وتوفر مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية التي تبنت إصدارات المعلمة بالتعاون مع منظمة التعاون الإسلامي بجدة نسخة إلكترونية من (المعلمة) على موقعي المؤسسة والمنظمة، ويعد هذا العمل الأول من نوعه على مستوى العالم الإسلامي.
وتشكل (معلمة زايد) دليلاً بين يدي الفقهاء والأصوليين وعلماء الشريعة والمهتمين بالأحكام الشرعية من المثقفين والمفكرين، كما تعد مرجعاً علمياً موثوقاً أعدّ بعناية فائقة ودأب طويل حيث امتد العمل لإنجازها قرابة 22 عاماً.
وتأتي المعلمة التي تعد موسوعة علمية شاملة تضم القواعد الفقهية والأصولية المقاصدية مع الضوابط الفقهية بالاستناد إلى المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة) وهي المذاهب الفقهية السنية السائدة، بالإضافة إلى المذهبين الزيدي والجعفري من المذاهب الشيعية، إضافة للمذهب الأباضي والظاهري، وقد جاءت بعد سبر عميق ومتكامل من مجموعة من الفقهاء والخبراء.
وتعكس المعلمة دقة علماء الفقه ونبوغ المجتهدين إلى جانب نمو المنهج الفقهي عبر تراكم زمني وعلمي وتمحور اجتهاد الفقهاء العظام حول المقاصد الشرعية الكلية في القواعد الأصولية والأحكام الشرعية.
كما سلطت (معلمة زايد) الضوء على معالم التفكير الإسلامي الذي تمثل في أصول الفقه بصورة جلية باهرة. وتقدم المعلمة خدمة جليلة للاجتهاد الجماعي الرشيد، كما تعين على استنباط الأحكام للوقائع المستجدة والنوازل العامة التي تتطلب الاجتهاد الجماعي للوصول إلى الحكم الشرعي فيها.
وبالعودة إلى العامل التاريخي.. يظهر أن المعلمة جاءت كثمرة لقرار مجمعي برقم: 24(12/3) في عمّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، في اجتماع مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي في مؤتمره الثالث، والذي نص بالموافقة على مشروع معلمة للقواعد الفقهية وتأليف لجنة علمية رباعية لرسم منهج لها مع مشاريع علمية أخرى.
وقد بدأت الخطوات العلمية لهذا المشروع عقب موافقة مجلس أمناء مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية عام 1994م على تمويل المشروع، وتم إبرام اتفاقية تعاون لإنجاز المشروع بين المؤسسة ومجمع الفقه الإسلامي الدولي وبرعاية منظمة التعاون الإسلامي.
وحول أهمية المعلمة يذكر البرفسور أكمل الدين أوغلو الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أن: العالم الإسلامي عرف في القرن الماضي موسوعات فقهية أصدرتها مؤسسات علمية أخرى وضعها علماء أفراد؛ إلا أن هذه المعلمة في منهجها ومحتواها تأتي كنموذج فريد لم يسبقه عمل آخر في تاريخ الإسلام المعاصر إلا مجلة الأحكام العدلية التي صدرت في الدلة العثمانية عام 1876 وكانت تضم ستة عشر كتاباً.
ولعل أهم ما يميز هذه المعلمة أمران:
الأول: أنها تتعلق بقواعد الفقه الكلية وليس بفروع الفقه ومسائله المتنوعة. وقد جاء تبويب هذه القواعد على أربعة أقسام: (القواعد المقاصدية، القواعد الأصولية، القواعد الفقهية، الضوابط الفقهية).
أما الأمر الثاني فإنها جمعت مادتها من ثمانية مذاهب فقهية استقرت عليها شعوب الأمة منذ قرون؛ وهي الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية من مذاهب أهل السنة.. والزيدية والجعفرية من مذاهب الشيعة بالإضافة إلى المذهب الإباضي والمذهب الظاهري.
ويقول الشيخ الدكتور صالح بن حميد: تركز هذه المعلمة على الأحكام الكلية دون تشتيت الذهن بين الجزئيات الفقهية الكثيرة، كما تم استخراج الكليات الحاكمة للفروع الفقهية على مستوى أبواب الفقه متميزة عن القواعد الفقهية العامة في صورة ضوابط فقهية مستقلة، كما تم تصنيف القواعد الفقهية تصنيفاً موضوعياً يراعي مدى اتساع القاعدة وشمولها لعدة أبواب من الفقه.
أما الشيخ الدكتور أحمد بابكر فيقول: «الجهود التي بذلت من خلال هذا العمل العلمي الخالص هي من أجل وضع حقائق ومكونات شرعية الإسلام الخالدة بين يدي الباحثين عن الحق والخير لينهلوا منها جميعاً في يسر وسهولة وليعلموا أن اختلاف المذاهب ليس مدعاة للتفرق والشتات وإنما هو سعي لبيان أحكام الشرع المستقاة من النصوص حسب الدلالات المنبثقة عنها».
من جانبه يقول الشيخ العلامة أحمد الخليلي: «هذا العمل إنجاز علمي يستحق الشكر عليه كل من شارك فيه بجهد أو ببذل، ويعد بحق تاج فخر تتحلى به هامة هذا المجتمع الفقهي الكبير، ورصيد خير يضم إلى ما أنجزته مؤسسة الشيخ زايد بن سلطان للأعمال الخيرية والإنسانية».
كما أوضح الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية رأيه حول المعلمة بأنها: «ليست معلمة زايد الفقهية والأصولية مجرد تجميع للقواعد الفقهية والأصولية والمقاصدية والأخلاقية؛ بل هي حصيلة غوص في معاني هذه القواعد ودلالاتها، وارتباطات بعضها ببعض، واطلاع على فروعها ومستثنياتها وقيودها، فهي تعد ديواناً جمع من الفوائد والشوارد الفقهية والأصولية والأخلاقية ومناقشتها ما لا يوجد سواه».