، ضابط يصاب بالهلع من منظر الدماء! مما يعطله عن أداء عمله، استهلال يشير إلى كوميديا لاذعة من نوعية فيلم (Fargo) للأخوين كوين، خصوصاً وأن الأحداث أيضاً تقع بمدينة صغيرة نائية، يعرف جميع قاطنيها بعضهم البعض، وتربطهم صلة قرابة على نحو أو آخر، ولكن خلف كل ذلك هناك مأساة إنسانية، لم يحاول صُنّاع العمل ابتذالها أو تقديمها بأقل مما تستحق، نراها بوضوح في لوحة مرورية إرشادية بأحد الشوارع (watch children)، (راقب الأطفال) ليس إذن من العسير استنتاج ما يريد أن يقوله السيناريست البارع (براد إينجيلسبي)، وبالرغم من ذلك فإن اللعبة كلها ومتعتها تكمن في (كيف سيقولها؟)، يستند براد على حبكة (Whodunit) أو (من الفاعل) في أول مسلسل من تأليفه، بعد كتابة عدة أفلام ناجحة، واستطاع أن يصنع تشويقاً حابساً للأنفاس في سبع حلقات كاملة، يضاهي في إتقانه أرفع أفلام الجريمة.
تستند حبكة من الفاعل الكلاسيكية في أول عناصرها على المحقق، وتستثمر كثيراً في خلق شخصيته الفريدة من نوعها، (من يمكنه نسيان شخصية شيرلوك هولمز؟)، المختلف هنا أن الاستثمار لم يبذل في المهارات الاستثنائية التي تفيد التحقيق، أو في كونها غريبة الأطوار كما جرت العادة، بل في كونها شخصية حقيقية، تعاني صراعات عديدة وعلى أكثر من مستوى، فـ(ماري شيهان) التي تقوم بأدائها باقتدار (كيت وينسلت)، فمن الناحية المهنية تشعر بالذنب لإخفاقها في العثور على فتاة اختفت في ظروف غامضة منذ عام كامل، والمشكلة أن أم الفتاة لا تتوقف عن التصعيد لوسائل الإعلام، مما يضطر الولاية لانتداب محقق لمساعدتها في العثور عليها، ويزداد الأمر تعقيداً بعد العثور على جثة أم شابة على ضفة أحد الأنهار.
أما من الناحية الاجتماعية، فهي ابنة لا تستطيع التعايش بسلام مع وجود أمها في المنزل بعد انفصالها عن زوجها، الذي قرر الزواج من جديد في المنزل المجاور!، وكأم فهي تعاني من ألم فقد ابنها الذي شنق نفسه في منزلها قبل عدة أشهر، فلا هي قادرة على مواجهة الأمر، ولا هي قادرة على تخطيه، وكجدة فهي تقاتل من أجل الحصول على حضانة حفيدها، الذي تريد أمه الحق الحصري في حضانته رغم كونها غير مؤهلة لا من الناحية النفسية ولا المادية، وبعد كل ذلك فهي لا تجد الوقت الكافي لمشاعرها الخاصة، ملابسها دائماً فضفاضة تخلو من الذوق، لا تضع أي مكياج أو مستحضرات تجميل، وعندما تقابل من يخطب ودها، تتهرب منه لأنها غارقة في مشاكلها حتى النخاع.
النتيجة الإجمالية لكل ذلك أنها أصبحت تفتقد اللياقة اللازمة لأداء وظيفتها، صحيح أنها كانت رياضية في شبابها، وكانت بارعة في لعب كرة السلة، إلا أن طبيعة حياتها فرضت عليها فوضى غذائية، فلم نرها أبداً تتناول وجبة طعام طبيعية في المنزل أو العمل، تعيش على الشطائر إن وُجدت، كما أنها تصارع نفسها للتخلص من التدخين عبر السجائر الإلكترونية، ولذلك كان من المنطقي للغاية أن تتعثر وتصاب بقدمها أثناء مطاردة بسيطة لم تتجاوز عدة أمتار.
وإكمالاً لكل ذلك البناء الممتاز والتفاصيل الواقعية، فشخصية ماري لا تخلو أبداً من التناقض كأي انسان حقيقي، فبالرغم من أنها تمثل القانون، إلا أنها لا تستخدم سلطتها تلك دائماً بطريقة عادلة، نراها مثلاً تتعمد إحراج فتاة في مقر عملها والقبض عليها أمام الزبائن رغم توسلاتها وتوسلات والدها، إلا أن اعتقادها أن تلك الفتاة قد تورطت في أذية الضحية كافٍ تماماً لإحراجها بهذا الشكل، يتكرر الأمر مع طليقها الذي تفضحه أمام خطيبته الجديدة وأقاربه، والإفصاح أنه مشتبه به كمتورط في القضية، بل والوقوع في خطيئة أخلاقية مع الضحية التي هي تلميذته، والأمر لا يخلو كما هو واضح من انتقام شخصي، وتصل تلك الممارسات الخاطئة إلى درجة مخالفة الأمانة والقانون بشكل صريح، فلكي تقطع طريق الحضانة على زوجة ابنها التي كانت مدمنة مخدرات في الماضي، تسرق من خزانة الأدلة بمقر الشرطة مظروفين (هيروين) وتتلاعب بالسجلات الخاصة بالخزانة، وتدس لزوجة ابنها العقار بسيارتها، وهو ما يمثل الخطأ الأخلاقي والقانوني الأكبر الذي تقع به، والأسباب التي تجعلنا نسامحها على تلك الفعلة، أولاً أنها كانت تريد الحفاظ على حفيدها، وثانياً أنه قد تم إيقافها عن العمل لخيانتها شرف المهنة، وثالثاً كونها عثرت أخيراً على الفتاة المختفية هي وضحية أخرى.
الزمالة التي تجمع ماري والمحقق كولن هي من أفضل عناصر السيناريو، لأن طبيعتها وإيقاعها يتغير ويخدم أهداف السيناريو بطريقة ممتازة، في البداية نتعرف عليه باعتباره المحقق العبقري الذي كشف لغز جريمة مشابهة، وبطبيعة الحال تكون العلاقة بينهما في البداية متوترة، فماري محققة لا يشق لها غبار وتعلمت على يد والدها الذي جعلها أحبت عملها، فهي لا تحتاج إلى مساعدة، كما أن الوافد الجديد أصغر سناً وخبرة ويتعامل بارتباك، ثم يتغير الأمر مرة أخرى ويتفقان على التعاون طالما أنها صاحبة القضية وهو فقط سيساعدها، وأثناء العمل نلاحظ مدى تفوقها الواضح في قدرتها على تحليل الأمور واستنتاجها، لتصبح العلاقة تدريجياً علاقة تلميذ بمعلمته، وتكلفه بالأمور اللوجستية التي ينفذها بدقة، ولكن بعد إيقافها من العمل، تأخذ العلاقة منحنى جديداً، فهو المطّلع على كافة تطورات القضية، وتعمل معه بشكل غير رسمي، فيكون هو منقذها في هذه الحالة، وبالرغم من ذلك فهي تستخدمه للوصول للأشخاص والأماكن التي لم يعد بمقدورها الوصول إليها، وتحتفظ لنفسها بالأدلة والقرائن وتقوم بالتحليل والاستنتاج وحدها بعيداً عنه، وفي وسط كل ذلك يرغب كولن في دفع الزمالة لتكون علاقة شخصية، وبالرغم من أن ذلك يرضي أنوثتها في البداية وتقابله بدلاً من صديقها المؤلف ريتشارد، ولكن تظهر نظرتها الحقيقية له خلال اللقاء، بأنه ليس أكثر من زميل عمل.
ثاني العناصر التي تعتمد عليها حبكة من القاتل، هو السر الفظيع الذي سنكتشفه مع تقدم الأحداث، وهو ما يمثل القضية الحقيقية التي يسعى صُنّاع العمل لإلقاء الضوء عليها، وللتدليل عليها فمن الطبيعي أن يوزع السيناريو أجزاءها المتناثرة على مختلف الشخصيات، حتى تتجمع وتتراكم في نهاية الأحداث بالكارثة الأكبر.
في البداية نحن أمام رضيع يحتاج لإجراء عملية جراحية في أذنه حتى لا يفقد السمع، يرفض والده أن يتكفل بها، ويرفض جده أن يتحملها، وتسعى الأم لتدبير المال اللازم حتى لو اضطرت لأخذ مسلك غير شريف في سبيله. لدينا عائلة فشلت في حماية ابنها من مصير المخدرات المُهلك، رغم أن الأب رجل تربوي والأم سيدة قانون، وعند تأمل تلك المفارقة ستشعر بحجم الفشل الذي وقع فيه الآباء. وقبل ذلك هناك زوج يعمل محققاً ولا يعود تقريباً للمنزل، وعند عودته يقضي أغلب وقته مع ابنته، وهو ما يغضب الزوجة ويجعلها تُنفّس ذلك الغضب في الطفلة المسكينة، ثم هناك شقيق مدمن للمخدرات يعيش على سرقة ممتلكات شقيقته لتأمين احتياجاته، وهو ما يدفع شقيقته لتمني موته لترتاح من أعبائه ومشكلاته. وأم أخرى تحاول التعافي من المخدرات ولكنها تنعس أثناء استحمام طفلها وهو ما يهدده بالموت غرقاً داخل حوض الاستحمام. وختاماً لدينا المأساة العائلية التي تنكشف في ختام المسلسل وتتكشف دوافعها طوال أحداثه، وهي ليست بعيدة عن كل ما سبق ذكره. كل ذلك دون أن نذكر مصير الفتيات اللاتي بسبب إدمانهن للمخدرات يضطررن للتورط في العمل كفتيات ليل وهو ما يؤدي بهن إلى مصير مظلم بكل معنى الكلمة.
إذن نحن أمام عمل يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم العائلة، إلى علاقتنا بأنفسنا في المقام الأول، ثم علاقتنا بشركائنا الذين يتأثرون بما نحن عليه، وثالثاً إلى أطفالنا الذين هم الثمرة الطبيعية للعلاقتين السابقتين، تقول هيلين والدة ماري لها إنها سامحت نفسها على الأخطاء التي ارتكبتها تجاهها منذ زمن طويل، وقد حان الوقت لماري لمسامحة نفسها على ما فعلته بابنها، العلاقة بالنفس أو الذكاء العاطفي الذي يدفع ماري إلى الانتظام مع الطبيبة النفسية بعدما لمست نتائجه على أرض الواقع، رغم أنها حاولت الأمر مع زوجها ومستشارة علاقات زوجية ولم يفلح الأمر، لماذا؟ لأنها لم تكن مستعدة بعد، ولم تكن على وفاق مع نفسها حتى تلك اللحظة، والرحلة الداخلية لماري طوال أحداث المسلسل، هي رحلتها في قبول ما حدث والتعايش معه، قد لن تتمكن من تجاوزه، ولكنها في النهاية تعلمت أن تتحدث عنه، وأن تسمح لمشاركة مشاعرها مع الآخرين، وهو ما يظهر بتجلٍ في مشهد الختام، عندما تتمكن وللمرة الأولى من الصعود إلى مكان الحادث.
كاري زوجة ابنها هي الأخرى تتعلم الدرس، فبعدما كانت تحارب بشراسة من أجل الحصول على حضانة ابنها، تعلمت أنها كادت أن تودي بحياته بسبب عودتها للمخدرات، وأنها كي تستحق تلك الأمومة، عليها أن تحارب نفسها أولاً، ثم تعود من جديد وهي مؤهلة للعب دورها، ونلاحظ أن هيلين (لأنها متصالحة مع نفسها) كانت هي الوحيدة المتفهمة لحاجة كاري لتعافيها، فلو فقدت الأمل نهائياً في احتضان ابنها، لن يعود لديها أي رغبة في التعافي على الإطلاق.
على الجهة الأخرى نرى كيف أن فرانك (طليق ماري) لديه النضج الكافي، لمعرفة أنه ليس المذنب الوحيد في فشل زواجه وموت ابنه، ولذلك يستطيع أن يتعايش مع كل ما حدث، بل ويختار بيتاً متاخماً لبيت طليقته، ليس لإغاظتها مثلاً، ولكن لان ابنتهما ما زالت في حاجة إلى كليهما، ولأنه ناضج كفاية لم ير في الزواج شراً مطلقاً عليه أن يتجنبه، على العكس من ذلك لم يتوان عن إنشاء عائلة جديدة يجد بها سعادته، وحتى عندما تتهمه ماري بتلك التهمة القاسية، يتمكن من إعادة لم شمل أسرته الجديدة، بل وتكوين علاقة صداقة متينة مع ماري وهيلين والجميع.
يحسب لكيت وينسلت العديد من النقاط في هذا العمل، فإلى جانب الأداء الذي وصلت فيه لذروة مسيرتها الفنية، ووعيها الكبير بعدم استخدام مكياج لعكس واقعية الشخصية على الشاشة، والإضافات والارتجالات التي قامت بإثراء الشخصية من خلالها، فإن دورها كمنتجة لا يقل بأي حال عن هذا القدر من الأهمية، اختيارها لأصدقائها جوليان نيكسلون وغاي بيرس في الأدوار التي أدوها، منح الأداءات مصداقية كبيرة وتلقائية. التمسك باللهجة المحلية لتلك المنطقة رغم انقطاع التصوير عدة أشهر بسبب الجائحة، ورغم صعوبة التصوير مع الإجراءات الاحترازية، إلا أن التمسك بأدق التفاصيل وأصغرها قد آتى بثماره في النتيجة النهائية.
ذو صلة