مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

بلجـريــف.. الرحالة المتهم رحلـة 1862–1863م في ضـوء الشهـادات والخــرائـط والـوثائـق الأرشيفيـة

أثارت رحلة وليام جيفورد بلجريف إلى الجزيرة العربية سنة 1862–1863م جدلاً طويلاً بين الباحثين والرحالة الذين جاؤوا بعده إذ لم يقتصر الخلاف على دقة بعض أوصافه بل امتد عند بعض منتقديه إلى الشك في أصل وصوله إلى قلب نجد، ولا تهدف هذه المقالة إلى التسليم بكل ما دوّنه بلجريف ولا إلى نفي الاعتراضات التي وُجّهت إليه وإنما إلى عرض أهم الأدلة والقرائن المتصلة بوصوله إلى نجد عرضاً موجزاً ثم النظر فيها على نحو منفصل مع إيراد ما يتصل بها من وثائق وشهادات معاصرة، فالتمييز ضروري بين ثبوت أصل الرحلة وبين صحة كل تفصيل ورد في روايتها.
وعلى هذا فإن الإنصاف في قراءة رحلة بلجريف لا يكون بالتصديق المطلق ولا بالإنكار المطلق، وإنما بالرجوع إلى القرائن المستقلة التي تشهد له أو عليه، ومن هنا كان لا بد أن نغادر صفحات بلجريف قليلاً ونفتش في شهادات معاصريه ووثائق زمنه، فهناك بعيداً عن روايته هو قد يلوح الدليل، ومن أهم ما وقفت عليه من القرائن التي تؤكد مجيئه إلى نجد رسالة جاءت رداً على استفسار المقيمية البريطانية في بوشهر وطلبها التحقق من مرافقة خلف المجدمي المعروف بأبي عيسى لبلجريف وأخذ شهادته ورفعها إلى المقيمية.
تكمن أهمية هذه الإفادة في ارتباطها برجل كان جزءاً من الرحلة وشاهداً مباشراً يظهر اسمه في تدوينات بلجريف وكانت إفادة تفصّل أوصاف بلجريف وخط السير رغم أن خلفاً قطعاً لم يطلع على الرحلة المنشورة فتكون بذلك وثيقة مهمة تثبت مصداقية وصول بلجريف إلى نجد، وبحسب مضمون الإفادة التقى أبو عيسى في بريدة رجلين أحدهما أشقر اللحية أزرق العينين واستأجراه لمرافقتهما في السفر، ثم تذكر الرواية انتقالهم إلى الرياض وإقامتهم فيها وممارسة الرجلين للطب قبل مواصلة الطريق إلى الأحساء، ثم انتقال بلجريف بعد ذلك إلى شرق الخليج وعُمان وتكتسب هذه الشهادة ثقلاً خاصاً لأنها لا تصدر عن المتهم الذي لا يثبت لنفسه فالكتاب روايته والخريطة مبنية على معلوماته ومحاضرته أمام الجمعية الجغرافية بعرض قدمه هو، أما هنا فنجد رجلاً آخر ارتبط اسمه بالرحلة يروي من جهته مساراً يتقاطع في نقاط أساسية مع ما كتبه وهذا التقاطع لا يثبت صحة جميع تفاصيل الكتاب لكنه يجعل إنكار وصول بلجريف إلى الرياض أصعب بكثير.
رسالة يوسف بن عبدالمحسن البدر
لا تقف القرائن عند أبي عيسى فالملف الأرشيفي المرتبط ببلجريف في السجلات البريطانية يتضمن مواد شاهدة على مواصلة بلجريف الطريق إلى القطيف وبوشهر وهو الطريق الذي ذكره في رحلته، كما توجد إفادة للطبيب روزاريو في مسقط عام 1863م تثبت لقائه ببلجريف وتربط قرينة القسم النجدي ببقية مسار الرحلة مما يؤكد صدق رحلة بلجريف الذي كان متهماً لسنوات، ثم كيف يكون بلجريف مختلقاً -وتلك قرينة عقلية- وهو الذي عرض روايات مبكرة لرحلته أمام الجمعية الجغرافية قبل صدور رحلته مطبوعة ثم نُشرت ملاحظاته بتاريخ 1864 فبراير22 في العدد الرابع والثلاثين من مجلة الجمعية الملكية الجغرافية وفي هذه المادة المبكرة عدّد المناطق التي قال إنه زارها منها الجوف وحائل وبريدة والقصيم وسدير والعارض والرياض والدرعية ثم الأحساء والقطيف ومناطق أخرى في شرق الجزيرة العربية.
ومن القرائن التي اطلعت عليها في سجلات الأرشيف البريطاني في الهند وترجمتها ترجمة حرفية ملف محفوظ في المكتبة البريطانية، سجلات مكتب الهند والأوراق الخاصة، رقم الحفظ: Mss Eur F126/68، مراجعات معاصرة لكتاب بلجريف، 1865م ومتاحة عبر مكتبة قطر الرقمية ويضم هذا الملف ثلاث مراجعات نشرت عام 1865م في السنة التي نشر فيها بلجريف رحلته، اكتسبت هذه المواد قيمتها لكونها أول تناول نقدي معاصر لرحلة بلجريف في سنة صدور رحلته وبذلك لا تمثل هذه المراجعات صدىً عابراً بل شهادة معاصرة على طريقة استقبال الرحلة، وتكشف أن رواية بلجريف خضعت للفحص والنقد منذ البداية قبل اعتراضات فيلبي وبيرتون بعقود، والمراجعة المطولة مع تحفظها على بعض جوانب روايته وعدم تعاملها معه بوصفه مصدراً معصوماً من الخطأ لم تجد سبباً كافياً لإنكار الخطوط العامة لما عرضه بوصفه مشاهدة شخصية، ولا تثبت هذه المراجعات وحدها وصوله إلى نجد لكنها تكتسب وزناً عند ضمها لإفادة أبي عيسى ورسالة يوسف البدر وسائر القرائن فهي تبين أن الشك في بعض التفاصيل كان حاضراً منذ صدور الكتاب من غير أن يقود المراجعين المعاصرين لها إلى إسقاط الرحلة كاملة وهو ما يميز هذا التلقي المبكر عن الاعتراضات اللاحقة التي ذهبت إلى النفي الكامل، أما الخريطة المنشورة لمسار بلجريف في الجزيرة العربية والتي تبين خط سيره فلا يمكن عدها دليلاً مستقلاً على وقوع الرحلة لأنها مبنية في أصلها على معلومات أوردها المتهم بلجريف، لكنها وثيقة مهمة لاختبار روايته بمقارنة المسار المرسوم فيها بالتضاريس والمسافات والطرق الفعلية بين المواضع التي ذكر المرور بها.
خريطة مسار وليام جيفورد بلجريف في الجزيرة العربية
ويزداد هذا الأمر وضوحاً في مذكرة السير بارتل فرير المؤرخة في 9 أكتوبر 1865م، إذ أشار إلى زيارة العقيد لويس بيلي للعاصمة، وقرن بها زيارة بلجريف السابقة فقال: «زيارتا السيد بلجريف والعقيد بيلي إلى العاصمة الوهابية...». وتكتسب هذه العبارة أهميتها من أن فرير لم يورد زيارة بلجريف في معرض الشك أو التحقيق، بل ذكرها بوصفها زيارة سابقة لزيارة بيلي، ومن ثم تمثل الوثيقة قرينة بريطانية معاصرة على أن زيارة بلجريف للعاصمة كانت معروفة في الأوساط البريطانية آنذاك، مع بقاء ما دوّنه عن تفاصيل رحلته مفتوحاً للنقد والتمحيص.
صورة من مذكرة السير بارتل فرير المؤرخة في 9 أكتوبر 1865م
كان ريتشارد بيرتون وجون فيلبي من أبرز من شككوا في رواية بلجريف وتجاوز نقدهما بعض أخطائه ومبالغاته إلى التشكيك في دخوله نجداً، وقد انصب نقد فيلبي على جوانب جغرافية وطبوغرافية ومنها على سبيل المثال اعتراضه على ما ذكره بلجريف من رؤية عنيزة من موضع في بريدة وهو ما عدّه فيلبي غير ممكن جغرافياً، ولا شك أن مثل هذا الاعتراض جدير بالنظر ويضعف الثقة بدقة بعض أوصاف بلجريف الجغرافية، غير أن الانتقال من إثبات خطأ في وصف موضع أو تقدير مسافة إلى إنكار وقوع الرحلة نفسها يحتاج إلى دليل آخر، فصعوبة القياس أثناء التخفي وعدم انتظام التدوين الميداني والاعتماد أحياناً على تقدير المسافات أو معلومات الأدلاء، كلها عوامل يمكن أن تنتج عنها أخطاء جغرافية من غير أن يلزم منها أن صاحب الرحلة لم يسلك الطريق، وبذلك يمكن أن يكون فيلبي محقّاً في بعض اعتراضاته الجغرافية من دون أن يكون استنتاج إنكار وصول بلجريف إلى نجد لازماً عنها، وأنصف الأقوال في هذه المسألة ما ذكره ديفيد جورج هوغارث في كتابه اختراق الجزيرة العربية إذ ذهب إلى أن بلجريف قام بالفعل بالرحلة التي وصفها، وهذا الحكم مهم لأنه يفرّق بين ثبوت أصل الرحلة وبين التسليم بصحة كل تفاصيلها، ويزداد التحفظ عند التعامل مع الحوارات المطولة التي أوردها بلجريف إذ إن إعادة تدوينها من الذاكرة بحسب قوله تجعل من المتعذر اعتبارها نقلاً حرفياً دقيقاً لما قيل، وإن أمكن الاستفادة منها في فهم مضمون الحديث وسياقه العام وبخاصة ما أثبته من الحوارات في الرياض لأنها ليست محاضر حرفية بل صياغة أدبية لاحقة.
- رسالة يوسف بن عبدالمحسن البدر، British Library، India Office Records، Mss Eur F126/61.
- خريطة بلجريف: Map of Arabia shewing the routes of W. G. Palgrave Esq. in 1862–3، منشورة للجمعية الجغرافية الملكية في لندن، 1865.
- Reviews of A Narrative of a Year’s Journey through Central and Eastern Arabia، 1862–63، by William Gifford Palgrave، ملف يضم ثلاث مراجعات معاصرة للكتاب، British Library، India Office Records، Mss Eur F126/68، متاح عبر مكتبة قطر الرقمية.
- ديفيد جورج هوغارث، اختراق الجزيرة العربية، 1904م.

ذو صلة